بعد إصدار الحكم بالإعدام عليهم، نهض أحدهم وأنشد أبيات تحمل اسم “غرباء” من وراء القضبان، فتأثر كل من في قاعة المحكمة، وبكى محامي المتهمين. فماهي هذه المحاكمة؟

في 12 أكتوبر 1990م، تم اغتيال الدكتور “رفعت المحجوب” –رئيس مجلس الشعب الأسبق وعضو في الحزب الوطني الديموقراطي- عن طريق مجهولين أطلقوا عليه النيران من فوق كوبري قصر النيل. وحُكم بالإعدام على المتهمين من جماعة الجهاد.

جماعة الجهاد:

جماعة الجهاد أو تنظيم الجهاد في مصر، هي جماعة سلفية جهادية تعتقد باعتقاد أهل السنة والجماعة وما كان عليه أصحاب النبي”صلى الله عليه وسلم”، وتعتقد كفر الدول والأنظمة والمؤسسات التي تحكم بغير ما أنزل الله تعالى، أو تتحاكم إلى غير شريعة الله، مثل العلمانية أو الديمقراطية أو الاشتراكية ونحو ذلك. وكان أبرز مؤسسيها هم “علوى مصطفى”، و “إسماعيل طنطاوي”، و “نبيل البرعي”، وكانوا جميعاً طلبة في الثانوية العامة وقتها. واستمر التنظيم لسنوات كبر فيها كل صغير، وكان من بين أعضاء هذا التنظيم “أيمن الظواهري” في نهاية الستينيات، كما كان منهم أعضاء “يحيى هاشم”،  و “رفاعي سرور”.

ولقد اختار التنظيم أسلوب الانقلاب العسكري لتحقيق التغيير المنشود، بالاعتماد على اختراق الجيش من خلال أشخاص يتم تربيتهم في التنظيم ثم الدفع بهم للكليات والمدارس العسكرية. واعتمد التنظيم مناهج لتعليم الدراسات الشرعية تضمنت كتابي في “ظلال القرآن” و”معالم في الطريق” لسيد قطب. وفي التدريبات العسكرية لم تتبنى سوى التدريبات البدنية الشاقة بجانب التدرب على الألعاب القتالية كالمصارعة والكاراتيه. وعندما كان يتم سؤال أحدهم عن انتمائهم لجماعة الإخوان المسلمين، كانت إجابتهم واحدة:

“لم أكن في يوم من الأيام عضواً في الإخوان المسلمين، كما لم يكن أحد من أسرتي عضواً في الإخوان، كما لم أتعلم على يد أحد من الإخوان”

وكانت العمليات المسلحة التي اتهم التنظيم فيها تستهدف قوات الشرطة والجيش والقنصليات الأجنبية، ومحاولات اغتيال الرؤساء والوزراء، منها ما تم اتهام أعضاء التنظيم فيه باغتيال “رفعت المحجوب”.

اغتيال رفعت المحجوب:

رئيس مجلس الشعب الأسبق، وعضو في الحزب الوطني الديموقراطي، اختير من قبل “السادات” في منصب وزير برئاسة الجمهورية، وعين نائبًا لرئيس الوزراء برئاسة الجمهورية، كما أنتخب أمينا للاتحاد الاشتراكي العربي بعام 1975. حصل على جوائز وأوسمة رفيعة منها وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى، ووسام الجمهورية من الطبقة الأولى، وجائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية من المجلس الأعلى للثقافة. وفي 23 يناير 1984م، تولى رئاسة مجلس الشعب حتى تم اغتياله في 12 أكتوبر 1990م، على يد مسلحين أعلى كوبري قصر النيل، أثناء مرور موكبه أمام فندق سميراميس في القاهرة، وأطلقوا عليه الرصاص مات على إثره، ثم هربوا في الاتجاه المعاكس على دراجات بخارية، هذه القضية التي اتهم فيها أفراد من أعضاء جماعة الجهاد.

مرافعة القرن:

مرافعة القرن أو محاكمة القرن ” تسمى أيضاً محاكمة الغرباء”، أشبه بمسرحيات البطل الواحد المحامي الأستاذ “أحمد نبيل الهلالي”-رحمه الله-، استغرقت ساعتان و40 دقيقة متواصلة دون انقطاع “باستثناء وقت الأذان”، مرافعة أقرب إلى خطبة لتعليم العقيدة والسيرة النبوية، بتعريف الشريعة والدفاع عن الإسلام، والهجوم على الحضارات الأجنبية، ومظاهرات الشذوذ محتمين بالعلم الأمريكي، والحصار العقائدي لأمريكا والحرب على المسلمين تحت شعار التطرف، والتنديد بسياسة الاحتلال في فلسطين والبوسنة وفي مصر أوليس إرهاباً. وقال قولته:

“إذا كنتم تقولون أن التمسك بدين الله تطرف، فنعم نحن متطرفون؛ لأن الله أمرنا بذلك”

ودافع عن المتهمين بأنهم متهمون في فكرهم وليس فعلهم. ثم ذكر مخطط تجويع الشعب المصري بتهجير الأراضي الزراعية، وبيعها لمن لا يستحقها، ومخالفة أمر الله فيها، وأن إرادتنا مسلوبة طبقا لمن قال” من لا يملك قوته لا يملك إرادته”، وبأنهم هكذا يحاكمون الشباب الذين يريدون أن يمتلكوا إرادتهم ويستردوها من مغتصبيها. وأوضح أن الشباب المسلم لا يكفر الأمة؛ وإنما لأن الدولة نافقت ربها باسم الإسلام، فهم يبعدون الأمة عن النفاق، ويريدون التطابق بين القول والعمل.

