بعدما طرنا فرحًا ببيان التنحي الذي تلاه عمر سيلمان-والذي بدا كأنه ينعى أباه-صرخنا قائلين “نجحت الثورة” “دي نهاية الشر والظلم خلاص مش هيعود”، وعلى حين غفلة وجدنا أنفسنا أمام “لا والله ما حكم عسكر”. ما الذي حدث؟ وكيف لمن صمدوا في وجه البطش والظلم أن يتخلوا عن حلمهم، بل كيف هرب الحلم الذي طاردنا لنصبح نحن من يطارده ولا نستطيع مجرد اللحاق به؟! هذا ما سنعرضه هنا لنرى المقولات العشرة التي تم بها خداعنا وتغيير مسار الثورة وتسليم حلم الشعب لمن لم يكن على قدر المسئولية: –

1- الشعب خلاص أسقط النظام

Embed from Getty Images

بداية للحكم على تلك المقولة نحن بحاجة إلى أن نضع تعريفًا للنظام لنتحدث على أساسه: ففي علم السياسة يتم تعريف النظام السياسي بأنه “مجموعة من القواعد و الأجهزة المتناسقة المترابطة فيما بينها تبين نظام الحكم ووسائل ممارسة السلطة و أهدافها و طبيعتها و مركز الفرد منها و ضماناته قبلها – كما تحدد عناصر القوى المختلفة التي تسيطر على الجماعة و كيفية تفاعلها مع بعضها – هذه العناصر و إن لم تكن من طبيعة واحدة بل من طبائع أخرى مختلفة – قانونية و اقتصادية و اجتماعية – فإنها ترتبط ببعضها البعض ارتباطاً وثيقاً يكون منها مجموعة متناسقة متفقة[1]

وطبقًا لهذا التعريف فالنظام يتمثل في كل أجهزة الدولة السلطوية سواء كانت: رئاسة، قضاء، شرطة، جيش، مؤسسات اقتصادية، اجتماعية قانونية أو حتى إعلامية، باختصار أي مؤسسة أو مجموعة من الأفراد لهم سلطة على الشعب فهم مكون من مكونات النظام.

وما حدث في يناير أننا اسقطنا: الرئاسة والشرطة فقط، واختزلنا كل النظام فيهما؛ فبقي لدينا باقي النظام بكل سلطاته، ولأن المؤسسات السلطوية مرتبطة ببعضها البعض؛ أعاد النظام بناء ما هدمنا وتعلم من أخطائه، ليس هذا فحسب بل أنه استخدمنا في إعادة بناء النظام وترميمه؛ فنجد أننا نقلنا السلطة الرئاسية من الرئيس إلى المجلس العسكري، أي أننا  نتيجة لعدم وجود رؤية مستقبلية واضحة أو معرفة بطبيعة النظام أحدثنا تبادل للأدوار داخل نفس النظام ونفس المؤسسات، فأي ثورة تلك التي تسلم مقاليد الحكم ليد أخرى من أيدي النظام؟!

هكذا نجد أن النظام هو من أسقط الشعب وسلب منه سلطته- نقصد سلطة الإدارة وليست سلطة التشريع-التي اكتسبها عن طريق الثورة، وليس الشعب هو من أسقط النظام.

2- الجيش والشعب إيد واحدة

Embed from Getty Images

هذه المقولة من المفترض لها أن تكون من البديهيات المنطقية كون الجيش المصري يستمد قوامه من الشعب، ولكن من البديهيات أيضًا: أنه لا بدَّ للحكم على طرفين أنهما “يد واحدة” أن يحملا نفس الهدف المشترك الذي يعملان عليه، فهل كان للجيش والشعب نفس الهدف المشترك لنقول إنهما “إيد واحدة”؟ دعونا نرى…
منذ قيام الثورة كان هدف الشعب “عيش حرية عدالة اجتماعية” وتحرك الجميع في هذا الاتجاه بداية من التحرير ومرورًا بمجلس الوزراء والعباسية وشارع عيون الحرية-محمد محمود-وإلى الآن ما زال الشعب يردد الثورة مستمرة.

