Want create site? Find Free WordPress Themes and plugins.

تعُجّ الساحة الإعلامية في الآونة الأخيرة بالحديث عن قضية الصحفي جمال خاشقجي بشكل مثير للاهتمام.

ويعيى المرء من متابعة حسابات الصحفيين والإعلاميين والناشطين الذين يتناولون اسم  جمال خاشقجي ليل نهار، دون الحديث عن القنوات والتحليلات التي تضخ الأخبار عنه بلا تعب، عناية لم نشاهدها مع قضايا أعظم وأخطر –لا تقل أهمية- تهدد مصير أمة برمتها تستحق منا وقفة ومقارنة.

هل هو بكاء أم تباكٍ؟!



ويتساءل المرء: أحقًا يهتمون لجمال خاشقجي لهذا الحد؟ أم أنها حالة نفسية تنعكس على مرآة المصالح والنكاية والتراشق؟ أو أنها القطرة التي فاضت من الكأس وفرصة للنيل من ظالم؟

في الواقع، إن المتأمل في كمّ التعليقات التي نشرت، ولا زالت تنشر، يدرك أن لأصحابها دوافع مختلفة، ولا أقل من تصنيفها في ثلاثة اتجاهات متباينة، وإن التقت في الوصف:

– قسمٌ تديره منابر إعلامية مموّلة جعلت من جريمة القتل محور توازن العالم، فوظّفت نصرة المقتول بشكل سياسي، وبتأويلات مبتورة، ورؤى مضطربة مشوشة. ثم تلك الاستباقية للأحداث والتوقعات النرجسية للمستقبل، لتخدم روايتها في تسويق بشاعة الخصوم، بغض النظر عن ألوان الإجرام الأخرى، وأوهموا العالم أن مستقبل المنطقة سيتغير تمامًا بسبب هذه الجريمة وتداعياتها، عاقدين الأمل على الأمريكيين في تحقيق أمانيهم، وفي ذات الوقت يزعمون أنهم أصحاب ضمير ومصداقية.

– وقسمٌ آخر عقد الآمال -كل الآمال- على تركيا لتنقذ العالم الإسلامي من ظلم آل سعود، ولتُدفع نظام السعودية ثمن استهتار ولي عهدها بصلاحيات الحكم، وسفكه للدماء على أرض تركيا بأبشع صورة وأنكى فضيحة.

– والجماهير من الشعوب، يقودها شعور إنكار الظلم أيَّا كان صاحبه، ونصرة المظلوم بالفطرة، فانقادت بين هذه الجموع تنشد عدالة تُغيّر الحال وتبدد ظلام وحشية العدوان.

وقفة اتزان

ولكن، دعونا نقف وقفة اتزان لنبصر كيف تُساس مشاعر المسلمين بسياسة إعلامية موجّهة لصالح النظام الدولي المهيمن في الأخير. ففكّ لغز الجريمة وكشف حبالها معلوم أنه بيد تركيا. ولكن، بدل أن تختصر المسافات وتقضي بالضربة القاضية على القاتل، انتهزت الفرصة وبرعت سياسيًا في ترويض آل سعود، فكانت المساومة على طريقة النظام الدولي النفعية، ببعض التسريبات الاستفزازية ودغدغة مشاعر الجماهير.

وبعد عاصفة من التصريحات، بدأنا نشاهد لينًا في الخطاب السعودي تجاه تركيا، بل حتى تجاه قطر التي تحمل لها من البغض والخصومة ما يعجز القلم عن وصفه. وبدأت تتراءى لنا ملامح الصفقات المبرمة.

وبعد أن وعد أردوغان بكشف تفاصيل هذه الجريمة، دفعت زيارة خاطفة من مديرة مكتب الاستخبارات الأمريكية (سي أي إيه) الرئيسَ التركي للخروج بخطاب سياسي دبلوماسي محبط للكثيرين، ممن كانوا ينتظرون حسمًا للقضية. ما يعني أن كشف الحقيقة أو إخفاءها مرهون بحجم المصالح التي ستحصل عليها تركيا والولايات المتحدة، وليس بحجم الإنسانية التي يزعم بعضهم أنهم يحملونها.

