أبدًا… لن تكون حلب أثرًا بعد عين

ظاهريا… على خطى الأندلس تسير حلب الأبية محطمة وممزقة، بعد أن أصبحت قنصًا سهلًا لطيران روسيا، وميليشيات الأسد، وزبانية إيران، وقوات الحرس الثوري وحزب الله، ووسط صمت العالم، الكل يسعى لاغتنام الفرصة وتقطيع أوصال البلدة التاريخية التي يعود تاريخ أسواقها فقط لـ 4 آلاف عام.

تمزقت حلب، واشتكت آثارها ومساجدها وقلاعها وكنائسها، وأصبح الطيران الروسي الذي كان يحمل العتاد لتل أبيب لإطفاء حرائقها المشتعلة، هو من يشعل حلب الأبية، وتعدى الأمر قتل المعارضين الذين يدافعون عن بلادهم ضد إجرام هؤلاء الطغاة، لقتل الأطفال، والشيوخ، والنساء، وحتى الطواقم الطبية لم تسلم وأصبحت المدينة خاوية على عروشها بل أصبحت أثرًا بعد عين.

دمرت الحرب، معالم حلب، الأثرية التي تُعدُ روح المكان وتاريخه، وطال التشويه منذ قرابة الأربع سنوات، كل شيء من المعالم المدرجة على لائحة التراث العالمي للإنسانية، مثل قلعتها التاريخية، وبواباتها القديمة، وأسواقها، وخاناتها، التي كانت وجهة رئيسية للسياح من كل أنحاء العالم.

فجامع دمشق الذي اقتحمه، حافظ الأسد عبر أحد ضباطه ويدعى سليم حاطوم بدبابته وقتل المصلين به، اقتحم مثله نجله المجرم بشار الأسد الجامع الأموي، فقد طال الدمار مواقع يعود تاريخها لسبعة آلاف عام، من بينها هذا الجامع الذي دُمرت مئذنته العائدة إلى القرن الحادي عشر، وبدت باحة الجامع كأنها ساحة معركة، وفي إحدى زواياها تراكمت أكوام من الحجارة المنقوشة تعود إلى المئذنة، كما اختلطت به الخردة والحجارة، وقطع الرخام بالأسلاك الكهربائية والبراميل.

فضلاً عن تضرر غالبية أبوابه الخشبية، التي تفصل الباحة عن المصلى، ووضعت البراميل والإطارات الضخمة وخزانات المياه كمتاريس للمعارك بدلاً منها، وداخل حرم المسجد، تفتقد الثريات مصابيحها، وتغطي الحجارة وألواح الأبواب الخشبية سجاداته الحمراء، أما مقام النبي زكريا، داخل الجامع فوضعت حوله ألواح إسمنتية، كتب عليها “تم بناء هذا الجدار لحماية المحراب والمقام” كما ذكرت وكالة الأنباء الفرنسية.

وبعد أن كانت القلاع قديماً، كانت حائط الصدد المنيع الذي لا يمكن اختراقه بسهولة، لكن للأسف طالت الأضرار أيضًا قلعة حلب، وبدت آثار الحرائق واضحة عند مدخلها الذي كان على تماس مع مناطق سيطرة الفصائل المقاتلة، ورمي جانباً بابُها الخشبي الضخم، وامتلأ الخندق المحيط بها بأكوام من الحجارة والخردوات.

“وما زاد الطين بلة” أن حرائر البلدة العفيفات الشريفات، أصبحن يخشين على أنفسهن من تدنيس أعراضهن من قبل العلوج الكفرة، وعلى الرغم من معرفتهن بحرمة قتل النفس، إلا أنهن رأين في قتل أنفسهن مندوحة عن الاغتصاب والحمل سفاحًا من كلاب بشار وزبانيته، فما يحدث في سوريا شابه ما فعله التتار أو المغول قديمًا في بغداد، من اعتقال للأطفال والنساء والشيوخ، والتمثيل بجثث القتلى واغتصاب الفتيات، فهناك نحو 20 حالة انتحار لنساء سوريات من أعلى الأسطح في أحياء حلب حفاظا على شرفهن، وخوفا من تعرضهن للاغتصاب من مليشيات النظام، بحسب مصادر في تيار الغد السوري.