أما الجيش فأعلن أنه يتحرك لمصلحة الوطن-ولم يحدد ما هي تلك المصلحة-وكذلك مصلحة المواطنين ومكتسبات ثورتهم، ولكن جاءت تحركاته على غير هذا النهج: تولى المجلس العسكري السلطة في 11 فبراير 2011 بتكليف مباشر من مبارك وحدد  في مارس 2011 موعدًا أقصاه ستة أشهر لتسليم السلطة للشعب، وبعد انقضاء الشهور الست لم نجد أي حراك ولا إجراءات من المجلس لتسليم السلطة، ومع ملاحظة ذلك التباطؤ من المجلس العسكري في تنفيذ وعوده وطمعه في السلطة بدأت التحركات الشعبية والضغط الشعبي يزداد، إلى أن وصل الثوار والمجلس العسكري إلى مفترق الطرق بعد أحداث العباسية، وعندها ظهر الوجه الحقيقي للجيش والمجلس العسكري حيث بدا واضحًا للجميع أن المجلس العسكري يخطط للاستيلاء على السلطة وإعادتها إلى الجيش مرة أخرى في محاولة لاحتواء تلك الثورة التي أدت دورها بتنحية مبارك ووقف مشروع التوريث الذي كان يعده، هذا غير الكثير من الوعود التي أطلقها المجلس العسكري ثم سرعان ما نقضها، حيث يأتي على رأس القائمة: المحاكمات العسكرية للمدنيين.

وفي محاولة من المجلس العسكري لإخفاء أطماعه سمح بعمل انتخابات رئاسية يشرف هو عليها حيث وضع خطته بإحكام خلال الستة عشر شهرًا التي قضاها في سدة الحكم؛ ليعود من جديد بعد عام واحد فقط من تسليم السلطة الوهمي الذي حدث في 2012، ولكن هذه المرة عاد بمزيد من البطش والاستبداد والطغيان.

فلا يمكن أن تكون هذه هي الأهداف التي خرج الشعب من أجلها وتحمَّل في سبيلها الدماء والمطاردات والاعتقالات، وهكذا يتضح لنا أن “الجيش والشعب إيد واحدة” ما كانت إلا مغالطة واقعية اثبت الوقت خطأها.

3- الجيش حمى الثورة

Embed from Getty Images

الحقيقة أن أحدًا لم يخبرنا: الجيش حمى الثورة مِن مَن، بل حمى ثورة مَن؟
وللإجابة على هذا التساؤل سنذكر بعض الأحداث التي شهدتها مصر خلال فترة حكم المجلس العسكري:

