السطوة الروحية للمؤسسة الدينية الرسمية السعودية

Want create site? Find Free WordPress Themes and plugins.

أدرك الغرب على امتداد التجارب التي واجه فيها الأمة المسلمة خلال الحملات الصليبية وما تلاها من استعمار أن الدافع الرئيسي للتحرر وعنصر المقاومة في الأمة الإسلامية يَكمُن في دينها. ولمّا كان دستور المسلمين هو القرآن، وهو معجزة هذا الدين الخالدة، فقد عجز المغرضون عن تحريفه؛ لحفظ الله له.

وسعى رواد الاحتلال المعاصر -عبر تنصيبهم حكام العرب- لأن تكون مؤسسات الأمة تحت تصرف المستعمر بالوكالة، وامتدت الأيادي لتطول المؤسسات الدينية الرسمية؛ لتصبح أحد أجنحة السلطة، وتصبح هيمنتها الروحية وخطابها الموجه للجماهير أحد وسائل التخذيل، بالتالي صنعوا بحِيَلِهم دينًا ضد الدين، يشرف عليه كهان ورهبان الفرعون.

صَرْف المسلمين عن مفاهيم دينهم

وعلى مدار الاحتكاك الحضاري الذي هو طبيعة التدافع بين الأمم، استخلصت الحملات الغازية بجلاء فكرة أن الاحتلال لأمة “اقرأ” يبدأ من صرف المسلمين عن الروح الدافعة الكامنة في هذا الدين، تلك الوفرة الشاملة لمبدأ الحرية التي تجعل من المسلم بريقًا من الطاقة لا تقف أمامه أعتى الصروح.

إنه باعتقاده ألّا معبود بحق إلا الله، يُسقِط -بالضرورة- كل ما سوى هذه الحقيقة من الأوهام والخرافات والأصنام والجبابرة والطغاة الذين يعبدونهم الناس من دون الله.

كانت مهمة صرف المسلمين عن مفاهيم دينهم هي مهمة الدراسات التي انكب عليها الغرب بعد الحملات الصليبية الأولى والثانية؛ لكي يكون الاحتلال التالي مسلحًا بالدراية بتفاصيل الأمور، وبداية لحملة أُسِّست لصياغة تصورات مشوَّهة تعمل لإخضاع المسلم، ولكبح جماحه عن تعمير هذه الأرض؛ ليبقى المجال مفتوحًا أمام المخربين الجدد.

فكان لا بد من تحريف المفاهيم، وإفراغ القيم من مقتضياتها، وإنتاج فكر خنوع مصبوغ بصبغة العلم، ويرتكز على أصول موثوق بها، ثم تكون له سطوته الروحية المؤثرة التي تلقي بظلالها على المجتمعات، وتحول طبقة من الدعاة إلى مخدرين للأمة، ناشطين في تغييبها عن تحدياتها، مزيفين للواقع، آخذين في زرع الفرقة بين أبناء الدين الواحد، شاغلينهم بالخلافات.

داعمين مستسلمين أمام الغازي المغتصب الناهب، آلية لصرف طاقات المسلمين عن دورهم ورسالتهم في هذه الحياة؛ ليكونوا أحد مرتكزات حكم الطغاة، يستمد من امتطائهم شرعيته وشرعية كل جرائمه، في حين تحيط الحرائق بالجميع، وتستنزف الشروخ هيكل السفينة.

المؤسسات الدينية الرسمية أداة بيد السلطة

فكانت المؤسسات الدينية الرسمية التي يعمرها علماء السلاطين المدعومون بالسلطة، والمتحمسون لتقديس سكان القصور، كانت هذه المؤسسات أحد أدوات السطوة بتأثيرها على القلب النابض للأمة، ألا وهودينها، وتوجيهها للخطاب الرسمي، وتجميلها لبؤس الواقع.

لعل أمثلة هذه المؤسسات الرسمية كثيرة، لكن يبقى أثر المؤسسة الدينية الرسمية السعودية هو الأكبر لأسباب، منها:

  • وجود المقدس الأبرز ومبعث الرسالة تحت الإشراف السعودي؛ فمكة المشرفة وشعابها، والمدينة المنورة والروضة النبوية هي الأمكنة التي ترمز للرسالة المحمدية -على نبيها أفضل الصلوات وأعز التسليم-.

ومكة البيت العتيق التي رفع إبراهيم -عليه السلام- قواعده وإسماعيل، هي قبلة المسلمين في الصلاة، وهي التي يُشد لها الرحال في ركن الحج، رحلة الأشواق وتلبية النداء. وكل خطوة في شعاب مكة تحيل صاحبها لأحداث ووقائع من سيرة نبي الهدى -صلى الله عليه وسلم-.

والمدينة المنورة مهجر النبي -صلى الله عليه وسلم-، والتي تمثل نواة تكون الدولة المسلمة وانطلاقها… إذًا، فسيطرة آل سعود على البقاع المقدسة كان أحد مرتكزات هيمنة المؤسسة الدينية الرسمية السعودية.

