نشر تنظيم الدّولة يوم الإثنين اصدرا مرئيا جديدا تحت عنوان “وعد الله” وقد تم تداوله بشكل كبير جدا في مواقع التواصل الاجتماعي من قبل أنصار التنظيم وبعض وسائل الإعلام، وقد وثّق التنظيم فيه الانتصارات العسكرية التي حققها ضد الجيوش المقاتلة ضده، وكان الإصدار احترافيا جدا من الناحية الإعلامية، كما أوضح بعض الخطط العسكرية التي لم يجد فيها الجيوش المقاتلة ضده سوى الهرب، فما حقيقة هذه الإصدارات، وكيف استطاع التنظيم استغلال وسائل التواصل الاجتماعي لصالحه؟، وكيف استطاع مواجهة كل هذه الجيوش والتصدي لها عسكريا؟

يعتبر الإعلام سلاحا ذا قيمة كبيرة جدا للدول والأحزاب والتنظيمات، فهو يساعدهم على نشر أفكارهم وإقناع غيرهم بمعتقداتهم ومنهجهم، ومن ثم الحصول على أتباع وعلى أنصار، وهكذا تنظيم الدولة فهم حقيقة هذا السلاح واستغله أيما استغلال منذ نشأته وقيامه، وكان ذلك من خلال كل أنواع وسائل الإعلام المتاحة: من إصدارات سمعية والتي كان يلقيها أبو محمّد العدناني المتحدث السابق لتنظيم الدولة والذي قتل بعد غارة جوية أمريكية على معسكر كان يقوده بحلب، ومن إصدارات مرئية تنتجها أشهر وكالة لهم وهي وكالة أعماق المعروفة عالميا والتي ما تزال تصدر مرئيات رغم غلق موقعها لعدة مرات في الشبكة العنكبوتية وحذف حساباتها في مواقع التواصل الاجتماعي، أو من خلال الإعلام المكتوب كمجلة دابق ومجلة النبأ، وقد تكلم من قبل روبرت إيفانز المحرر بموقع “كراكد” عن مجلة دابق فقال: بالمجمل فإن كل إصدار للمجلة يقع في حوالي 60 إلى 80 صفحة، جميعها ملونة ومنمقة بمهارة واضحة من قِبل خبراء في مجال التصميم الحاسوبي. وقد وضع إيفانز عنصرا في مقاله وسماه: عناصر التنظيم دهاة ومحترفون في مجال وسائل الإعلام.

وحقيقة صدق إيفانز فإن العمال في الآلة الإعلامية بتنظيم الدولة أظهروا احترافية في أربع عناصر مهمة في الإعلام الحديث:

إنشاء المواقع وبرامج التصميم

الأنترنت أصبح وسيلة مهمة جدا لنشر الأخبار والأفكار وقد حقق الإعلام الإلكتروني تقدما كبيرا جدا وقد تغلب على الإعلام الورقي، وهذا ما دفع بكثير من المؤسسات للتحول إلى الإعلام الإلكتروني خاصة مع كثرة الديون والإنفاقات المالية على الجرائد الورقية، في حين أن إنشاء موقع إخباري محترف لا يتطلب إلا مائة دولار، وهذا ما جعل التنظيم ينشئ العديد من المواقع الإلكترونية التي أصبحت معروفة جدا وفي زمن قياسي لينشر فيها إصداراته المرئية، وقد ساعدت معرفة هؤلاء الأشخاص ببرامج التصميم كبرنامج 4 دي سينما، وبليندر، و3 دي أس ماكس، في جذب الكبير قبل الصغير، إذ يقوم التنظيم بإصدار مرئيات على طريقة أفلام هوليود وألعاب البلايستيشن، وهذا ما اثر حتى في بعض الشباب الغربي ولعل عمر أومسين الذي جند الكثير من الفرنسيين لصالح التنظيم أبرز من استعماله هذه الطريقة أفضل دليل على نجاعتها، ويظهر هذا في الإصدار المعني من خلال تلك المقدمة التي وضعت ومن خلال الخريطة التي رأيناها وأيضا العداد الذي شاهدناه قبل تفجير الدبابة ولعل الإنسان العادي لا يركز كثيرا على هذه الأشياء ولكن هي تؤثر على إحساسه من حيث لا يشعر.