ويتساءل المرء في هذه الأثناء، كم تغريدةً  ومقالةً كُتبت لأجل جمال خاشقجي؟ كم تعليقًا تأوّه لمقتله وبكى بكاء الثكلى عليه؟ كم من دعواتٍ رفعت له وأخرى على قاتِله؟ كم من المشاهير تفاعلوا لأجله، حتى الأمم المتحدة ودونالد ترامب! كلما يهمس أحدهم -مهما كان يحمل من عداء وحقد للإسلام- بكلمة عن جمال، يحملها القوم على بساط ريح يقطر نكايةً بقاتله، لتسير بين الجماهير كالنار في الهشيم.

اقرأ أيضًا: أزمة القدوات.. هكذا يغتالوننا!

بل لا أبالغ إن قلت لو أن الصهاينة استغلوا الفرصة لإبادة الشعب الفلسطيني برمته، لما توقف هؤلاء عن ذكر جمال خاشقجي بدل الانتفاض لخسارة عظيمة لفلسطين! ولمَ لا تكون تحركات التطبيع الأخيرة في قطر والإمارات وعُمان مدروسة في هذا التوقيت تحديدًا لانشغال الساحة بقضية جمال خاشقجي؟!

ليست جريمة أولى

ثم ألهذه الدرجة أثارهم مقتل رجل واحد ولم يثرهم مصاب أمة مسلمة؟! فكم من مسلم قُتل في هذه الأيام منذ ظهر خبر جمال؟! كم قُتل اليوم فقط في فلسطين واليمن وسوريا وليبيا؟!

أم لأن المجرم هذه المرة هو النظام السعودي الذي يتناطح مع قطر المالكة لإمبراطورية إعلامية تناصر حكومتها؟ ولأن الجريمة وقعت بحق رجل صحفي انتفض له الغرب وكتبت عنه الواشنطن بوست -التي كان كاتبًا فيها- باهتمام؟

ألم يصل إجرام السعودية لأعلى مستوى بتعذيب الشيوخ والعلماء الأفاضل والزجّ بهم في سجون الظلام والحكم عليهم بالإعدام؟! ألم يقتل الإجرام السعودي مئات الأطفال والأبرياء في اليمن بشهادة المؤسسات الحقوقية الغربية نفسها؟ فأين كانت آلة قطر الإعلامية حينها؟ أم لأنها كانت صديقة حميمة وعضوًا في التحالف العربي؟!

ألم يخذل النظام السعودي -بكونه مركز العالم الإسلامي- القضية الفلسطينية والمسلمين في تركستان؟ ولا ننسى جرح الروهينجا النازف! ألم يكن بيد النظام السعودي أن يكفّ معاناة ملايين اللاجئين المسلمين في كل مكان ويسد حاجة منظمة الأونروا بدل أن يبعثر البلايين في سبيل إرضاء سدنة البيت الأبيض وكهنته؟!

وفي الأخير، يحظى هذا النظام بالحماية الدولية والإمدادات العسكرية واللوجستية، ولا يعزف على وتر التهديد إلا حين قُتل رجل واحد! إننا بحق في عصر نفاق، يقول عنه الشاعر:

قَتْل امرئٍ في غابة جريمة لا تُغتفر … وقتل شعب مسلم مسألة فيها نظر!

ثم ألم يشارك كلُ مَن ينشد منهم اليوم إحقاق العدالة في جرائم قتل شعوب برمتها؟ وهل يجادل عاقل في درجة إجرام أمريكا؟، أم يُشكّك أحد في أهمية الدور الذي تلعبه قاعدة العديد القطرية لسير عمليات القوات الأمريكية، التي تقتل المسلمين بدم بارد بحجة أو أخرى في المنطقة؟ ومثيلتها قاعدة أنجرليك التركية التي كانت خط إمداد حيويٍّ -ولا تزال- لعدوان الطيران الأمريكي الذي قضى بسببه آلاف الضحايا المسلمين؟!

ولكن كل هؤلاء دماؤهم ليست محرّضة لإنكار الجريمة في عالم يعجّ بالنفاق والبشاعة!