  • جاء في البيان رقم 3 للمجلس العسكري الصادر في 11 فبراير 2011: يتقدم المجلس الأعلى للقوات المسلحة بكل التحية والتقدير للسيد الرئيس محمد حسني مبارك على ما قدمه في مسيرة العمل الوطني، حربا وسلما، وعلى موقفه الوطني في تفضيل المصلحة العليا للوطن.
  • في 25 فبراير أي بعد أسبوعين فقط من التنحي: اعتدت قوات من الشرطة العسكرية على المعتصمين في التحرير كما طاردتهم في الشوارع؛ مما دفع المجلس العسكري لتقديم رسالة اعتذار عن استخدام القوة لتفريق المعتصمين، زاعمين أن الحدث جاء نتيجة احتجاجات غير مقصودة بين الشرطة العسكرية وأبنائنا من الثوار.
  • قامت القوات المسلحة باستلام تأمين مقرات أمن الدولة في مارس 2011 حسب الشاهد في قضية فرم المستندات، وبدون أي سابق إنذار قام العاملون في مقرات أمن الدولة بحرق وفرم مستندات الإدانة التي لديهم وعند محاولة الشباب وقف تلك الجريمة قامت قوات الجيش بالتصدي لهم وعندما تمكن الشباب من اقتحام مبنى أمن الدولة وجدوا أن معظم المستندات قد انتهت بالفعل إما عن طريق الحرق أو الفرم.
  • 9 مارس 2011 قامت قوات الجيش بفض اعتصام ميدان التحرير بالقوة واعتقال عدد من الشباب والفتيات حيث تم التعدي عليهم داخل إحدى الوحدات العسكرية فيما عرف بين المتظاهرين بحادثة “كشوف العذرية وسلخانة المتحف المصري”
  • 16 مايو 2011 وفي ذكرى النكبة: فضت قوات من الشرطة العسكرية مظاهرة أمام السفارة الصهيونية، ما أدى إلى إصابة الكثيرين، منهم مصابون برصاص حي، كما ألقى القبض على عدد كبير من المتظاهرين ونقلهم إلى السجن الحربي.
  • 28 يونيو 2011 أحداث مسرح البالون: حيث اعتدت الشرطة العسكرية على أسر الشهداء، وندد المجلس القومي لحقوق الإنسان بالحادث، وأكد أن قوات الشرطة استخدمت القنابل المسيلة للدموع بإفراط ضد المتظاهرين؛ مما تسبب في وقوع كثير من حالات الاختناق في صفوف المتظاهرين. وأشار المجلس إلى أن أحد باحثيه لاحظ إطلاق ما يقرب من ١٠٠ قذيفة مسيلة للدموع خلال ساعتين واعتقال الشرطة لمواطنين في أثناء إسعافهم مع عدم الإعلان عن أعدادهم وأسمائهم وأماكن احتجازهم مع إحالتهم للنيابة العسكرية.
  • 9 سبتمبر 2011 مذبحة ماسبيرو: توجهت مسيرة للأقباط إلى مبنى ماسبيرو للتنديد بفض اعتصامهم بالقوة منذ أيام حيث فوجئوا بقيام عدد من مدرعات الجيش بمهاجمتهم؛ وهو ما أسفر عن سقوط أكثر من 300 مصاب، وقتل 28 بين مصاب بالرصاص ومدهوس تحت عجلات المدرعات.
  • أحداث محمد محمود وهي أكثر الأحداث دموية في فترة حكم المجلس العسكري: حيث نتج عنها 46 شهيدًا وآلاف المصابين نتيجة التعدي المتواصل على المتظاهرين بواسطة الخرطوش وقنابل الغاز، فيما فقد المئات أعينهم بسبب تصويب بعض الضباط على أعين المتظاهرين، وأشهرهم هو الضابط «محمود الشناوي» الذي أطلق عليه “قناص العيون”، وتوقفت الاشتباكات بعد بناء جدار أسمنتي في محمد محمود للفصل بين الداخلية والمتظاهرين.
  • 4 مايو 2012 مذبحة العباسية: والتي تعد أكثر الأحداث عنفًا بعد أحداث محمد محمود ومجلس الوزراء حيث تم استهداف الجميع بمن فيهم أطباء المستشفى الميداني حتى انتهى الأمر باقتحام الجيش للاعتصام وتفريق عشرات الآلاف في نهار الجمعة واقتحام مسجد النور بالعباسية واعتقال أكثر من ثلاثمائة متظاهر وإعلامي وصحفي.

يبدو أن الأمر أصبح واضحًا أن الجيش حمى الثورة المضادة التي قادها هو بنفسه من بطش الثوار بها، لنجد أن الثورة المضادة هي من وصلت إلى سدة الحكم وأن الثوار هم من وصلوا إلى المعتقلات.

4- لابد من المحافظة على هيبة الدولة

Embed from Getty Images

بدايةً ما هي هيبة الدولة؟  وما مصدرها؟ بل ما هي الدولة أصلًا؟ هل الدولة هي تلك الحدود والأراضي التي كُتب عليها ملك للدولة؟ أم أنها تلك القيم والعادات التي لا نستطيع الخروج عنها مهما كانت خاطئة، أم أنها صورة الحاكم والنظام؟

فلنتحدث أولًا عن مفهوم الدولة: الدولة هي مجموعة من الأفراد “يطلق عليهم الشعب”، تستقر على مساحة معينة، وتعيش حسب نظام معين “سياسي، اجتماعي، قانوني”، تتمتع فيه مجموعة معينة بالسلطة والإكراه وحق استخدام القوة على جميع الأفراد.

أي أن مقومات الدولة الرئيسة هي: الشعب والأرض والحكومة والسيادة. وأي اعتداء على أي مكون من الأربعة مكونات يُعدُّ اعتداءً على الدولة.

ثانيًا هيبة الدولة: الهيبة من المنازل التي تتغلغل للفكر الإنساني نتيجة تصرفات صحيحة تقود للاحترام والمهابة، وعكس ذلك فإن التصرفات غير الصحيحة تقود لعدم الاحترام والاستخفاف سواء أكان من الأفراد، أم من النظام، وسواء تعلق هذا الأمر بالتصرفات والأعمال أو حتى مجرد الأفكار.

