إن كنا نعني بإسقاط الانقلاب، إسقاط السيسي فستكون الإطاحة به شخصيًا في غاية الصعوبة، أما إذا كنا نرغب في إخراجه من المشهد فقط، فبالطبع يمكننا ذلك، ببساطة علينا أن نمنعه من تحقيق مهامه المؤسسية بنجاح، فمهمة أي رئيس دولة ضمن أي منظومة أو امبراطورية تجارية، تتلخص ببساطة في نقل كل الثروات والمصادر القومية للدولة، بما فيها الأيدي العاملة، إلى المستثمر الأجنبي، وإضعاف أو القضاء على أي معارضة شعبية تعرقل هذه العملية.

وبناءً على ما سبق، فمن الواضح أننا إذا استطعنا منع السيسي من إتمام هذه المهمة، سيصبح من اليسير إزالته؛ فكلنا يعلم أن أنصار السيسي وداعميه الأساسيين ليسوا من الشعب المصري، فهو لم يأتي إلى سدة الحكم من خلال عملية ديموقراطية حقيقية، ولذلك فأنه في حال عجز السيسي عن خدمة دوائره الانتخابية أو أنصاره وداعميه – وبالطبع نعني بذلك المستثمرين والشركات متعددة الجنسيات-، سوف يخسر منصبه، تمامًا كما يطرد المساهمين الرئيس التنفيذي الذي عجز عن تحقيق مكاسب أو زيادة في قيمة الأسهم.

وهكذا، سيتم ببساطة استبداله بآخر يستطيع تأدية مهامه المؤسسية، ترى فيه الشركات والمؤسسات التجارية مكاسبًا أكثر لها، ولذلك فأنا لست متأكدا من المغزى الحقيقي وراء التركيز على شخص السيسي.

ولكن إذا كنا نقصد بسؤالنا، الاحتمالات المطروحة لاستبدال نظام عسكري مع إدارة مدنية، فإن الوضع سيكون أكثر صعوبة قليلاً.

طالما ظل الجيش يستحوذ على حصة بهذا الحجم من الاقتصاد المصري، فلا يمكنني توقع أي سيناريو أو طريق يمكن من خلاله أن تودع المؤسسة العسكرية بمصالحها الاقتصادية في أيدي حكومة مدنية، فهم لم يقوموا بذلك من قبل، ولا أتخيل أن يقوموا بهذا مطلقا في المستقبل. مصر لا تمتلك استقلالية سياسية ولا سيادة اقتصادية، وهذا لم يحدث بسبب الانقلاب، بل إن الانقلاب حدث نتيجة انعدام هذه السيادة.

فقد كان عبدالناصر رجلاً عسكريًا، وكذلك كان السادات، وعلى شاكلتهما كان مبارك، وخلال هذه الفترة من الحكم العسكري جرى دمج مصر -ومازال هذا الدمج جاريًا- في النظام الاقتصادي العالمي، أو ما يطلق عليه المسار الليبرالي الجديد، ما يضع أساسًا جميع الأصول المملوكة للدولة قيد البيع في مزادٍ علني، ويضع كل القطاعات المحلية تحت رحمة شركات متعددة الجنسيات، لذا لا يستطيع الجيش تسليم تلك العملية إلى إدارة مدنية ببساطة؛ لأن ذلك من شأنه أن يهدد محافظهم وممتلكاتهم كلها.

فإذا كان باستطاعتك إيجاد طريقةٍ ما لاستئصال الجيش من الاقتصاد. أو تجريده من شركاته ومشاريعه، في هذه اللحظة فقط ربما تصبح لك فرصة في أن تحظى بحكومةٍ مدنية. ولحين وصولك لهذه النقطة يمكننا اعتبار هذا الاحتمال غير واقعي.

ولكن هنا أرى أنه من المهم فهم شيءٍ ما، وهو أن التأكيد على أن ما حدث في مصر هو انقلاب، وأنه فاقد للشرعية الداخلية، وغيرها من الشعارات، ليس هو المطلوب؛ فمصر لا تمتلك استقلالية سياسية، كما لا توجد سيادة اقتصادية لها، وهذا لم يحدث بسبب الانقلاب، بل إن الانقلاب حدث بسبب انعدام الاستقلالية والسيادة. كان هذا هو الواقع الذي كنا فيه قبل الانقلاب، واستمر بعده، وحتى إن حدث واستطعت أن تتخلص من هذا الانقلاب فسيظل هذا الواقع كما هو وستظل المشكلة قائمة.

فالأمر يتطلب أيديولوجية في غاية الانحياز، حتى لا يرى المرء أو يعترف بالسياسة الاقتصادية المتواصلة  في مصر، منذ عهد مبارك وحتى يومنا هذا.

بمجرد المقارنة بين الخطط والأولويات الاقتصادية لإدارة مرسي ونظيرتها في عهد السيسي. ستجد اختلاف طفيف للغاية، فبالرغم من الاختلاف الجوهري بين الإدارتين، إلا أن السياسة الاقتصادية واحدة، أو تكاد تكون. بل إن هذه السياسات في الحقيقة كانت بالفعل قيد التنفيذ في عهد مبارك. لذا لا يجب علينا أن ندع أيديولوجيتنا تمنعنا من الاعتراف بهذه الحقيقة. ببساطة يمكن إثبات أن هذه السياسات لا تنتمي لأيٍ من نظام مرسي أو السيسي، بل هي سياسات صندوق النقد الدولي والمستثمرين الأجانب، ولا يحق للمصريين أن يصوتوا أو يختاروا هذه السياسات.