تأثير الإعلام

لقد احتلت ساحةَ الإعلام في الآونة الأخيرة آلتان متنافرتان، كل منهما تدير الخبر بما ينفع مصلحة وليّ الأمر، وتحشد في صفها المناصرين، وتوظف الذباب الإلكتروني والأقلام المستأجَرة.

ثم تبًّا للمصداقية أو التروّي في الطرح! وبُعدًا لآلاف المسلمين المغدورين في الأرض! وكأن الأمة لا تنزف من شرايين القلب. لقد شوّشوا الأذهان بعواصف أحقادهم التي تقودها منصات الأخبار والتواصل. لقد أفقدونا الثقة في أي إحسان ظنٍّ بنواياهم!

وفي هذه اللحظات، هل تذكر أحدهم عائشة الرابي، الفلسطينية التي قتلها المستوطنون الضباع الجبناء، بأبشع طريقة يهتز لها الوجدان؟ هل تذكر أحدهم خلايا الاستيطان التي تتسرطن في العمق الفلسطيني، وعمليات التهجير القصري للفلسطينيين من أراضيهم، في وقت انشغل عنهم الناس!

كم من قضية مصيرية تم تهميشها والتهوين من وقعها في خضم هذا الضجيج؟

أين كان إعلام قطر؟

ثم أين كان الإعلام القطري حين كانت قطر حليفة السعودية؟ أم أنه تغاضى عن جرائمها وترفع عن دعوة معارضيها وداس عمدًا على ضميره ومصداقيته!

أين كان حين سلّمت قطر معارضين وحقوقين سعودين مثل محمد العتيبي وغيرهم بعد أن لجأوا إليها إلى السعودية مرة أخرى؟ أليست نفسها قناة الجزيرة التي وصفت السيسي بالزعيم المصري بعد لقائه أمير قطر تميم، بعد أن كانت تصفه بقائد الانقلاب؟

أليست الجزيرة من يطبّع مع الصهاينة فتستضيفهم في أخبارها وإعلامها، وتجعلهم يُطلّون علينا بوجوههم القبيحة في كل بيت عربي مسلم ليفتروا ويبثوا سمومهم؟ وفي ذات الوقت، تذرّ الرماد على العيون فترفع خبر حرية التعبير لمن أنكر تطبيع حكومة قطر مع الكيان الصهيوني، كما كان منها مؤخرًا استضافة فريق الجمباز في بطولة أقيمت على أرض قطر. وبدل الإنكار كما تُنكر على السعودية شريكتها في الجريمة، وظّفت إعلامييها بدهاءٍ مفضوح لأجل تضليل الجماهير عن أصل جريمة “التطبيع” بغطاء حرية التعبير، فكان مشهد: أنكروا برضانا ونحن نستمر بدهاء، وهكذا تُمدح قطر على ما تُعاب عليه.

اقرأ أيضًا: للجزيرة وجه آخر، نشرح لك القوة الناعمة للدولة القناة!

أين إعلام قطر مما يجري في أفغانستان من جرائم الاحتلال الأمريكي، ومن قصف لمدارس القرآن وقتل للأطفال الأبرياء؟ أم أن قطر شريك استراتيجي للأمريكان؟

واليوم يصرخون لينكروا ظلمًا بمنتهى السخرية! ياليت صراخكم علا حين قُتلت عائشة! وياليت وقفتكم تدوم حين يتصالح الخصوم! وإن كان جمال قد قُتل، فهناك مئات المطاردين والمساجين اليوم لم يُقتلوا، ولا زال هناك أمل في إنقاذهم، فلمَ البخل في نصرتهم ولا يزال فيهم نفس؟!

ولكنه إعلام ممّول مدفوع، لا يعوّل عليه لنفاقه وانتقائيته.

الضوء الأخضر

كل المصادر تؤكد امتلاك الأتراك لأدلة على مقتل الرجل، ولكن أردوغان لا يتحرك دون إذن واشنطن، والأخيرة تتروى لأفضل ابتزاز واستفادة.

ومع ذلك، يحاول الإعلام المهووس أن يدفع كل التحاليل باتجاه تصوير تركيا كبطل الإسلام الذي يحمل راية القتال ضد السعودية لأجل الانتقام لمقتل رجل واحد. وكأن  هذا الإعلام الساذج لا يعلم كيف تتقن أنقرة فنّ السياسة الدولية لأجل المصالح الشخصية.