ما نخرج به هذين التعريفين أن: الدولة تتمثل في الشعب والنظام والسيادة والأرض، وأي تصرف غير صحيح في حق أي مكون من مكونات الدولة يقود لعدم الاحترام أو الاستخفاف هو نيل من هيبة الدولة.

ولكننا نرى دائمًا اختزالًا عجيبًا لمفهوم الدولة يتلخص في النظام ومدى قدرة هيئاته السلطوية على فرض سلطتها على الشعب، ومن هذا المنطلق أصبح المفهوم الشائع لهيبة الدولة يتم قياسه عن طريق قدرة البطش لدى الدولة وما يتوفر لها من آلات قمعية تمنع أي أحد من المساس بقرارات السلطات  ونقدها ولا حتى مجرد الاعتراض على هذه القرارات حيث يُعدُّون نقد أي قرار “سيادي” هو مساس بهيبة الدولة وصورتها أمام باقي الدول.

وفي هذا الصدد ومن خلال تلك العقلية في الإدارة والإعلام تم تحجيم حركات الثوار في الخروج الحقيقي على النظام وإحداث تغييرات ثورية على بنية تلك النظم القمعية، حيث تم ربط الدولة في عقول الشعب بصورة النظام وهيئاته، حتى أصبح الحديث عن هيكلة جهاز الشرطة بعدما رأيناه من ذلك الجهاز وعلمناه وتأكد الجميع من صحته هو درب من الخيال، والمساس بهذا الجهاز هو زعزعة للأمن والاستقرار، كما أصبح الحديث عن محاكمات ثورية لبلطجية النظام الحاكم هو تعدي على هيبة الدولة المتمثلة في القضاء، وبهذا وصلنا إلى حالة من تقييد وإعاقة التغيير الثوري؛ وهو ما نجني ثمرته الآن بعودة كاملة لكل وجوه النظام القديم ولكن بصورة أقوى تحرص على الانتقام ممن كان سببًا في تنحيتها عن الحكم، وهذا بالطبع نتيجة حفظ هيبة النظام المجرم على حساب هيبة الشعب.

5- الدستور حقق تطبيق الشريعة وأنهى الدولة العسكرية

Embed from Getty Images

أوهمت الدعاية الإعلامية لدستور 2012 أن الدستور جاء انتصارًا للشريعة الإسلامية كما أنه أنهى على فكرة الدولة العسكرية حتى جاءت الموافقة الشعبية على مشروع الدستور بنسبة 63.8%. ولكن لنرى هل كانت تلك الدعاية على حق، وأن الدستور قد حقق بالفعل تطبيق الشريعة وإنهاء الحكم العسكري أم لا:

أولًا بخصوص تطبيق الشريعة:

نصت المادة الثانية على: “الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع”

حيث جاء في تفسير المحكمة الدستورية لكلمة (مبادئ الشريعة) ” فلا يجوز لنص تشريعي، أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها، باعتبار أن هذه الأحكام وحدها هي التي يكون الاجتهاد فيها ممتنعا، لأنها تمثل من الشريعة الإسلامية مبادئها الكلية، وأصولها الثابتة التي لا تحتمل تأويلاً أو تبديلاً[2]

كما جاء أيضًا في تفسير المحكمة “ومن ثم صح القول بأن اجتهاد أحد من الفقهاء ليس أحق بالاتباع من اجتهاد غيره، وربما كان أضعف الآراء سندًا، أكثرها ملاءمة للأوضاع المتغيرة، ولو كان مخالفا لآراء استقر عليها العمل زمنا”[3]

وبرغم كل هذا الالتفاف على الشريعة في إقامتها وتحكيمها من خلال استخدام لفظ “مبادئ الشريعة”، ورغم أن هذا الخلاف معلوم منذ زمن وقامت فيه الكثير من الدراسات والأبحاث إلا أن الدستور خرج بهذا العوار من تحت أيدي من زعموا أنهم ما جاءوا إلا لإقامة الشريعة. فهل حقًا إقامة دين الله يحتاج إلا كل هذا الالتفاف ويحتاج إلى إرضاء البشر على حساب إقامة شريعة رب البشر؟[4]

ثانيًا اسقاط حكم العسكر:

