هذا المقال مترجمٌ عن الإيكونوميست، والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «تبيان».


يتراءى لي أن 25 مليار دولار ليس رقماً كافياً لشراء ولاء شخص أو خطب وده هذه الأيام !! هذه المليارات التي تغدو وتروح هي الطريقة الأسهل لمملكة آل سعود التي ضخت ملايين مُنذ أن انقلب اللواء عبد الفتاح السيسى على أول رئيس مُنتخب ديمقراطياً  للبلاد (وكان إسلامياً) ..وقد ساعدت هذه المليارات الجارة التاريخية و الجغرافية للمملكة (مصر) و جنبتها انهياراً اقتصادياً كاملاً على مدار أعوامٍ ثلاثة إلا أنه مؤخراً أظهرت مصر القليل من أماراتِ الوفاء تجاه ممولها ..والمملكة من جهتها قطعت المعونات عن جارتها المُحتاجة .هذا التوتر الواضح في العلاقات بين البلدين، ما هي بواعثه وإلام أدى؟

حيثيات الخلاف

ظهر الصدعُ جلياً بسبب تباين رؤية البلدين لسيناريوهات الحرب في سوريا حيث تتجه قطاعات كبيرة من أنظمة المنطقة وأهلها لتقسيم الشرق الأوسط لدول تستعيض عن المواطنة بالطائفة كعامل رئيس لقيامها، قام الحلف السني وفى طليعته المملكة العربية السعودية بدعم مُتمردين ساعين لهدم حُكم ديكتاتور سوريا المُخضبة يداه بدماء الأبرياء، الذي ثبّت عرشه على جماجم المدنيين (بشار الأسد) بينما في الجهة المقابلة تتجه قوى شيعية كإيران وحزب الله اللبناني إلى دعم بشار العَلوى (وهى طائفةٌ من شيعة العراق و الشام) والعمل على ترسيخ دعائم حكمه المُهتزة بفعل صرخات الأيامى والأطفال. وعلى أبعد مدى وفقاً للتوقعات فإن مصر ذات الأغلبية السنية قد اتخذت في سريةٍ تامة موقفاً مؤيداً للديكتاتور الأسد !!

بات واضحاً في أكتوبر الماضي وجود خطوط للتحالف المذكور أعلاه ولا سيما حينما دعا جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني نظيره المصري بغية المشاركة في مُشاورات سياسية حول مُستقبل سوريا على أمل أن يعثروا في مصر على داعمٍ آخر لموقف الأسد .. بعدها بأيام صوتت مصر لصالح المشروع الروسي الخاص بسوريا في الأمم المُتحدة و الذي يصب في صالح الأسد إلا المُبادرة لم تُمرر نظراً لوجود شبهة دعم الطلعات الجوية الروسية لبشار ما يُعدُ ابتعاداً لها عن هدفها الرئيس (حرب الدولة الإسلامية) ومن جهته وصف مبعوث السعودية لدى الأمم المتحدة موقف مصر بــ”المؤلم” .

تظل أولوية المملكة السعودية الأولى أن تحدّ من الوجود الإيراني بالمنطقة انطلاقاً من رؤيتها لإيران كقوة مُفتتة لعضد الشرق الأوسط ودولة راعية للفتن والقلاقل و عليه قامت المملكة بالاستعانة بالثوار من الإسلاميين في سوريا واليمن وتجنيدهم في حربها مع حلفاء إيران بالمنطقة كالحوثى في اليمن مثلاً ..و شرعت المملكة بغرض تحقيق ذلك في تكوين تحالفات مع دول مثل تركيا و قطر المعروفتان بتعاطفهما مع جماعات الإسلام السياسي كالإخوان المُسلمين غير أن هؤلاء الإسلاميين يحتلون المركز الأول على قائمة مشاكل السيسى والدي أضحى رئيساً لمصر الآن والذي يكن لهم غضباً ومقتاً ويصمهم بالإرهاب.

فهو انقلب على الإخوان وأخرجهم من مؤسسات  الدولة وهو أيضاً يرى في الأسد حصناً متيناً بوجه ما يُسميه “بالتطرف وعلاقته بتفكك الدول “.