سعى الرئيس مرسي للاقتراض من صندوق النقد الدولي، والسبب الوحيد الذي لم يدفع السيسي للقيام بنفس الأمر هو انه مدعوم من دول الخليج، تعهد مرسي بخفض الدعم عن الغذاء والمحروقات، تمامًا كما فعل السيسي، وأيضًا تطبيق نظام الكارت الذكي لاستبدال طرق الدعم التقليدية وهو ما فعله السيسي. وعلى صعيدٍ آخر، تعهدت حكومة مرسي بخفض الانفاق العام لصالح سداد الديون، كما فعل السيسي. شرعت حكومة مرسي في تأسيس نظام الضرائب على القيمة المضافة لاستبدال نظام الضرائب على المبيعات، تمامًا كما فعل السيسي. حتى مشروع السيسي الضخم لخصخصة قناة السويس، تم طرحه من حكومة مرسي وهو ما اعترف به السيسي علنيًا. نقطةٌ بعد نقطة، بندٌ بعد بند، وسياسةٌ بعد سياسة نجدها جميعً متسقة تمامًا بين العهدين؛ فثورتان وأربع حكوماتٍ متتالياتٍ لم تكن كافيةً للتأثير على استمرار هذا المخطط في المجمل.

أرادت حكومة مرسي المزيد من الوقت لفرض هذا البرنامج؛ نظرًا لكونه مضاد للصالح العام كما هو واضح، ما من شأنه إنتاج معارضة قوية للبرنامج، لكن الإطاحة بمرسي خلقت الأزمة المطلوبة لتمكين الجيش من الدفع بهذا المخطط، والتقدم فيه بشكلٍ أسرع، وهذو ما يعتبر بروتوكولاً معتادًا في فرض النظام الليبرالي الجديد.

ليست الغاية مما سبق هي انتقاد الرئيس مرسي، ولكن ببساطة هي مجرد إثبات لأن هذه السياسات لا تنتمي لأيٍ من نظام مرسي أو السيسي، بل هي سياسات صندوق النقد الدولي، والمستثمرين الأجانب والشركات الكبرى متعددة الجنسيات، ولا يمتلك المصريون أي صوتٍ أو اختيارٍ في هذه السياسات، بل إن تحديها ومحاولة تغييرها يعتبر أمرًا غير قانوني.

البعض يقول إن السيسي قام بسرقة برنامجه الاقتصادي من الإخوان المسلمين أو من حكومة مرسي؛ لأن المعظم يمكنه أن يرى بوضوح أن السيسي يقوم بعمل نفس الأشياء التي قام بها مرسي اقتصاديًا، أو كان يحاول أن يطبقها.

واجه مرسي معارضةً عندما أراد أن يفرض أو يطبق برنامج صندوق النقد الدولي، ولكن الآن عندما يقوم السيسي بفرض نفس السياسات، وتنعدم المعارضة أو تكون ضئيلة، يقول الناس: “كانت هناك احتجاجات ضد مرسي، فلماذا لا يحتجون ضد السيسي؟”. سواءً أكانت الإدارة مدنية أو عسكرية فستكون تابعة للنظام الاقتصادي العالمي.

هنا يكون السؤال في حد ذاته هو الاجابة، كما أنه يجيب على سؤالٍ آخر، وهو “لماذا يتواجد السيسي في مكانه الآن؟”؛ فمرسي لم يكن يريد ولا يستطيع قمع المواطنين بالطريقة التي يقمعهم بها السيسي. وهذا هو الفرق الحقيقي الأهم بينهما.

هذه السياسات يتم إملاؤها من النظام التجاري العالمي، الذي قام باغتصاب السيادة المصرية، تمامًا كما فعل بسيادة العديد من الدول الأخرى، ولذلك، وبناءً على ما سبق، فأي حديثٍ عن الشرعية الداخلية ما هو إلا جهلٌ أو وهمٌ أو خداعٌ متعمد.

المغزى من هذا الحديث، أنه سواءً أكانت الإدارة مدنية أو عسكرية فستكون تابعة للنظام الاقتصادي العالمي، وهذه هي المشكلة الأساسية. ومثل هذه المشكلة لا يمكن حلها بعملٍ دراميٍ عفويٍ مفاجئٍ في أي شكلٍ كان؛ فالثورة الحقيقية والتغيير الحقيقي يتطلبان أكثر من الإطاحة بنظامٍ معين.

لا يمكن التشكيك في إمكانية القيام بتغيير حقيقي من خلال جهدٍ طويل الأمد، ولكن كل يوم نقضيه آملين في حلٍ سريع، أو باحثين عن حلٍ سطحيٍ، يفقدنا المزيد من الأرض التي نقف عليها، ويزيد السلاسل والقيود حول رقابنا؛ فكل ما نفعله مجرد تأخير للحل طويل الأمد، الذي يجب أن نبدأ فيه.

فلا الشعارات الرنانة المضادة للانقلاب، ولا الخطب الثورية، ولا أيٌ من هذا سوف يحقق أي تقدم، بل في الحقيقة يبعدنا أو يضللنا عن المشكلة الأساسية، وهي استعادة سيادة مصر الاقتصادية، واستقلاليتها السياسية؛ فهذا الصراع – وهذا ما يجب علينا أن نفهمه- هو صراع ضد الإمبريالية العالمية.. صراعٌ من أجل التحرر من التبعية الغربية. – تمت الترجمة من موقع نضارة.

428

الكاتب

شهيد بولسين

محلل سياسي أمريكي مسلم، مهتم بالشأن الاقتصادي وتكتيكات تعطيل مصالح الشركات الرأسمالية بهدف إجبارها على التعاون مع الشعوب.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.