  • مادة (197) وفي الحديث عن مجلس الدفاع الوطني: “ويختص بالنظر في الشئون الخاصة بوسائل تأمين البلاد وسلامتها، ومناقشة موازنة القوات المسلحة، ويجب أخذ رأيه في مشروعات القوانين المتعلقة بالقوات المسلحة.”
  • مادة (198) والتي حملت عسكرة حقيقية للدولة: “القضاء العسكري جهة قضائية مستقلة، يختص دون غيره بالفصل في كافة الجرائم المتعلقة بالقوات المسلحة وضباطها وأفرادها. ولا يجوز محاكمة مدني أمام القضاء العسكري إلا في الجرائم التي تضر بالقوات المسلحة؛ ويحدد القانون تلك الجرائم، ويبين اختصاصات القضاء العسكري الأخرى”.
    كما جاء في نفس المادة: “وأعضاء القضاء العسكري مستقلون، غير قابلين للعزل، ويكون لهم كافة الضمانات والحقوق والواجبات المقررة لأعضاء الجهات القضائية.”
  • مادة (64) أو بمعنى آخر مادة العمل بالسخرة: “العمل حق وواجب وشرف لكل مواطن، تكفله الدولة على أساس مبادئ المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص. ولا يجوز فرض أي عمل جبرا إلا بمقتضى قانون” ومَن منا لا يعلم ما يحدث داخل الجيش للمجندين إجباريًا للعمل بالسخرة سواء لتنفيذ أوامر القادة باستخدامهم كآلة قتل أو للعمل لصالح القائد ذا الرتبة العالية في العمل داخل مكتبه الخاص أو العمل كـ “دليفري” لمنزله، هذا بالطبع غير العمل داخل الوحدات الاقتصادية للجيش من مصانع وفنادق وقاعات أفراح وحتى محطات الوقود.

وبذلك نرى أنه بدا واضحًا للجميع صحة المقولة: “فلا الشريعة قد علت ولا حكم العسكر قد سقط”

6- ولا يوم من أيامك يا مبارك

Embed from Getty Images

هذه تعد المقولة الأكثر خداعًا على الإطلاق ليس لأنها ذات أهمية، ولكن لأنها استغلت نقاط الضعف الطبيعية التي تتبع الثورات، والتراخي الحكومي في مواجهة البلطجة باسم حرية الشعب ومكتسبات الثورة، كما أنها استفادت من لعبة مبارك في الأزمات الكبيرة وهي التعتيم الإعلامي فلا يعلم الشعب عن تلك الأزمات التي حدثت في عهد مبارك إلا القليل جدًا. وتقع المسؤولية في انتشار هذه المقولة وتصديق الشعب لها على عاتق حكومة الإخوان، وكذلك يقع جزء منها على عاتقنا كوننا أسقطنا جزء فقط من النظام واكتفينا بهذا الحد، فاستطاع فلول مبارك في كل قطاعات الدولة من إحداث الأزمات الممنهجة والتي مست احتياجات الشعب الأساسية من الكهرباء والوقود، وفي المقابل كان رد فعل الحكومة “الله يسامحك يا اللي كنت السبب”. ما نعلمه جميعًا أن اللين في موضع الشدة ضعف، وحكومة الإخوان كانت لينة جدًا مع الثورة المضادة وانقضاضها على الثورة والحكم، إلى أن عادت الوجوه القديمة للحكم مرة أخرى.

أما عن أيام مبارك وما حدث فيها فسنكتفي بذكر جزء بسيط مما شهدته تلك الأيام، وما عليك إلا تذكر ما كانت تشير إليه هذه الكلمات: أمن الدولة، حبيب العادلي، تصدير الغاز لإسرائيل، التوريث، الخصخصة، عبارة السلام، كرامة المواطن، التعليم، الدعم، التأمين الصحي، الفصل التعسفي، أمن إسرائيل، تهميش سيناء، عجز الموازنة، الديون، صندوق النقد، قانون الطوارئ، إجراءات تقشفية، حكومة نظيف، الإعلام، الطبقية، العشوائيات، الاحتياطي النقدي، يا راجل كبر مخك، خليهم يتسلوا…

إذًا فالوضع في عهد مبارك لم يكن أفضل بكثير مما انتجته الثورة، إلا أن الفرق أن الثورة خرجت لإعادة الحقوق إلى مستحقيها لكن من قاموا بالثورة لم يستطيعوا المحافظة عليها، وطبيعي أن تتحمل المشاق في سبيل الحصول على حقوقك، وهذه هي المفارقة الكبرى بين الوضع بعد الثورة وحكم الطواغيت، فحكم الطواغيت تتحمل فيه المشاق والذل في سبيل استقرار النظام، أما في الثورات فأنت تتحمل في سبيل استعادة حقوقك.