أسباب تأثير المؤسسة الدينية الرسمية السعودية

  • الدور العلمي، والذي ساهمت فيه هذه المؤسسة في نشر العلوم الشرعية. فقد شارك العديد من العلماء المخلصين للدعوة والإسلام في النشاط العلمي والدعوي؛ الأمر الذي ساعد على اتساع دائرة تأثير هذه المؤسسة ليبلغ كل الأمة.

لا سيما بعد الدور الذي لعبته تاريخيًا في احتضان رموز ورجالات الصحوة وطيف الحركات الإسلامية، واحتوائها لجهودهم المتميزة وعطائهم الكبير الذي ساهم بشكل واسع في عودة حس التدين في مجتمعاتنا -خاصة منها التي سادها لعقود حكام يعادون الدين والتدين- مع عدم علمهم أن جهودهم الفذة سيحصدها آل سعود ومن يليهم من الأمريكان واليهود.

فكان النشاط العلمي والدعوي للمؤسسة الدينية الرسمية السعودية أحد ركائز السطوة الروحية، وساعد على ذلك تحول السعودية لوجهة لطلاب العلم الشرعي بعد تأسيس الجامعات العلمية.

  • الدعم المالي الذي وفرته السعودية لتصوير آل سعود بأنهم راعوا العلم والعلماء، الآمرون بالمعروف والناهون علن المنكر، وإصباغهم بصبغة شرف خدمة الإسلام والمسلمين، وما أفرزه هذا الدعم من ترسيخ هذه الصورة في عقول المسلمين. .
  • تأسيس مدرسة دينية مثلت الرحم والمولد والحاضنة لظاهرة الإرجاء المعاصر وعلماء السلطان، وتقديس أولياء الأمور وتجريم الطعن في شرعيتهم أو شرعية سياساتهم، وتطويع ولي عنق النصوص والفتاوى حتى توافق رغباتهم(1)، وإنتاج فهم تبريري مطلق لقرارات أصحاب السمو.

أدت العوامل السابقة لانتشار التخذيل والتذبذب في الأمة الإسلامية، بسبب السطوة الروحية التي فرضتها المؤسسة الدينية السعودية، وعبر امتداد تأثير هذه المدرسة خارج المملكة وتسللها إلى بقية العالم الإسلامي، لتبلغ قمة شناعتها فتصبح سلاحًا ضد كل كلمة حق وكل نفس حر وكل عزيمة صادقة لدحر الظلم والطغيان أو استرجاع مجد، سلاحًا في وجه كل من لا يوافق هوى الحاكم.

عقاب من تخلف عن مناصرة الباطل

 

حتى امتلأت السجون في السعودية وغيرها بالشرفاء من علماء الأمة(2)، لتصبح جرائم السجن والتعذيب مبررة وشرعية تدعمها الكروش التي امتلأت من موائد السلطان، واستبدلت منزلة العلماء عند الرحمن بفتات مسروق من بقايا ما تركه الأمريكان، الأمريكان الذين ينهبون كل قطرة حليب في حين نضوجها من بقرة آل سعود، ليتقاسم بقيتها أباطرة النهب وأمراء الخيانة وشيوخ البنتاغون.

لعل عدد المواقف وكم التخذيل يفوق أن يحصيه مجلد، ناهيك عن مقال. لكن لنستعرض بعضًا منها على سبيل الإشارة لا الحصر. إذ كان المسلمون، إبان الغزو الهمجي التتري الذي قادته أمريكا على العراق سنة 2003، في انتظار لدعم روحي ينطلق من علماء الأمة حتى ينصروا إخوانهم، ولو بالتعبير عن الرفض والضغط.

مواقف مخزية لعلماء السلاطين

حتى خرج عليهم عبد المحسن العبيكان على شاشة سعودية التمويل لينطق بما يحار فيه الحليم؛ إذ اعتبر بول بريمر حاكمًا شرعيًا للعراق، ومن يعينه للحكم تجب طاعته(3). نعم، فهو ولي أمر. مَن ؟! بريمر! في الوقت الذي كانت الجدران تئن لصراخ العفيفات من مسلمات العراق من هول جرائم الاغتصاب التي باشرها جنود بريمر.

كما تبرز آثار السطوة الروحية للمؤسسة الدينية الرسمية السعودية في اللحظات التي تحتاج فيها الأمة لسند من علمائها. فقد انهالت فتاوى تحريم المظاهرات خلال وبعد أحداث الربيع العربي، في الوقت الذي تحركت فيه الشعوب وكسرت حاجز الخوف وانتفضت ضد ركام الظلم، وتدفقت أسراب المحتجين ليملؤوا الشوارع ويكنسوا منها سنين التجبر والأسر، ليتفاجؤا بفتاوى هيئة كبار علماء السعودية عن طريق عدد من شيوخها بتحريم المظاهرات ووصفها بالغوغائية وتعداد مفاسدها(4).

