الثورات بين معضلات التغيير وتصحيح المسارات

لعلكم تساءلتم يوماً لِمَ لَمْ تؤتى الثورات ثمارها أو لما لا يجدي الاحتجاج والتظاهرات نفعاً؟ ما زلنا تحت حكم نفس الأنظمة التي أردنا إزالتها ولم يتسنَ لنا ذلك، لما سوريا ما زالت تحت القصف؟ ولماذا مصر ما زلت تحت القمع والتعذيب؟ ولماذا ولماذا ولماذا…

ولعل بعضكم تطرق بالسؤال إلى مدى صحة الخطوات التي نخطوها نحو هدفنا، هل هي صحيحة؟ إذًا فلمَ لم يتغير الواقع بعد؟! هل الخطأ في التكنولوجيا الحديثة؟ أم الخطأ في الحراك على أرض الواقع؟ هل هو انتهاج السلمية؟ أم العنف العشوائي؟

لا تقلقوا فنحن هنا بالوصفة السحرية (قليل من التخريب الهادف-كثير من التنظيم والوعي وكل هذا في خطة واضحة وقيادة حكيمة، ولكن لا ننسى أن نضع البديل على المائدة)

إذًا دعونا نسألكم هل الاحتجاج وحده أو المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي أو المقالات وحدها كافية لتغيير الأنظمة؟ أم العنف والتخريب؟ أو توعية وحدها كافية لذلك؟

وإن حل أحد هذه الأساليب المشكلة في مرة فلن يستطيع حلها في المرات المقبلة

وإليكم بعض الخطوط العريضة التي يجب أخذها في الاعتبار

لكي نقوم بتغيير واضح وحقيقي، لابد أن نستعمل كل هذه الأساليب في آن واحد وأن ننظر للمشكلة ونعالجها من كل الجوانب لكي نصل إلى التغيير المنشود

أولاً: لابد أن يكون لك هدف وقضية واضحة لا غموض فيها

أن تكون عليماً بقضيتك التي خرجت من أجلها وأن تركز عليها، لأن التشتيت في أكثر من قضية لن يغير واقعاً فلنركز في قضية الأمة الكبرى وندافع عنها “قضية واحدة تحت هدف قائد تحوي تحتها كل القضايا والفروع الأخرى” وأن يكون معك من الشعب من يفهم ذلك ويركز عليه وهذا يقودنا إلى العنصر الثاني

ثانيًا: تعبئة الشعب

ولكي نتحدث في هذا العنوان يجب أولاً أن نعرف أن هذا الشعب ينقسم إلى نصفين:

الأول هو القلة المدربة الواعية الناشطة التي تواجه السلطات بشجاعة وتنشر الوعي بين الناس والتي تربت على أفكار الحركة منذ زمن طويل والتي ستصمد للنهاية وتشعل البداية.

والثاني هو بقية الناس الذين غالياً ما يحتجون لسوء أحوالهم الاجتماعية التي انهارت-لا لوجود الآلاف من المعتقلين أو عدم الحكم بما أنزل الله- وهؤلاء الناس أيضاً عادة ما تحتويهم السلطة وتستطيع تفريغ غضبهم في إلهاءات أو في احتجاجات على صورة تظاهرات  تُرفع فيها اللافتات الإعلامية الدعائية التي غالباً لا تجدى نفعاً ولا تغير وضعاً ولكنها تمتص ثورتهم.

لذلك يجب تعبئة الناس وتوجيه غضبهم في الموضوع الصحيح الذي يتكامل مع بقية المواضع ويحدث التغيير الحقيقي لأن عدد الناس الذين يمكن تحريكهم من الأسباب المؤثرة على الأنشطة السياسية، وهناك حقيقة أيضاً أن هؤلاء الناس لا يغيرون وضعاً بمفردهم ولكن القلة  المُربَّاة على المنهج الصحيح منذ أمد بعيد.

ولا ننسى أن لابد لهذه الجموع كلها من حسن تنظيم وإدارة وهذا ما ينقلنا إلى العنصر الثالث

ثالثًا: التنظيم

أثبتت الثورات السابقة والأبحاث أن الهمجية أحد أسباب فشل الثورات والأنشطة التغيرية.

الهمجية في الحركات أدت إلى احتضانها من قبل الحكومات والاستيلاء على الحراك واحتوائه وعدم تحقيق أي تغيير ملحوظ لأن الحركات غير المنظمة لا تحدث إلا ضجة ولكن بدون نتيجة سياسية.