7- الإصلاح التدريجي

Embed from Getty Images

تُقتل الثورات دائمًا على أيدي الإصلاحيين الذي لا يريدون الخروج من كنف النظم التي ثار عليها الشعب، فتتحول معهم الثورة من حالة التغيير الجذري للنظام إلى حالة الثورة التفاوضية التي تكتفي ببعض المكتسبات، مع كونها قادرة على استخلاص كامل الحقوق، وعادة ما تنتج هذه العقلية الإصلاحية عن منهج ضعيف لا يقوى على الخروج من المسارات المرسومة له وهؤلاء هم متنفس الثورات المضادة للرجوع مرة أخرى.

ترفض المناهج الإصلاحية أداء ضريبة الكرامة والعزة فيتوجهون بطاقتهم للبناء والإحلال إلى الشعب وليس إلى النظام، ودائمًا ما يلقون باللوم على قاعدة النظام الهرمي-الجمهور-خوفًا من المواجهات المباشرة مع رأس النظام وأذرعه، ينتظرون دائمًا ويودون أن غير ذات الشوكة تكون لهم، فيدخلون في منهج طويل جدًا لا يكاد ينتهي من الإصلاح المجتمعي والأخلاقي والنفسي، في حين أن النظام يبسط سلطاته أكثر وأكثر وتزداد جذروه ثباتًا، وهؤلاء الإصلاحيون مستمرون في التغيير داخل أركان هذا النظام حتى تبتلعهم جذور النظام وتقضي عليهم؛ ولنا في الثورة خير مثال حيث تم اقتياد الثورة إلى المنهج الإصلاحي ورفض مجرد الحديث عن محاكمات ثورية لرموز النظام بحجة التدرج واحترام قرارات مؤسسات الدولة والتي هي بالأساس جزءً من النظام، حيث انتهى بنا الحال إلى عودة النظام للحكم، وعودة الشعب للمعتقلات والمطاردات.

أما المناهج الثورية: فتتجه بطاقتها لهدم رأس النظام وأذرعه، في نفس الوقت الذي توجه فيه مواردها للتغير في القاعدة الشعبية، ونشر الوعي الثوري اللازم؛ حتى تصبح تلك الجماهير هم وقود الثورة، ومحركها والمدافع عنها، بدلًا من كونهم معول هدم في يد النظام. وتستمر النظرية الثورية في العمل حتى تصل المناهج الثورية إلى جني ثمار بنائها حيث تتحول الحالة الثورية النخبوية والتي تولى فيها أصحاب المنهج هدم النظام وبناء القواعد الجماهيرية إلى حالة من الثورة الشعبية تختلط فيها النخبة بالشعب، وتصبح الجماهير نفسها محركة للفكرة ومستعدة للتضحية في سبيلها وليس فقط مجرد قطيع يتم اقتياده.

8- مصر كبيرة على الشباب

ثورة 25 يناير

صدعوا رؤوسنا بأن الشباب عديم الخبرة وغير قادر على مواجهة التحديات الكبيرة التي تشهدها البلاد، كما أنهم غير مؤهلين للقيادة ولا يستطيعون العمل على أهداف هذه المرحلة الحرجة والظروف العصيبة التي تمر بها البلاد، لذلك الحل الأمثل هو إبعاد الشباب عن الصورة وترك أمر الإدارة وتحقيق مطالب الثورة لأصحاب الخبرات.