حتى اعتبروا الحراك الشعبي الداعم لفلسطين وقطاع غزة المحاصرة من سنين غوغائية وضوضاء لا خير منها. وقد كان مفتي السعودية قد تلقى مؤخرًا دعوة من وزير الاتصالات الإسرائيلي لزيارة إسرائيل؛ تعبيرًا عن امتنانه ودهشته وشدة إعجابه بالتصريحات الأخيرة حول تحريم قتل اليهود. (5)

وقد صُدم العالم ككل، لا العالم الإسلامي، من تصريحات إمام الحرمين عبد الرحمن السديس، الذي صرح في حوار مع أحد الفضائيات أن أمريكا والسعودية يمثلان قطبي التأثير في العالم، دعا إثرها بالتوفيق والسداد في نشر جهودهما فيما يصلح أمر دينهم ودنياهم، وأن مملكته في دعم وتعاون تام مع أمريكا راعية السلام وناشرة الخير والعدالة والقيم النبيلة.

وكأن دمار العراق وأفغانستان والشام واليمن، وقرار نقل السفارة الأمريكية لأولى القبلتين، هي فقط مقدمة للسلام الأمريكي القادم فوق أكتاف السديس وأمثاله، وكأن الوصاية التي تفرضها أمريكا على ثروات المسلمين، والإملاءات التي يمليها قادة أمريكا في حرب الأفكار التي تستهدف في الأساس تحريف الدين الإسلامي، وكأن هذا من فروض الطاعة لولات أمور البيت الأبيض.

المؤسسات الرسمية الدينية وخدمة الهيمنة الغربية

وبما أن العالم الإسلامي يعيش تحت الهيمنة الغربية، التي تفرض أهواءها على وكلائها من حكام المسلمين الذين يعملون على إدارة الاحتلال بالوكالة، تكون وظيفتهم مركزة على الموازنة في توزيع المهام في مؤسسات وأجهزة الدول بالطريقة التي ترضي المهيمن، وتخدر الأمة(6). وأخطر عنصر في هذه الموازنة، هو السطوة الروحية للمؤسسات الدينية الرسمية.

وبهذا أصبحت بعض المؤسسات الرسمية الدينية خادمة للاحتلال العالمي والغزو الصهيوصليبي بطريقة مباشرة أو بطريقة غير مباشرة؛ عبر الشرعنة للسلاطين والرؤساء والملوك الذين يمثلون أدوات التنفيذ لإرادة المحتل، وغض الطرف عن شناعة ما يقترفه أصحاب القصور من نهب وعمالة وفجور.

وعبر الشرعنة للتواجد العسكري الأجنبي والقواعد الغازية التي امتدت على مساحات جغرافية شاسعة، وتمتعت بامتيازات فريدة(7)(8)، حولت عن طريقها بلدانًا كالسعودية إلى قواعد لاجتياح بقية المنطقة، ومعسكرات دائمة توجه قاذفاتها لتقصف الموحدين من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-.

بل إن من العجب، كل العجب، أن يشرعنوا حتى للاحتلال الصهيوني ومبادرات السلام مع الكيان الغاصب، ويحرموا قتل اليهود(9)، في حين أنهم يسارعون في تقديم الفتاوى حسب الطلب التي تجرم كل مظاهر الاحتجاج والرفض الشعبي؛ ليجهضوا نسمات المقاومة في رحم الأنفاس الحرة.

في مقابل ذلك، تملك الأمة اليوم من العلماء الصادقين الصادعين بالحق زادًا استراتيجيًا هامًا وثروة كبيرة، في مقدورها أن تقود الأمة بعلم ورشاد نحو التحرر الفعلي من براثن التبعية وقيود الهوان.

علماء سطروا بصمودهم تاريخًا معاصرًا يربطهم بمن سبقهم في الأزمنة الغابرة، لتتواصل معهم نماذج العزة والكرامة، يفصل بيننا وبينهم جدار سجن وسجان، وبيت عنكبوت.

78

Did you find apk for android? You can find new Free Android Games and apps.
الكاتب

مؤمن سحنون

أرجو أن أكون من الساعين لأن ننال يوما الحرية، الحرية بمعناها الشامل لأمة تعرف رسالتها.

التعليقات

  • اسامة بدر منذ 7 ساعات

    مئات الروابط للفيديوهات عن عصابات #يهود_القبلة #المرجئة #الجامية.

    ومعهم حزمة مضغوطة عن الحرب بين الجامي علي الحلبي والجامي ربيع المدخلي.

    https://plus.google.com/u/0/+%D8%AD%D8%B5%D9%86%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85/posts/C4z3QEo3Kdp

    رد
  • اسامة بدر منذ 7 ساعات

    وهذا قسم مختارات به مئات الادلة كذلك لمكافحتهم

    https://plus.google.com/u/0/collection/Q6MhNF

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    مشاركة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.