استعمال كاميرات رقمية عالية الجودة، وطائرات صغيرة بدون طيار حاملة للكاميرات

جودة الصورة وزاوية الالتقاط تلعب دورا مهما جدا في جذب الجمهور، ولعل هذا أبرز ما يجب تعلمه من طرف المصور، وتنظيم الدولة يتقن جيدا هذه الطريقة، خاصة تلك الصور الجوية التي تصور من طرف الطائرات الصغيرة بدون تيار الحاملة للكاميرات الرقمية، التي تعطينا مناظر بدقة عالية جدا، ويمكننا التحكم بها مع مشاهدة المنظر من مكاننا، واستعمال هذه الطريقة واضح جليا في هذا الإصدار بكثرة ومن كل الزوايا مما يجعل المشاهد يتأثر كثيرا ويتساءل في نفس الوقت عن مدى احترافية صانعيه، وربما هنا يتساءل متسائل عن كيفية الحصول على هذه المعدات من طرف تنظيم شبه معزول والجواب أن 50 دولار فقط تكفي للحصول على هذه الطائرات المميزة والتي تباع في المواقع التجارية الإلكترونية، ويقومون بإيصالها لك حتى بيتك.

استغلال مواقع التواصل الاجتماعي

يقول إيفانز: عناصر التنظيم أيضًا محترفون في استخدام تويتر لأغراض التنظيم، وكذلك لنشر رسالتهم. وذلك كون مواقع التواصل الاجتماعي تسمح للشخص بنشر المعلومة على نطاق واسع جدا وبلمحة البصر لتصل إلى كل شرائح المجتمع وفئاته وفي مختلف مناطق العالم، وقد كانت التنظيمات قبلها تعاني كثيرا من الناحية الإعلامية، بحكم ضعف تنقل المعلومة وقد كانت التنظيمات تمتلك موقعا واحدا ضعيفا في وفقيرا في مواده وهذا لا يجذب المشاهد، ولكن مع التطور الحاصل وبوجود ما ذكرناه سابقا من كاميرات رقمية عالية الجودة، واحترافية في استعمال برامج التصميم والمونتاج، فلا يبقى إلا نشر المادة وهنا نجد أن وسائل التواصل الاجتماعي هي الطريقة الأمثل والأنسب وقد استغلها التنظيم وعلى نطاق واسع، ولعل الوسيلة الأحب له هو موقع “تويتر”، لتساهل القائمين عليه في المواد المنشورة والناشرين، فمثلا موقع فيس بوك لا يسمح بنشر الصور التي تحتوي على مقاطع للقتل أو التفجير ويقوم بحذفها بعد مدة قصيرة من نشرها، ولكن موقع تويتر لديه تباطؤ كبير من هذه الناحية وكان في بادئ الأمر لا يحذفها أصلا وبعد الضغوطات أصبح يحذفها ويحذف حسابات الأعضاء الناشرين ففي شهر أوت الماضي فقط حذف 36 ألف موقع يشتبه أن أصحابه مرتبطون بتنظيم الدولة، وقد لاحظنا أنه وبعد نشر الإصدار “وعد الله” بعشر دقائق فقط انتشر بسرعة البرق وتم إنشاء هاشتاق خاص به في موقع تويتر وتداوله مناصرو التنظيم على مستوى كبير جدا وقاموا بتحميله ومن ثم نشره في اليوتيوب وهذا الأخير قام بحذفه ثم أعاد المناصرون نشره وتواصلت هذه الحرب وهكذا يحدث في كل مرة.