بل بعضهم وصلت به الجرأة أن يُصوّر أمريكا كبطلٍ يحرّر الأمة المسلمة من ظلم الحكومة السعودية! والحماقة أعيت من يداويها.

للتاريخ ضمير لا ينسى

لقد قُتل أتراك في سفينة مرمرة المناصِرة لغزة بدم بارد على أيدٍ يهودية، ومع ذلك أرسل بعدها أردوغان طائرات لإطفاء الحرائق في تل أبيب [1].

لقد قتلت روسيا آلاف السوريين في وضح النهار بأسلحة محرّمة دوليًا وبسياسة الأرض المحروقة، ومع ذلك يصافح أردوغان فلاديمير بوتين بمنتهى المودّة والحب. لقد قتلت ميليشيات إيران آلافًا أخرى من المسلمين في كل مكان، ومع ذلك يُقرَّب روحاني في أنقرة ويحظى بمكانة فخامة الرئيس! كل هذا جائز في بروتوكولات السياسة الخسيسة!

لقد قتلت قوات النظام السوري الآلاف المؤلفة من السوريين، وتحجز المئات في معتقلات العذاب يتمنون الموت لا يجدونه، وسعت في حرب إبادة شرسة لإخماد ثورة شعب انتفض لنيل حريّته، ومع ذلك أخضعت تركيا هذه الثورة بحجة الدواعي الإنسانية لسندان النظام ومطرقة الديمقراطية وإرادة المجتمع الدولي، وأضحى الحديث عن تحصيل مقاعد للمعارضة في حكومة جديدة يرأسها النظام المجرم أكبر إنجاز وأفضل خيار، والثمن ملايين قُتلوا وشُردوا لأجل هذا الظلم الجديد.

لقد سمعنا الكثير من الوعود الحازمة، كمثلما سمعنا في قضية القس برونسون، ثم تلاشت بين مصالح النفوذ.

اقرأ أيضًا: كل ما يجب أن تعرفه عن صفقة القرن وزيارة ترامب للسعودية

ثم من الجهة المقابلة، قُتل في مصر صحافي إيطالي، وثارت البلاد ومنابر الإعلام، ثم ها هم رؤساء أوروبا يقتربون من السيسي ويكيلون له المديح وكأن شيئًا لم يكن، ولم تعدُ تصريحاتهم وتهديداتهم أن تكون مجرّد حبر على الورق! فعلامَ يعوِّل المتباكون؟ على تغيير النظام السعودي أم على إجبار أرباب الإجرام الدولي والقتلة للتحول إلى طلاب عدالة وناصري حقّ؟!

جريمة واحدة

أيها الناس، إن كان جمال قد قُتل، فقد قُتّلت شعوب مسلمة بأطفالها ونسائها وشيوخها، وبرمتها هُجرت وحوصرت ونهُبت وقُصفت وأُهينت كرامتها ولم نسمع لكم ذات الحجم من العويل!

أفمن مخبر القوم أن القتل جريمة واحدة؟ وأن حساب المجرم لا يفاضل فيه بين مقتول مشهور مدعوم ومقتول مجهول مخذول؟

وأن الصادقين في نصرة الحق عليهم أن يُتقنوا فن العدالة في النصرة؛ فيحركوا القضايا الكبرى العالقة بحجم يليق بها، أو على الأقل بنفس حجم التحرك الذي حظي به مقتل جمال خاشقجي. وكم من جمال لا يعرفه إعلام؟ وكم من مسلم ترتج لمقتله السماء ولا يدري عنه أهل الأرض، فكفانا انهزامية وانتقائية حتى في استنكار الظلم.

تبريرات بائسة ولكنه الإعلام

إن تغييب ذكر مئات العلماء في السجون ليس دلالة على أنهم لم يحوزوا القبول، بل إن سحر الإعلام ورقابة الإجرام وإجحاف الأحكام هي التي تحكم المشهد اليوم. وكذلك الحال مع باقي مآسي المسلمين ومصائبهم.

