سلمان العودة اسم لمع في فضاء الشهرة في عالم الدعوة والصحوة الإسلامية، يعكس ذلك عدد متابعيه الذي فاق الأربعة عشرة مليون متابع على حساب تويتر لوحده، لاشك أن خلف هذه الشعبية سيرة لها أسرار، ولكن قبل الخوض في سيرة الشيخ علينا أن نتساءل، كيف يعتقل الشيخ سلمان العودة رغم المسالمة  التي انتهجها في ما بعد مرحلة خطاب الصحوة مع نظام بلاده، النظام السعودي، ثم لأجل أي تهمة؟ مجرد تغريدة لم تتعدى الدعاء بالخير قال فيها:”ربنا لك الحمد لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك..اللهم ألف بين قلوبهم لمافيه خير شعوبهم” غيّب على إثرها فلم يعد له أثر!

في الواقع إن من عادة الطغاة والجبابرة ألا يحفظوا حقا حتى لمن والاهم أو نصرهم أو تغاضى عن انحرافاتهم خاصة حين يكون من أهل العلم ورجالات الدعوة، وهذا ما شاهدناه مع النظام السعودي المستبد الذي زج بالشيخ سلمان العودة وبشيوخ آخرين لم ينبسوا ببنت شفة، تهمتهم الصمت، في زنازين الاعتقال بعد أن اقتيدوا بطريقة همجية لا تحترم أخلاقيات التعامل مع أهل العلم ولا مع ذي الشيبة ولا مع صاحب المكانة والمقام بين الناس، كنوع من ممارسة للإرهاب النفسي بهدف كسر المعتقل وتأديب أتباعه.

من هو سلمان العودة

شيخ وداعية ودكتور في الشريعة، يتردد اسمه كثيرا في ساحات الدعوة والعلم وميادين الصحوة الإسلامية والجهاد، هو  سلمان بن فهد بن عبد الله العودة الجبري الخالدي  من مواليد 1956ـ الموافق لـ1376 هـ في قرية البصرة الصغيرة الواقعة غرب مدينة بريدة في منطقة القصيم من بلاد الحرمين، يرجع نسبه إلى قبيلة بني خالد.

انطلق في مسيرته العلمية ليتتلمذ على يد أشهر شيوخ السعودية أمثال الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ بن عثيمين والشيخ عبد الله بن جبرين والشيخ صالح البليهي

والشيخ صالح السكيتي  والشيخ علي الضالع رحمهم الله جميعا.

وتتوجت هذه المسيرة بحفظ كتاب الله ثم بالتخرج من كلية الشريعة وأصول الدين بالقصيم، وبشهادة ماجستير في السُّنة في موضوع “الغربة وأحكامها”ثم دكتوراة في السُّنة في شرح بلوغ المرام (كتاب الطهارة) .

ذروة العطاء والثمن السجن

تعد فترة الثمانينات والتسعينات في حياة الشيخ من أبرز محطاته التي تلألأ فيها عطاؤه وكثر فيها محبوه ومناصروه بسبب قيادته لما يسمى تيار الصحوة وكونه من أبرز شيوخه.

وتميزت تلك الفترة بنقده الشديد للتعاون مع الولايات المتحدة في حرب الخليج الثانية والذي تجلى من خلال الخطاب الذي وقع عليه الشيخ  في مايو 1991، رفقة الشيوخ سفر الحوالي وعائض القرني وناصر العمر والذي طالب بإصلاحات قانونية وإدارية واجتماعية وإعلامية تحت إطار إسلامي. واستمر الشيخ في موقفه حتى منع والشيخ سفر الحوالي  في سبتمبر 1993 من إلقاء الخطب والمحاضرات العامة لينتهي به المآل في 16 أغسطس 1994 بالاعتقال  ضمن سلسلة اعتقالات واسعة شملت رموز الصحوة حيث قبع  بضعة أشهر في الحجز الانفرادي في سجن الحائر. ولم يطلق سراحه إلى غاية أبريل 1999.

اشتغل الشيخ بمجال التدريس، فعمل كمدرس في المعهد العلمي في بريدة لفترة من الزمن، ثم معيداً في الكلية ثم محاضراَ، كما شغل منصب أستاذ  في كلية الشريعة وأصول الدين بالقصيم لبضع سنوات، لكنه أعفي من مهامه التدريسية في جامعة الإمام محمد بن سعود في سنة 1414هـ بسبب نشاطه الدعوي السياسي.

ابتلي الشيخ بفراق زوجته هيا السياري وابنه هشام على إثر حادث سير في ربيع الثاني 1438 هـ ولقد علق الشيخ على هذا الحدث المؤلم قائلا: حين رحلتي أدركت أني لا أستحقك، اللهم في ضيافتك وجوارك.

وكما أسلفت فقد كان الشيخ يعد من مشايخ الصحوة الذين حاربهم النظام السعودي، فسجن لذلك لخمس سنوات بأحد السجون السياسية بمدينة الرياض قبل أن يتم الإفراج عنه والسماح له بإقامة المحاضرات الدعوية بشرط أن يتفادى الخوض في السياسة.