الرسالة أو الكلمة

بطبيعة الحال استخدام هذه الوسائل باحترافية له قيمة عظيمة ولكن هذا لا يكفي بل يحتاج  لوجود كلمة قوية من قائد صاحب شخصية، فإن الكلمة لها صداها في نفوس المتابعين وهذا ما يستغله التنظيم وبشكل مميز فإن الملاحظ أن الإصدارات الصوتية يتلوها أصحاب الصوت الصافي والكلمة القوية والفصاحة الكبيرة، كأبي محمد العدناني وكتركي البنعلي في بعض الإصدارات وكأبي بكر البغدادي، وبالفعل التنظيم لم تفته هذه النقطة في هذا الإصدار بل نشر فيه مقاطع من كلامات البغدادي والتي سبق نشرها في إصدار لمؤسسة الفرقان التابعة للتنظيم، كما يستعمل التنظيم أيضا الأناشيد الإسلامية التي تحمل كلمات بليغة جدا، والتأثيرات الصوتية التي تبعث الحماس في نفوس المناصرين.

من الناحية العسكرية

أظهر الإصدار مدى نجاعة الهجمات التّفجيرية، فمن الملاحظ أن الجنود المقاتلة ضد التنظيم لم تجد سوى الفرار وترك الآليات لمواجهة التفجير ولاحظنا أنه منهم من لم يسعفه الحظ للهرب ونال منه الانفجار، ومن الملاحظ حسب طريق سير السيارات المفخخة والتي تم تصفيحها بالحديد لتصبح كالمدرعات أنه هناك من يقوم بإملاء الطريق على السائق حيث لا يمكن للعدو رؤية السيارة والفرار بل تخرج لهم بطريقة مباغتة وذلك يحدث من طرف شخص وعن طريق تلك الكاميرات الموضوعة في الطائرات بدون طيار والتي تلعب هنا دور الأقمار الصناعية، ومن جهة أخرى لاحظنا في هذا الإصدار أن أفراد التنظيم رغم امتلاكهم للدبابات والآليات إلا أنهم يجتنبون المواجهات المباشرة بها، ويفضلون حرب الشوارع والعمليات التفجيرية، وتمكن بالصد للجيوش عن طريق هاتين الطريقتين استنزاف أقل ونتائج أكثر.

أعتقد أن هذا الإصدار جاء في وقت مهم جدا للتنظيم وقد شاهدنا تراجعا كبيرا بصفتنا كباحثين لإعلام التنظيم منذ بداية معركة الموصل وبروز الإعلام الآخر وتفوقه، وقد لاحظ التنظيم هذا فردّ ببعض الفيديوهات ولكن كانت تتسم بالضعف وقلة الاحترافية، ولكن بدأ التنظيم باسترجاع قوته الإعلامية مع نشره لرسالة البغدادي وهذا الإصدار الأخير الذي يريد التنظيم من خلاله أن يكذب الإعلام العالمي الذي يتحدث يوميا عن تحرير القرى والمدن وعن الهزائم الكبيرة للتنظيم.

شخصيا لا أشك أن الإصدار نجح وإلى أبعد الحدود فقد انتشر بشكل كبير جدا وهذا ما يريده التنظيم من جهة، ومن جهة أخرى نجح في إثارة إعجاب مناصري التنظيم وقد لامسنا هذا من خلال التعليقات الكثيرة التي تساءل أكثرهم كيف نجحت الدولة الإسلامية أن ينتصر عليهم، وهم أكثر عددا وعدة وتساءلوا كيف لو كان التنظيم أكثر عددا وعدة، وهذا ما يعني أن التنظيم قد نجح من خلال رسالته هذا.

2932

الكاتب

أبو ذر القصراوي

كاتبٌ صحفيٌ وباحثٌ إسلاميٌ مستقلٌ، كاتب صحفي لعدد من المواقع والمدونات والصُحُف المطبوعة. وكذلك حاصل على ليسانس في الهندسة المعمارية والعمران من جامعة بجاية كلية العلوم والتكنولوجيا.

التعليقات

  • قلم رصاص منذ 3 سنوات

    كلها مغامرات ممجوجة تجتر هزائم وفشل الإسلاميين عبر العقود دون استفادة من العِبَر والدروس!!! ما أعددتم للهجوم عليكم بإصدار انترنتي يا حمقى!!! الطائرات تدككم ليل نهار واستعديتم الحاضنة الشعبية السنية بسبب تطبيقكم المقزز الفج الفظ للشريعة فور سيطرتكم على مئة متر مربع واحد يا أطفال متهورون!!!!

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.