ما يحدث في سوريا يصدقه قول الشاعر:

أتى على الكُل أمر لا مَرد له****حتى قَضَوا فكأن القوم ما كانوا

وصار ما كان من مُلك ومن مَلِك***كما حكى عن خيال الطّيفِ وسْنانُ

وما يحدث لحرائر سوريا تصفه هذه الأبيات

بالأمس كانوا ملوكًا في منازلهم***واليومَ هم في بلاد الكفرِّ عُبدانُ

فلو تراهم حيارى لا دليل لهمْ***عليهمُ من ثيابِ الذلِ ألوانُ

ولو رأيتَ بكاهُم عندَ بيعهم***لهالكَ الأمرُ واستهوتكَ أحزانُ

يا ربَّ أمّ وطفلٍ حيلَ بينهما***كما تفرقَ أرواحٌ وأبدانُ

وطفلةً مثل حسنِ الشمسِ إذ طلعت***كأنما هي ياقوتٌ ومرجانُ

يقودُها العلجُ للمكروه مكرهةً***والعينُ باكيةُ والقلبُ حيرانُ

لمثل هذا يذوب القلبُ من كمدٍ***إن كان في القلبِ إسلامٌ وإيمانُ

ما يحدث في حلب ذكرني بقول الشاعر، الذي وصف ما يحدث في فلسطين بسبب تسلط الكيان الصهيوني الشاعر:

نساء فلسطين تكحلن بالأسى
وفي بيت لحم قاصرات وقصر
وليمون يافا يابس في حقوله
وهل شجر في قبضة الظلم يزهر؟
رفيق صلاح الدين… هل لك عودة
فإن جيوش الروم تنهي وتأمر

إلا أن ما يحدث فلسطين، على الرغم من الشكوى إلى الله من جرائم الكيان الصهيوني، لكنها “غيض من فيض” من الجرائم التي تحدث في حلب وفي سوريا، فجرائم الكيان لم تأت على فلسطين كاملة والشجعان يتصدون، لكن حلب تكالبت عليها القوى داخليا وخارجيا وعلى مدار أربع سنوات تحولت البلدة لمنطقة من الركام والأحجار والدمار والأهوال.

في النهاية، وعلى الرغم من ذلك فحلب لن تموت والمنحة تأت من قلب المحنة فأطفال سوريا وأطفال حلب، الذين سمعوا عن أمجاد خالد بن الوليد، وصلاح الدين وغيرهما، من الأبطال، ستقوي هذه الحرب شوكتهم وسيكون النصر حليفهم بعد هذا الكم من المآسي والاضطرابات التي عرفتهم العدو الحقيقي، وأعلمتهم أنهم لا ناصر لهم إلا الله ثم الاعتماد على أنفسهم، لأنه في النهاية حتى البلدان العربية تشجب وتستنكر، ما دامت العروش باقية فلا خوف ولا ضير.

وإن كانت هذه الأحياء قد تحولت لمدينة أشباح خالية، من الحركة باستثناء قطط نحيلة هزلت من قلة الطعام -كأهل حلب-تجوب المكان بحثًا عما تأكله، لكن هذا ليس نهاية المطاف وستعود حلب وسوريا أبية، وهذا الدمار سيتحول لعمار وستكون درسًا للعالم وتاريخا يحكي عن بلدة استعادت كرامتها بنفسها بعد أن خذلها العالم أجمع.

279

الكاتب

سيد عيسى

مصري المولد عربي الهوية... متغرب في بلاد الله أعشق السفر أحب القراءة وأهوى الأدب وأستمع للشعر... وفي النهاية أكتب بقلمي ما يحلو لي.

اترك تعليقًا

*
*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.