ويجدر الذكر أن خلال فترة بطش النظام السعودي بالشيخ سلمان العودة وزملائه انبرى للترقيع لهذا الظلم زمرة من علماء السلطان الذين سوغوا تعدي النظام على الشيوخ والدعاة وهذا دأب علماء السوء في كل زمان.

الصدع بالحق

سجل الشيخ مواقف مشرقة للصدع بالحق في سجل سيرته من ذلك موقفه من مشروع السلام مع إسرائيل، حيث كان من بين نخبة العلماء والشيوخ الذين أرسلوا تنبيهاتهم ومناشداتهم بالامتناع عن الفتوى بجواز هذا السلام، الذي لا يخرج من دائرة الاستسلام لليهود، ذلك لأنه ينافي شروط الشرع ويحمل جملة مخاطر عواقبها وخيمة دنيويا وأخرويا.

كذلك يشهد له موقفه من إنكاره دعم النظام السعودي للاشتراكيين الشيوعيين في اليمن ضد الشعب اليمني المسلم فكان من بين العلماء الأفاضل الذي عارضوا هذا الموقف على أسس شرعية متينة.

وفي مساء يوم من أيام شهر مارس   2013سجل للشيخ العودة خطابا مفتوحا وجهه للنظام السعودي ولوزارة الداخلية، شدد فيه على ضرورة إطلاق سراح معتقلي الرأي، وعدم التمادي مع الغضب الشعبي بهذا الخصوص، وقد خط مطالبه بأسلوب دعوي راقي كما شهد له زملاءه الشيوخ والدعاة.

ثمار للقطف

رحلة الجد والعطاء توجها الشيخ العودة ببلورة العديد من المؤلفات الفكرية عن الحياة الدينية والسياسية والاجتماعية، ومن أبرز مؤلفاته التي نشرها:  صفة الغرباء، من أخلاق الداعية، المعركة الفاصلة مع اليهود، معركة الإسلام والعلمانية، لماذا يخافون الإسلام، تحية للشعب المقاوم، الأمة الواحدة ، سلطان العلماء، الغرباء الأولون، شكرا أيها الاعداء، العزلة والخلطة ، زنزانة، أدب الحوار ، عشرون طريقة للرياء وحوار هادئ مع الغزالي إلى غيرها من مؤلفات كثيرة تزخر بها رفوف المكتبات الإسلامية تعكس همة متألقة للشيخ في التأليف.

وعلى صعيد موازي تقلد الشيخ منصب المشرف العام على مجموعة مؤسسات الإسلام اليوم  والأمين المساعد للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين والأمين العام للهيئة العالمية لنصرة المصطفى صلى الله عليه وسلم كما أنه عضو مجلس الإفتاء الأوروبي، إلى جانب عدد من الجمعيات والمؤسَّسات الخيريَّة والعلميَّة في العالم الإسلامي.

ضغوطات من السلطات السعودية

بعد مرحلة السجن لوحظ تغير في أسلوب الشيخ يعكس ثقل الضغوط والمضايقات التي تعرض لها من قبل النظام السعودي، فخفف كثيرا من لغة خطاب الصحوة وتحول إلى الاجتهاد في حقل الدعوة وربما هذا ما يفسر ظهوره القوي على شاشات التلفاز والفضائيات في عدة برامج إسلامية دعوية، على قناة أم بي سي وقناة دليل الفضائية وتلفزيون قطر والجزيرة والأقصى الفضائية والرسالة وفور شباب والعربية والمجد وغيرها من القنوات التلفزيونية . واشتهرت برامجه بشكل واسع وتابعها جمهور عريض مثل برنامج حجر الزاوية والحياة كلمة وإشراقات قرآنية وبرنامج ميلاد وبرنامج وسم وبرنامج آدم كما شارك في العديد من الملتقيات والحوارات الأخرى..

ولعل أروع ما سطره الشيخ العودة من محاضرات وتسجيلات تلك التي أنتجها ما بين 1980 و1995 ، ففيها من الخير الكثير ومن الفكر الرزين والتجربة النافعة وتعكس تمكن الشيخ عقديا وعلميا وشرعيا وفكريا وجهاديا، وباختصار تلك مرحلة تألقت فيها عبقرية الجدّ لديه.

لا شك أن الشيخ العودة وبعض المشايخ الآخرين الذين عاصروا نفس مرحلة القمع والاستبداد والإرهاب بالسجن السعودي  وحملات ما يسمى مكافحة الإرهاب ، عانى من تأثيرات هذه الضغوط، ويبدو أنه لم يسلم حتى بعد أن سالم النظام واعتزل تيار الصحوة واكتفى بالدعاء للمسلمين بالخير، فزجوا به من جديد ظلما وعدوانا في سجونهم وزنازينهم المظلمة التي سبق وعرف مرارة التغييب فيها.

 

ويشارك الشيخ العودة في عدة دورات ومؤتمرات دولية و إسلاميَّة. كما لديه حضور ملحوظ في معظم الشبكات الاجتماعية ويكتب في العديد من المجلات والمواقع فضلا على إقامته محاضرات حول العالم عبر الإسكايب للمراكز  والجمعيات الإسلامية وغيرها.