يأتي الخلاف بين المملكة وجارتها مصر في الوقت الذي تقف فيه الاثنتان على أعتاب تحديات اقتصادية كبيرة قد تكون عواقبها وخيمة. وبالرغم من مُعانتها من الانخفاض الفادح لأسعار البترول أمدت المملكة مصر بــ”2” مليار دولار في سبتمبر الماضي ما ساعد الأخيرة في تأمين حصولها على قرض من صندوق النقد الدولي لكن في الشهر الذي تلاه قطعت المملكة شُحنات البترول عن جارتها و سواءٌ أكان ذلك توبيخ أو توفير من جانب المملكة التي تصرفت بصمت فجاء رد وجوه الإعلام المصري قاسياً   فكالوا الاتهامات للمملكة لائمين إياها لسعيها الضغط على حكومتها، الأمر الذي رد عليه السيسى شخصياً بقوله ” إن مصر لا تركع لغير الله “.

على الضفة الأخرى من البحر، يسكن إحساساً بجرح الكبرياء ربوع مصر ونفوس أبنائها، مصر التي قادت الوطن العربي سابقاً لعقود أمست الآن يسوقها أمراء الخليج و ملوكه .. و”يظن العديد من المصريين أن المنطقة تعج بقبائل بدوية وألوية  ” كما ذكرها مرة مبعوثٌ دبلوماسي مصري .

في أبريل، اعتزم السيسى نقل ملكية جزيرتين مصريتين تطلان على البحر الأحمر إلى المملكة (قضيةٌ ردتها المحكمة فيما بعد) فصار ذلك إيذاناً لجموع الشعب للتجمهر والاعتصام وسبباً للاحتجاجات النادرة الحدوث في ذلك البلد.

أذكى الإعلام المصري لهيب السخط و الامتعاض و زاد فاتهم المملكة بإلهام وتشجيع “الإسلاميين المُتعسفين” (بما فيهم الإخوان) .

وهذا السخط و الامتعاض بل قل الاحتقار مُتبادل فينظر عدد من عرب الخليج لزعماء مصر على أنهم حفنةٌ من الناهبين المُختلسين لمليارات من الدولارات تحت بند المُساعدات .

وفى أكتوبر ، سخر رئيس المجلس الأعلى للشئون الإعلامية إياد مدني السعودي الجنسية من عبد الفتاح السيسى لتصريح الأخير الذي قال فيه أنه لبث دهراً و ثلاجته لا يملأها سوى الماء (كمحاولة منه لاستمالة جموع الشعب الغاضبة وترضيتها) ثم بعد ذلك ينسحب مدني من منصبه لظروفٍ صحيةٍ سيئة إثر اعتراض الكثير من المصريين على ما قاله .

  مُستقبل العلاقات بين البلدين

إن تصرفات السعودية رُبما تدفع بمصر إلى يدى أعدائها فبعدما منعت السعودية نفطها عن مصر اتجهت الأخيرة إلى استيراده من العراق التي تحتفظ لنفسها بارتباط وثيق مع إيران .

يعمد السيسى في تنويع تحالفات بلاده لا سيما بعد التوتر الذي شاب علاقته بأمريكا  (الداعم الأول لبلاده)، وبالتغاضي عن سجل السيسى المريع في انتهاكات حقوق الإنسان  فقد وعده دونالد ترامب الرئيس الأمريكي الجديدة ولايته ببذل المساعدات وتقديم الدعم ما أمكنه بغية “الحرب مع الإرهاب”.

في ذات السياق، ازداد التقارب المصري الروسي في عهد السيسى الذي رأى في بوتين حليفاً له وعقد جيشاهما تدريبات مُشتركة الشهر الفائت .

إن الأزمات الإقليمية لطالما أثرت على مجرى العلاقات المصرية السعودية لعقودٍ خلت لذا يُشير مُحللون إلى عدم تضخيم المسألة بالتركيز على الخلاف الحالي حيث يقول المُحلل السياسي المصري نائل شمة أن مصر تحتاج لسعةِ المملكة العربية السعودية مثلما تحتاج السعودية المحاصرة بأنظمة معادية شرقاً وغرباً للوزن الإقليمي لمصر ولذا فإنه لا وجود للعاطفةِ بينهما !!

ترجمة: محمد سماحة

291

الكاتب

محمد سماحة

كاتب صحفي و مُترجم حر .. أهوى القراءة في مباحث الفلسفة والتاريخ وبعض نصوص الأدب .. أنتقل جائبًا موائد الأفكار حيث لا ثابت سوى العقيدة ولا رابط غير الدين.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.