طوال سنوات الثورة السورية دعت تركيا إلى إنشاء مناطق آمنة للسوريين على الحدود التركية السورية، وكان الهدف من ذلك:

  1. وهو الهدف الرئيسي “تحطيم حلم إقامة الدولة الكردية على حدودها الأمر الذي يشكل تهديداً خطيراً لأمنها القومي”.
  2. تقليل أعداد النازحين واللاجئين، ومنع التغيير الديمغرافي في سوريا.

ولكن أمريكا بإدارة أوباما رفضت بشدة هذا المقترح، واعتبرته مستحيلاً، وكذلك رفضته روسيا التي أحضرت منظومة صواريخ متطورة للحيلولة دون إقامة الحظر الجوي، كانت أمريكا بإدارة أوباما تريد أن تتأزم الأمور ولا تتجه نحو الحل سواء أكان عسكرياً أو سياسياً.. وكان الهدف من ذلك تحقيق الهدف الاستراتيجي بـ “تقسيم سوريا”؛ وإقامة المناطق الآمنة -في حينه- يمنع إقامة الدولة الكردية، ويحبط مخطط التقسيم..

وحصلت مواجهات دبلوماسية بين أمريكا التي تدعم الأكراد – قوات سوريا الديمقراطية وغيرها – وبين تركيا التي تعتبرهم منظمة إرهابية، وخيّرت تركيا الجانب الأمريكي بين تركيا والأكراد، فاختروا دعم الأكراد! وما تلى ذلك من التحضير للانقلاب على نظام أردوغان !

الخلاصة: إن سبب عدم إقامة المناطق الآمنة سابقاً – رغم ما فيه من فائدة منع تدفق اللاجئين لأوروبا وأمريكا – كان للمضي في سيناريو التقسيم، والتغيير الديمغرافي المصاحب له.

أما اليوم: فأمريكا بإدارة ترامب، تتحدث عن إقامة مناطق آمنة في سوريا واليمن، وإضافة اليمن للموضوع السوري هو أيضاً ربما تمهيداً لتقسيم اليمن إلى يمن شمالي وجنوبي- كما هو حاصل بالفعل الآن- ولقد تسرّعت تركيا عندما أعلنت أنها تؤيد بشدة قرار ترامب بإنشاء المناطق الآمنة، وكذلك دول الخليج، وتحفظت روسيا في البداية، ثم أبدت استعدادها للتعاون بشروط التنسيق مع نظام الأسد، والأمم المتحدة.

فهل أمريكا بقيادة ترامب تخلّت عن خطة التقسيم، وحريصة على حقن الدم السوري؟!

بالتأكيد لا.. فهم مفسدون في الأرض لا يرتجى منهم خير أبداً، خاصة بقيادة هذا الأحمق العنصري. ولكن الخطة تغيرت أو بمعنى أدق تطورت وأخذت تتبلور في صورتها المخطط لها؛ لترسيم مناطق النفوذ.. حيث ستكون حرب “المناطق الآمنة” التي ستتعاون فيها كل من: [ أمريكا، وتركيا، وروسيا، ونظام الأسد، وإيران، والمعارضة التابعة للتمويل والقرار الخارجي، والقوات الكردية] لتنفذ بعض الأطراف الجزء الخاص بها من الخطة، ظناً منها أنها تنفذ خطتها المستقلة بينما هي مجرد ريشة ترسم بعض أجزاء الصورة.

أماكن المناطق الآمنة

  • المنطقة الأولى: من المحتمل أن تكون في جرابلس وإعزاز، بعد إتمام محاولة نزع مدينة الباب من تنظيم الدولة الذي يخوض حرباً شرسة مع قوات درع الفرات التركية. وهذه سيتولى أمرها من الجو تركيا وأمريكا وروسيا، ومن الأرض درع الفرات والجيش الحر، والفصائل المعتدلة.
  • المنطقة الثانية: من المحتمل أن تكون في الرقة ودير الزور، معقل تنظيم الدولة، وهذه سيتولى أمرها من الجو أمريكا وروسيا، ومن الأرض قوات سوريا الديمقراطية الكردية، وربما ينضم إليها بعض الفصائل الأخرى، ولقد بدأت أمريكا في التسليح الثقيل للقوات الكردية، لأنهم الحليف الأبرز وعليهم الرهان.

ومن حرب المناطق الآمنة يتبين أن الحرب كلها ستدور حول ما يسمى “الإرهاب” بزعمهم، وسيكون تحديداً ضد تنظيم الدولة الذي سيواجه معارك مصيرية وخطيرة في كل من: “الباب والرقة ودير الزور” وحربه ليست نزهة فهو يقاتل حتى الموت في بسالة وشجاعة نادرة، ولهذا سيتم تحويل المقاومة والثورة من حرب النظام السوري إلى الحرب على الإرهاب الذي من لم يشارك فيها فهو داعم وشريك للإرهاب !!

كما حاولوا في مؤتمر الأستانة ضم جبهة فتح الشام – النصرة سابقاً – إلى هذه الحرب، وعزلها عن محيطها الشعبي والثوري، ولكنها التفت على هذا الأمر بذكاء ومرونة وقطعت الطريق – حتى الآن – على محاولة عزلها، بإنشاء “هيئة تحرير الشام” وخيراً فعلوا.. والقادم هو محاولة الفتنة والتهديد بقطع الدعم عن الفصائل المعتدلة حتى يقع الاقتتال البيني بين المعارضة السورية لتصفي نفسها بنفسها، ليستمر التدافع بين الحق والباطل.. والعاقبة للمتقين.

المناطق الآمنة إذاً ستكون على حساب أماكن نفوذ تنظيم الدولة، وسيكون الخاسر الأكبر من هذه الحرب من جهة الحلف الأمريكي هي “تركيا” لأنه إذا نجحت درع الفرات في حماية أعزاز وجرابلس حتى الآن، فلن يكون لها نصيب في الرقة – خاصة الشمال – وستتمركز فيها القوات الكردية، ولن تخسر روسيا ونظام الأسد شيئاً فهم قانعون بـ “سوريا المفيدة” – الساحل السوري – وسينجح الأكراد في انتزاع الحكم الذاتي، والهوية القومية الكردية برعاية أمريكية وإسرائيلية.

وأخيراً: لإحباط هذا المخطط لا بد من مواجهة الواقع بالوسائل المكافئة له، وإذا اتحد أهل الباطل على باطلهم، فأولى لأهل الحق أن يتحدوا على هذا الحق ولا يتفرقوا فيه.. ابتغاء وجه الله الكريم.

163

الكاتب

أحمد طه

كاتب ومهتم بالشأن الإسلامي.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.