 لكن يبدو أن هذا الرصيد من الاجتهاد لم يغفر له تلك الكلمات التي خطها في حساب تويتر لتهجم عليه قوات الأمن السعودي فتلقي عليه القبض وكأنه مجرم مطلوب، وقد أكد خبر اعتقاله أخوه الدكتور خالد العودة والذي اعتقلته أيضا أجهزة الأمن السعودية بعده مباشرة.

 

الاعتقال من جديد وعقلية الاستفزاز

الرسائل من عائلة الشيخ العودة التي تداولتها مواقع التواصل مستنكرة فيها اعتقاله وتغييبه دون سابق إنذار ،  فإنها تؤكد بأن قوات الأمن  السعودية داهمت منزل الشيخ الساعة 6 مساء، وطلبوا من الشيخ الذهاب معهم للتحقيق بشأن تغريدته الأخيرة عن قطر وفرحته ببوادر المصالحة. فكان رد الشيخ عليهم : “استدعوني بشكل رسمي وأنا أذهب معكم.. عيب تسوون هذا من أجل تغريدة أحمد فيها الله، وقال أنتم تأزمون الوضع وتستفزون الناس”.

نعم لقد ثارت ملايين من الأصوات ضد هذا الاعتقال الجائر ووصلت هاشتاقات النصر للشيخ العودة للتراند العالمي ولكن ذباب وكلاب الاستخبارات المسعورة جيّشت جيوشها لتوازن المعادلة بهاشتاقات تشيد بظلم الحكومة السعودية لنكتشف مدى التلاعب السعودي وبشاعته والذي احترفته هذه الأنظمة الوظيفية في تزوير وفبركة الرأي العام وإيهام الناس بأن لديها أنصارا ودعما يفوق المستنكرين لقضية المعتقلين في بلاد الحرمين، وهي أساليب مفضوحة تحدثت عنها التقارير في بعض المواقع الإعلامية والقنوات تؤكد أن السلطات السعودية والخليجية إجمالا أتقنت فن التلاعب بالرأي العام الالكتروني وتوظف لأجل ذلك البرامج التي توفر لها مئات الحسابات الوهمية لصالح ترقيع سقطاتها الشنيعة.
إن اعتقال الشيخ سلمان العودة بهذه الطريقة الفظّة يدفع بالعقلاء للتفكر في وضع السعودية والحالة المزرية التي وصلت إليها حريات المسلمين وعلى رأسهم أهل العلم والدعوة مع سياسات النظام الظالمة، ويدعو بالمصلحين والشيوخ والعلماء للوقوف وقفة جد من أجل إنكار هذه الاعتداءات والصدع بالحق وتوحيد كلمتهم لتحقيق التغيير الذي لابد أن تعرفه بلاد الحرمين فتستعيد عدالتها ومهابتها التي تألقت بها في قرون مضت كان فيها الشيخ العالم يحسب له ألف حساب.

الشيخ سلمان العودة نسال الله لك العودة ليس فقط لأحبتك ومتابعيك وأبناء أمتك الذين تفاعلوا بقوة وألم لأجل قضيتك بل أيضا لتحمل لواء الإصلاح الشامل والصحوة الإسلامية المطلوبة في السعودية ثم تغيير واقعها المرير بجديّتك المعتادة وهمتك التي لا تُبارى.

 

 

 

676

الكاتب

د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفة بالإعلام وصناعة الوعي، صدر لي ثمانية كُتب حتى الآن (نجوم على الطريق، وصفحات من دفتر الالتزام، وإليكِ أنتِ، وقبس من خاطر، وأمريكا التي رأيت، وقراءات مختصرات، والمختصر في الملاحم والفتن، وخربشات على جدار الصمت).

التعليقات

  • تصحيح خطأ منذ 3 سنوات

    صححوا خطأً في المقال: [ابتلي الشيخ بفراق زوجته هيا السياري وابنه هشام على إثر حادث سير في ربيع الثاني 1238 هـ](ا.هـ): الصحيح 1438هـ !!!

    رد
    1. ommahpost منذ 3 سنوات

      تم التصحيح، نشكرك على التنبيه

      رد
  • سلمان قبل السجن ليس هو بعده منذ 3 سنوات

    يجب التركيز وإيضاح أن سلمان العودة قبل دخوله السجن سنة ١٩٩٤م ليس هو سلمان العودة بعد خروجه سنة ١٩٩٩م، فالأول كان يُعلَّق عليه أمل كبير لقيادة الصحوة الإسلامية في بلاد الحرمين، لكن الثاني أصبح مجاملا لنظام آل سعود وصامتا عن الباطل وطاعنا ببعض أصوات الحق الخ … فالذي نتعلمه أن موالاة الطغاة لا تنجي لا في الدنيا ولا الآخرة، فالطغاة لا عهد ولا أمان لهم، فمن يظن أنه سيتجنب شرهم بموالاتهم فقد خسر الدنيا والآخرة، …. وهناك علماء في بلاد الحرمين لازالوا آثروت البقاء في السجون على الخروج لحياةٍ يبدلوا فيها مبادئهم ويصبحون مزامير لآل سعود

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.