هذا المقال مترجم عن مجلة النيويوركر حول المُجتمعات المُغيبة التي يُغيبها الإعلام ورؤوس السلطة تحت عنوان “الحياة في ظل الحقائق البديلة “، المعلومات والآراء الواردة فيه تعود للمصدر لا على «أمة بوست».


 لم يكن ثمة تناقض معرفي في أذهان مواطني الاتحاد السوفيتي إبان فترة ثمانينيات القرن الماضي. وقد أيقن الجميع أن سائر ما يُذاعُ عبرَ وسائلِ الإعلام (عدا تقارير المُناخ و أخبار الرياضة) هو محضُ هُراء و شكلياتٍ يبثها النظام في النفوس ليل نهار لأن هذا ما كان موجوداً وما وجب أن يكون عليه أمر الحكم آنذاك.

وبغض النظر عما كانت عليه حال الجو خارجاً فإنه في داخل أبهاء محطات الإذاعة والقنوات المُتلفزة فإن جحافل الدعاية المُجيَّشَة التابعةُ للنظامِ داومت على نقل واقعٍ يُخالفُ شكلاً ومضموناً ما خامره الناس وما عايشوا أحداثه ومُتغيراته .

فقط لأن الناسَ ألفوا أنفسهم مُجبرين على سماع أنباء في الإذاعة الرسمية والتلفاز مفادها أن الجمع سُعداء في أرض السوفيت يتقلَّبون على آرائك النعيم و أن العُقد لا محالة ستنفك والمشكلات بلا شك ستُحلّ لتمضى الجماهير تحت لواء الحزب الأحمر نحو غدٍ أفضل وعليه صدَّق تلك الصورة الطوباوية قُرنائهم في العالم الرأسمالي فبات مواطنو السوفيت موضع تطلُّع، ومثارُ غبطةٍ وحسد.

وعليه لم تنطلى تلك الخُدع على أحد في ماهية وحقيقة طبيعة الأمور هُناك (في الاتحاد السوفيتي)  سواءٌ في حياة الأفراد أو في مُحيطهم الاجتماعي فقد وعت الجموع في الريفِ و الحَضر حقيقة الأمر حتى مع غياب بديل إعلامي يستقون منه معلوماتهم و رؤيتهم للواقع الاجتماعي والافتصادي والحالة السياسية الراهنة و كيف لا يُمكنهم  وهم يقبعون ضمن الإطار العام ويُعايشون الأزمات الاقتصادية والطُغيان السياسي السائد.

فلو اعتمد الواحد منهم على مُشاهداته وحواسه لكفاه ذلك أن تنجلى أمامه الوقائع و تنكشف لبصيرته البيِّنة .
علمت الجموع أن الواقع في الكُليةِ مُغايرٌ لما ذاع و شاع في وسائل الإعلام وأبواق النظام فالعِباد مُتكئين على الحضيضِ، مُغرقين في الفقر و الاضمحلال تعميهم أضِبَّة الجهالة والتغييب.

عُرف عالمياً بعد ذلك أن الروس عاشوا عقود في عُزلةٍ و عالمٍ موازي مُنغلق من مرايا الحقائق المشوَّهة و المنقوصة، معزولين عن الواقع العالمي والأحداث الخارجية لكنه فات عن الوعى العالمي أن الروس ليسوا بمثل هذه السذاجة و أقل ما يُقال أنهم لم يكونوا مخدوعين بل لم يكن في وسعهم فعل شيء مع فهم الحقائق سالفة الذكر أو بدونها .
فلم يتوفر حينئذ منبر ليُعِّبروا من خلاله عما جاش بصدورهم و أرق يومهم و أدمى حالهم.

كذلك، فإن التعرُّض المُستمر لسيول الأكاذيب الدافقة أحال الناس للخمول ، وعلَّمهم السخرية و اللامُبالاة ، وأرسى في نفوسهم النقمة والسخط  فأصبحوا طفوليين لا شغل لهم سوى اللهو و الاستهزاء بواقعهم العام أولاً ثم حيواتهم الفردية الضئيلة التي اكتنفها التشابه و ملأها الملل و الضجر .

وهكذا عاش مواطنو السوفيت حياتهم في حالة اضطراب ما بعد الصدمة ( أو ما تُعرف عند علماء السيكولوجيا بالترواما ( Trauma PTSD  مثلهم كمثل سمك اصطيد بالقنابل و لكنه أفلت من الشباك و أكمل العوم بعِظَم آثار وقع الانفجار وهذا بالضبط ما يفعله التعرّض الدائم و المُستمر للحقائق البديلة إنه يصم أذناك و يُذهب عقلك و يعمى بصيرتك .

365

الكاتب

محمد سماحة

كاتب صحفي و مُترجم حر .. أهوى القراءة في مباحث الفلسفة والتاريخ وبعض نصوص الأدب .. أنتقل جائبًا موائد الأفكار حيث لا ثابت سوى العقيدة ولا رابط غير الدين.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.