دعونا نشير إلى أن كل هذا التنظيم الذي نتحدث عنه لن يكتمل إلا إذا كان هناك قيادة للحراك، وهذا ما ينقلنا للعنصر التالي

رابعًا: القيادة الحكيمة

لابد لكل حراك من قيادة حكيمة تعرف متى تنطلق ومتى يجب عليها التوقف.

عدم وجود القيادة الحكيمة كان من أسباب فشل ثورة يناير واحتواء العسكر لها. الحركة التي بلا قيادة عادةً ما تضم عدد كبير من الناس وهذا ينفع في التظاهرات والاعتصامات ولكنه وحده لن يحدث التغيير الحقيقي.

هناك بعض الصفات يجب توافرها في القيادة لأنها بدورها تزرعها في بقية الحركة

  1. تقبل الأخطاء والرجوع خطوة إلى الوراء لتقييم الأداء.
  2. أن تكون على وعى ب أنسب ميعاد للانطلاق والوقت اللازم للتراجع.
  3. أن تكون على دراية بالتاريخ والاستفادة من العبر السابقة.
  4. أن تتحلى بالجرأة المطلوبة للصراع.
  5. أن تكون لديها القدرة على متابعة القضية والتصعيد لها آن بعد آخر في أشكال أخرى من النشاط على كافة المستويات.

خامسًا: العنف

تتطلب الثورات بعض أو كثير من العنف وقدر من التخريب الهادف.

بعض الحركات تستخدم هذه الوسيلة بأسلوب خاطئ وتصبح مجرد تفريغ غضب او شهوة لديهم وتعتمد على هذه الوسيلة اعتماداً كلياً وهذا خطأ أشرنا إليه لأنه لا يمكن الاعتماد على عنصر واحد على أنه الخطوة الوحيدة في إحداث التغيير.

العنف من ثوار أوكرانيا

لابد أيضاً أن نعرف أن اللافتات وحدها لن تسقط نظاماً لأن الأنظمة لا تتكلم إلا بالقوة. إذن لن يقربنا من هدفنا تحطيم محلات بيع الملابس أو الأطعمة، هذا لن يجدي نفعاً ولكن يجب اختيار أهداف ذات قيمة للنظام تكون بمثابة نقطة ضعف له ليتم بها شل حركته عند إفسادها

وهنا نشير إلى أنه يمكن أو يفضل التعاون بين الطرف الإلكتروني “القرصنة” مع الطرف الأرضي “المواقع المهمة الحساسة”

سادسًا: وجود خطة بديلة

أيضاً من أسباب فشل الثورات هي أنها ليس لديها خطة بديلة جاهزة للعمل والتطبيق بعد سقوط النظام القديم وهذا ما يؤدى إلى الهمجية وعودة النظام السابق في شكل مختلف أو حتى في نفس الشكل مع القوة الطاغية لذا من أسباب نجاح الثورات وجود خطة بديلة جاهزة للتطبيق، أيضاً لن يكون التغيير حقيقيًا مع وجود نفس الأشخاص في المنظومة فلابد من تغيير جذري للفساد فليس من العقل تغيير جزء معين أو المطالبة بمساحة أكبر لمن هم تحت الأرض، نحن لا نطالب بمزيد من الطعام لمن هم في السجون لا فنحن نطالب بإخراجهم على سبيل المثال.

هذا لأن عادةً لا يلقي لك المسؤولون بالاً إلا إذا كنت ستضر مراكزهم أو شعروا أن سيفقدونها، إذن فنحن لا نريد إصلاح المنظومة مع وجود نفس الأشخاص السابقين أو بعضهم بل نريد إزالتها والحكم بما أنزل الله.

لأن التغيير أصلاً في اللغة هو إحداث شيء لم يكن من قبل بنفس الصورة التي أصبح عليها بعد التغير فكيف يمكن أن نقول إن أي نشاط أحدث تغيير مع وجود نفس الفكر أو نفس الأشخاص مع المؤسسات ما زالوا يتواجدون

يمكن بعد كل هذا تلخيص أسباب فشل الثورات في نقاط

  • عدم وجود رؤية واضحة
  • عدم وجود قيادة حكيمة
  • الغياب التام للتنظيم العام
  •  العنف والتخريب غير الهادف
  • عدم النظر إلى النتائج المحتملة
  • غياب البديل
  • انتهاج أسلوب واحد على أنه المنقذ والاعتماد عليه كليًا

المصادر

  • لعنة الألفية لماذا يفشل النشاط التغييري

بقلم: آلاء عنتر

آلاء عنتر

طالبة جامعية، ومدونة حرة، مهتمة بالشئون الإسلامية، والعلوم الطبيعية.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى