نبذة تاريخية

إن العلاقة بين الإعلام والسياسة علاقة جدلية ضاربة في التاريخ منذ القرن السابع عشر تاريخ صدور أول صحيفة قبل ظهور المشهد السمعي البصري في القرن العشرين، و قد تحدث أدولف هتلر في كتابه “كفاحي” عن تأثير الصحافة المكتوبة في الرأي العام من خلال سيطرة اليهود على السياسة الألمانية وتحكمه بتلابيب الدولة لذلك سميّت الصحافة بالسلطة الرابعة، والحال أنها أصبحت السلطة الأولى ولها الكلمة الفصل مع ظهور الإذاعات والمحطّات التلفزيونية.

تحدث عالم اللسانيات والمفكر الأمريكي “نعوم تشومسكي” عن علاقة الإعلام والسياسة في كتابه “السيطرة على الإعلام” بشكل مستفيض فالإعلام هو الوسيط الأول بين الساسة و الشعوب ومن خلاله يتم “تصنيع الإجماع” وتوجيه القطيع الضال بإلهائهم بأفلام العنف والجنس ومباريات الكرة وتلفزيون الواقع الأمر الذي يتسبب في تشتيتهم، وهو ما يحول دون تأهيلهم للتفكير إضافةً إلى زرع ثقافة الخوف بإخافتهم من الأعداء في الداخل والخارج، واستدل على ذلك بمثال الزعيم النازي هتلر عندما استعمل الصحف والإذاعات لإخافة الألمان من اليهود و الغجر و تركيزه لآلة الدعاية النازية بقيادة جوزيف جوبلز، وكانت خلاصة هذا الكتاب هي قدرة البروباغندا على خلق ثقافة الرأي العام وتوجيهه حتّى ضد ما يريد وفق أجندات سياسية، كما كان للعلاقة بين الإعلام والسياسة جزء هام في مقال لنعوم تشومسكي في المقال الشهير “الأسلحة الصامتة لخوض حرب هادئة ” وهو مقال استند إلى وثيقة سريّة تضمنت عشر استراتيجيات للتحكم في الشعوب،  كانت المنابر الإعلامية سواء المكتوبة أو المسموعة أو المرئية  هي المسرح الأول وقاعة العمليات لتفعيل هذه الاستراتيجيات.

اقرأ أيضًا: كيف تغيرت نظرة الأمريكان للشذوذ في 5 سنوات؟!  

علاقة الإعلام بالسياسة في العالم العربي.

لإن تمكنت الديكتاتوريات في العالم العربي من تدجين كل المرافق الإعلامية وجعلها أبواقا تصدح بالولاء لرؤوس النظام وضرب خصومهم ووأد كل حراك اجتماعي أو  تحرك سياسي فإن الثورات العربية خيّمت بظلالها على الحقل الإعلامي فكانت المعركة معركة لوبيات الصحافة بالأساس التي وجدت صعوبات مع ارتفاع نسق المد الثوري في الدول العربية و هو ما حال دون تحكمها في صناعة الرأي العام بشكل كامل.

الأمر الذي تحقق تدريجيا بعد استقرار الأوضاع السياسية خاصة في تونس و مصر فصعود الإخوان في كلا البلدين كان في غفلة أو تغافل قسري من سلطان الإعلام الذي رصّ صفوفه وجيّش قوی الثورات المضادة التي كانت ملامحها اكثر وضوحا في مصر وهي التي تزخر بترسانة إعلامية قادرة على تقويض أعتى الأنظمة، فكانت الحملة الممنهجة على حكم الإخوان من خلال قنوات مدينة الإنتاج الإعلامي وماسبيرو ومكاتب رؤساء تحرير أقوي الصحف فكانت نهاية حكم محمد مرسي في وقت قياسي لم يتجاوز البعض من الأشهر ليتولى عدلي منصور الرئاسة بصفة مؤقتة.

تحدث عن دور الإعلام خلال فترة حكم مرسي قائلا ” إن الإعلام كان مشعلا أضاء الطريق للشعب وكشف سوءات النظام السابق”، وقد أثرت القنوات المصرية الخاصة بشكل كبير في المشهد السياسي من خلال برامج “التوك شو” وأهمها برنامج “العاشرة مساء” لوائل الأبراشي على قناة دريم التابعة لرجل الأعمال أحمد بهجت أحد رجالات الحزب الوطني، وهو حزب الرئيس المخلوع حسني مبارك.

إضافة إلى رواج سوق البرامج الساخرة حيث لمع نجم باسم يوسف من خلال برنامجه “البرنامج” علی قناة “سي بي سي”، وتصدرت حلقاته من حيث عدد المشاهدات في موقع اليوتيوب، وصنفته مجلة التايمز الأمربكية ضمن ال100 شخصية الأكثر تأثيرًا في العالم.

كما تجندت باقي القنوات و الجرائد بنسخها الإلكترونية والورقية و مواقع إلكترونية وصفحات علی المواقع التواصل الاجتماعي لتجييش الشارع و تعبئته ضد نظام الإخوان المعزول إعلاميا، أمّا في تونس وإن كانت الحملة أقل سعارا من نظيرتها في المحروسة فإنها آتت أكلها بطريقة أكثر تحضّرا وسلمية بعد أن صعدت قوی سياسية جديدة كانت انطلاقتها إعلامية بالأساس من خلال اتحّاد كل الخطوط التحريرية بشتّى صنوفها واتجاهاتها الأيديولوجية لإعادة بلورة المشهد السياسي، ومع الهزات السياسية والاجتماعية التي تسببت فيها هذه الموجة الإعلامية الممنهجة فبدا انحسار المد الثوري وأفول نجمه وتراجعه مقابل عودة النظام السابق برؤوسه السياسية  والإعلامية والاقتصادية وتغلغله في مفاصل الدولة من جديد وتربعهم علی كل عروش هذا الوطن.

من  أراد  الحكم فليصنع له إعلامًا قويا

انطلاقا مما سلف نتبين الدور الحيوي والمفصلي في صناعة المشهد الحزبي وعلى كل من أراد الحكم أن يبعث بأذرع إعلامية يكون لها من الحرفية ما يجعلها تنافس الماكينة الإعلامية الحالية (تونس نموذجا) إذا ما علمنا حجم الدور الإعلامي في التسويق للبرامج السياسية والتأثير علی الناخب في اعتى الديمقراطيات واهتمام المترشحين بخلايا الاتصال والمكاتب الإعلامية.

648

الكاتب

طارق العمراني

أستاذ مدارس ابتدائية، ومدوِّن تونسي مهتم بالشأن السياسي.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.