وعلينا أن نعي قاعدة مهمة في خضم هذا التدافع، هي أن الإعلام من أكثر أدوات التغيير قوة، خاصة في توجيه مشاعر الجماهير وأحاسيسهم  إلى حيث يريد أرباب ذلك الإعلام توجيههم. ولهذا نشاهد الكمّ الهائل من التحليلات التي تُصرّ على توظيف الخبر لخدمة جهة معينة بما يتناسب وتوجهاتها، ويدخل في هذا ربط الخبر بأحداث وشخصيات، أو اللعب على وتر كثافة ظهوره وتواتره، أو استعماله لتحييد خبر أو مجموعة أخبار أخرى أكثر أهمية. وفي الأخير تُفرَض نتيجة تحليلية لا شعورية على الجماهير.

ولو كان أرباب هذا الإعلام أهل حق ونصرة لدين الإسلام لانتفضوا بنفس الحجم لكل فرد مسلم يُقتل، استنكر له الغرب أو لم يستنكر، ولكنهم أصحاب مصالح وأجندات يوظفون مشاعر الجماهير لحظوظهم.

لماذا هذا الطرح؟

لنكشف للناس كيف تُوظّف الجرائم بسياسة ودهاء، وأن هناك أمة تذبح، وشعوبًا تباد، تستحق أيضًا الاهتمام، إن كانوا فعلًا يحملون ضمير صدق ناصر ولا يكيلون بمكيالين. وحتى لا ينسى الناس كيف يُتاجر بقضايا الظلم في خدمة الأنظمة والدول الظالمة بالأصل، وأن ليس كل من يبكي على المقتول صادقًا في نصرته، إنما هي حظوظ نفس وسياسة انتصار لها.

وقد يقول قائل، ولكنها فرصة سنحت وركبنا الموجة بتحريك العالم ضد الظلمة! فأقول: لن يحرر هذه الأمةَ من جلاديها ساسةُ الغرب ولا مؤسساته وأذرعه، بل الحلول التي تأتي من طرفهم إنما تُمعن في تعميق مصاب الأمة المسلمة في مستنقعات هيمنتهم المفرطة، وإلا فمن أقام هذه الأنظمة ومن رعى هؤلاء الخونة؟ من يجالسهم في المؤتمرات ومأدوبات الطعام ويحمي عروشهم ويعلنها تفاخرا ومنّة على الملأ مع علمه بفسادهم؟!

لقد سئمنا من رقصهم على جثث قتلانا، من توظيفهم أحزاننا ومآسينا لمزيد قهر وهيمنة، من استهزائهم بعقولنا وتمثيل التمثيليات الفاضحة وهم أصل الإجرام. لم يعِ الكثيرون اليوم، حتى من أصحاب الأوسمة العريضة والمعرفات الشهيرة، أن اللعب في ملعب النظام الدولي، لا يتقنه تابع من الأتباع، مكبل الأوصال بشرعية دولية بشرية. بل لابد أن يكون متمردًا على نظامهم، تقوده شريعة عادلة ربانية، وإلا فمصيره لن يكون أفضل من مصير جمال خاشقجي.

وأن مسلسل المساومة بقضية خاشقجي إنما جاء للتنكيل بالنظام السعودي، وإوجاع الخصم على يد قطر وتركيا وأمريكا والدول الأوربية الهدف منه في الأخير الحصول على مزيد تنازلات، ولدفع السعودية لتقديم البليونات، وبسخاء لتبييض وجهها الذي اتسخ.

أما إزالة ظالم من عرش حكم هم أمّنوا بقاءه فيه، فهذه من هذيان العقل إلا أن يستبدل بمن هو أظلم وأوفى لطموحات الهيمنة الأمريكية. فلا نُعوّل على تصريحات متلونة متذبذبة تصعد وتنزل بحسب مصالح الأنظمة المشتركة في ألوان الإجرام! أنظمة تحمل أوسمة الظلم بدرجات مختلفة لن تقدم حرية في حين ترسخت في التاريخ قاعدة أن الحرية تأخذ ولا تعطى.