لا أعلم كيف يفكر هؤلاء ويطلبون منا ترك تحقيق المكتسبات لأصحاب الخبرات الذين كانوا في الأصل جزء من النظام، فكيف السبيل إلى تحقيق الخبرة بدون التجربة؟ ويطلبون منا الانتظار حتى نصبح على قدر تحمل المسؤولية، ألم نكن على قدر تحمل المسؤولية حين قمنا بالثورة، أولم نكن على قدر المسؤولية حين حققنا ما كان يظنه هؤلاء أوهام، أولم يكن أسامة بن زيد شابًا حديث السن حين وضعه النبي-صلى الله عليه وسلم-على رأس الجيش الذي ذهب لغزو الروم؟

الأمر لا يحسب هكذا بأن هؤلاء أصحاب خبرة وهؤلاء شباب، فلا بد من وجود قادة على دراية بمجريات الأمور حتى إن لم يكن هؤلاء القادة هم الأكبر عمرًا، ولكنهم الأجدر على القيادة والمواجهة، والمواقف هي ما تثبت وليس الكلمات، والثورة أثبتت قدرة الشباب على القيادة أو على الأقل أظهرت ملامح للقيادة عند هؤلاء الشباب، ولو تولى الشباب القيادة ومعهم بعض الصادقين من أصحاب الخبرات؛ لما كان الوضع ليصل إلى أسوأ مما هو عليه الآن.

9- الجيش مع الشرعية

Embed from Getty Images

من المقولات التي تثبت مدى التغييب الذي وصل إليه الشعب، كما تثبت عدم قراءة للتاريخ وسير الأحداث فيه، بل تثبت أنه يوجد من لا يتعلم من أخطائه هو، حيث تم التعويل على الجيش مرة أخرى بعدما حدث أثناء الفترة الانتقالية التي قاد فيها الجيش البلاد نحو خطته المرسومة لإعادة الحكم إلى الجيش وإعادة الشعب إلى ثكناته.

الشرعية الوحيدة التي يتحرك الجيش من أجلها هي شرعية المصالح، حتى عندما انحاز مجبرًا للشعب في 25 يناير 2011 ما فعل ذلك إلا لمصلحة تلك المؤسسة في ألا يسقط كامل النظام فكان يكفيهم فقط التضحية برأس من رؤوس النظام للحفاظ على باقي النظام. فما وصلنا له الآن يتحمل ثمنه الأكبر من ظن خيرًا بالمؤسسة العسكرية وتوهم أنهم يتحركون من أجل مصالح الشعب.

10- اللي مش عاجبه ميدان التحرير مفتوح

Embed from Getty Images

هذه المقولة مثلها مثل سابقتها تمامًا تعكس عدم القدرة على قراءة المشهد، وأن المصالح والعداءات الشخصية أصبحت هي من تحكم التحركات، وكأن مصير الناس وأقدارهم لا يستحق عناء التروي في التفكير، وأن المصالحات التي عابوا عليها بالأمس أبرموها هم الآن، وكأن ما حدث في محمد محمود والعباسية ومجلس الوزراء وغيرها من المناسبات الثورية، لم يكن كافيًا لإثبات ولاء المؤسسة العسكرية للنظام وليس للشعب، فأبى هؤلاء إلا أن يعيدوا هذه الآلة القمعية إلى الصورة من جديد ولكن هذه المرة أعادوها عن طيب خاطر وليس عن جهل كما حدث في بداية الثورة.

الجميع تم خداعه والكل لديه أخطاء، ولم يبقى لنا الآن إلا العودة إلى أصل المنهج والبعد عن المصالح والمصالحات، فهناك جرائم لا تسقط بالتقادم، كما أن هناك من دفع الثمن غاليًا من دمائه أو حريته، فلا يمكننا المرور على حساب هؤلاء، أو التخلي عن مطالبهم.

الثورة مستمرة…

المصادر

[1] – على محمد شلبي، تاريخ الفكر السياسي

[2] جلسة السبت 18 مايو 1996

[3] المصدر السابق

[4] نتحدث هنا عن مواد من الدستور نفسه، ولا نتحدث عن الدستور ككل والذي أقرَّ بين طياته على أن الحكم والسيادة للشعب: وهذا الإقرار فقط كفيل بإيضاح أن الدستور لا يمت للشريعة بصلة بل ويحارب مبدأ “إن الحكم إلا لله”.

1679

الكاتب

دينا راغب

مهندسة حاسبات ونظم تحكم، كاتبة لمقالات رأي، ومحررة للأخبار، أهتم بقضايا المسلمين والمستضعفين، وأهوى القراءة والتدوين. ببساطة: أحلم خارج المسارات.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.