ليس المشهد بكل تلك السوداوية كما أعتقد، فإن في هذه الأمة أنفسًا تلهج بذكر الله لا ترضى الاستسلام لمخططات الغرب ولن تبتلع الطعم، وهي التي تُعوّل عليها الأمة لإصلاح ما أفسد الدهر!

أما أنتم يا شهداء فلسطين واليمن وسوريا وكل مكان يرتج من هول الظلم .. فاعلموا أن لكم ربًّا يمهل ولا يهمل، وأن الله إذا أخذ ظالمًا فإنما أخذه أخذ عزيز مقتدر. فاصبروا، وصابروا، ورابطوا، واتقوا الله لعلكم تفلحون.

216

Did you find apk for android? You can find new Free Android Games and apps.
الكاتب

د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفٌة بالإعلام وصناعة الوعي، صدر لي ستة كُتب حتى الآن (نجوم على الطريق، وصفحات من دفتر الالتزام، وإليكِ أنتِ، وقبس من خاطر، وأمريكا التي رأيت، وقراءات مختصرات).

التعليقات

  • عبد الرحيم عبد الرحمان تونس منذ 3 أسابيع

    أكبر إنحيازك لقضايا الامة ’لكن نحتاج منك إلى تفسير علمي وواقعي لمثل هذه القضايا دون تحامل على تركيا أو قطر أو الجزيرة أو … لأنّ منطق التخوين و العمالة و التطبيع هو منطق إنطباعي عصبي تفرح به زمرة من الناس و تكرهه زمرة أخرى لا يقدّم حلول ملموسة لأزماتنا المزمنة و يربك المشهد و يفرّق و لا يجمع .
    لو إكتفيتي بتوصيف الوقائع و بحثتي وجهات النظر المختلفة بتجرّد و ربطتي ذلك بالإستراتيجيات الدوليّة والإقليميّة و ذكرتي التحدّيات و المخاطر التي تواجهها الأمّة لأجمع كل قارئ على صدقيّة المقالة دون تحفّظ لأنّ العصبيّة للحقّ و العدالة و الكرامة و الحكمة و العلم وو ووو هيّ عصبيّة فطريّة جبل عليها النّاس .
    لا تنسي أنّ هذه هيّ أسماء الله الحسني فالله هو الحق و العدل و الكريم و الحكيم و العليم ووو وهو المطلوب أوّلا و آخرا .
    شكرا لسعة الصّدر و ما أردت إلاّ النصح و الصّلاح

    رد
  • د. ليلى حمدان منذ أسبوعين

    حياك الله وجزاك خيرا عن نصحك وحسن نيّتك، لكن إذا لاحظت معي فقد ارتكزت المقالة على حقائق، لم أختلق شيئا من عقلي، ولم أتوهم الأدلة أو الأمثلة، وبالتالي لا أجد مبررا لوصفك بالعصبية، ثم إن توظيف القضية سياسيًا لم يعد يخفى على متابع، اليوم أصبح وليّ العهد يظهر من جديد في المشهد وكأن شيئا لم يكن. وهذا أصغر دليل على أن المصالح النفعية لهذه الأنظمة وهذا الإعلام مهما ظهر منها من عدل أو مناصرة لا يُعوّل عليها لنصرة مظلوم. ومن يتغنى بالدوافع الإنسانية فعليه أن يراجع موقفه. أرجو أن تتضح الصورة أكثر لديك، ثم عن التغاضي عن حقيقة العداوة وإضمار الشر للأمة، فهذا ليس أيضا من نسج خيالي أو محاولة مني لدغدعة مشاعر الناس، فقد قال الله سبحانه وتعالى (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا) وكل من سار على نهج الغرب برضاه أو مرغما عنه فقد دخل في حيلته ومكره وبالتالي في دائرة تحيقيق أهدافه، ولا يرد الوحي تحليل بشري قاصر او فكر علماني بائس. وفي الأخير محتوى المقالة لم يفتري أو يختلق حقيقة واحدة، وعليه فبالبناء سليم كما أرجو من الله تعالى أن يكون وكما هو دين في رقابنا تبيان الحقائق للناس ونصرة جميع المظلومين مهما كان بريق الظالم لامعا في أعين بعضهم. دمت بخير وسعادة.

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    مشاركة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.