ثم بدأ باستنكار تحريات النيابة العامة، وبأنها تسير على نهج أمن الدولة بغير تمحيص أو استقراء في القضية. وسرد أكثر من 100 دليل قطعي على براءة المتهمين، ووقائع الحادث وما حول وزير الداخلية “عبد الحليم موسى” من شبهات وعلاقته بالاغتيال، ومؤامرات خصوم “رفعت المحجوب” على قتله. ثم لفت النظر أنه يوجد لجان توجيه في كل أمور الدولة حتى التعليم، فلا يستعبد أن يكون لهذه القضية لجنة توجيه، اختارت الشباب المسلم -أصحاب الفكر المتطرف في نظرهم- ليشيروا إليهم بإصبع الاتهام، مؤكداً أن أصحاب الفكر الإسلامي لا يوجد عداء بينهم وبين “رفعت المحجوب” أو شخصاً بعينه. ووصف تصرف مباحث أمن الدولة بتفتيش السيدات أثناء الزيارات، والاعتداء على الحرائر وترويعهم، بأنه تصرف جاهلي أسوأ من تصرفات أبو جهل. وندد طريقة القبض على المتهمين وأنها كانت قتل عمد -باستشهاد اثنين من المتهمين- وليست تصريح للقبض والتحفظ. واعترافات المتهم “محمد النجار” الباطلة جاءت تحت ضغط وتعذيب وتلفيق فيها لما جاء في تحريات النيابة العامة والدليل الذي قدمته. في آخر المرافعة، أكد أن قضية الاغتيال غامضة حتى الآن، وتم إتهام الشباب المسلم؛ ليلزموا الإسلام بالإرهاب ويتم تشويه صورته، ثم قال كلمته الشهيرة موجهاً إياها لرئيس القضاة:

“من أراد أن يدخل الجنة من أوسع أبوابها، فلينظر أين قضاء الله، ويطابق بقضائه قضاء الله، فيكون قد قضى بلسان الله، ومن أراد أن يدخل جهنم من أوسع أبوابها، لينظر أين قضاء الله، فيحاد قضاء الله”

ولكن، وبالرغم من مرافعته القوية، إلا أنه صدر حكم بإعدام المتهمين في 15 مايو 1993م، وبعد صدور الحكم، وقف من خلف القضبان هذا الشاب المتهم “محمد النجار” وأنشد أبيات من قصيدة للشهيد “سيد قطب”-نحسبه كذلك-، بينما يقف المحامي إلى جانبه يستمع له باكياً بحرارة، مما يبين يقينه في براءتهم، وغيرته على دينه. هذه المرافعة التي تكاد أن تكون  وثائقي نسمعها مراراً، مرافعة فريدة من نوعها، لا نعتقد أنها تكررت أو ستتكرر في المستقبل.

حكم النقض:

ولكن لم يتوقف الأمر على هذا، ففي جلسة النقض 14 أغسطس 1993م، لم يصدر القاضي الحكم بإعدامهم؛ حيث قدمت النيابة العامة للمحكمة ست زوجات للمتهمين كشهود إثبات ضد أزواجهم. وبقراءة القاضي للشهادة وما وراءها، أهدر شهادة الزوجات الست، وجاء في سبب حكمه أن نص المادة 67 من قانون الإثبات رقم 25 لسنة 1968: (لا يجوز لأحد الزوجين أن يفشى بغير رضاء الآخر ما أبلغه إليه أثناء الزوجية ولو بعد انفصالهما إلا في حالة رفع دعوى من أحدهما بسبب جناية أو جنحة وقعت منه على الآخر. والحكمة من حظر أداء الشهادة من أحد الزوجين ضد الآخر هي الحفاظ على ما بين الزوجين من مودة ورحمة، وأن موضوع الشهادة  سر علم به الزوج أو الزوجة عن طريق هذه الصفة وهى صفة الزوجية، فكل منهما ملزم بكتمان هذا السر وإن أفشاه يكون آثماً مرتكباً للجريمة المنصوص عليها في المادة 31 عقوبات. وعلى هذا فإن أداء الشهادة رغم هذا الحظر تعد جريمة ويبطل الدليل المستمد منها؛ لأنه استمد من إجراء غير مشروع، والبطلان هنا من النظام العام تقضى به المحكمة من تلقاء نفسها). وبإعمال هذا النص يُرى أن التي شهدت على زوجها في التحقيقات تعتبر قد أفشت بالسر الذي ائتمنها زوجها عليه، وبالتالي يكون دليل غير مشروع، ولا يتعارض هذا مع إن كان المتهم هو من طلب من زوجته الإدلاء بقولها، فلو فعل هذا يكون قد صدر عن إرادة حرة منه واختيار صحيح، ولكن المعروف في هذه الأحوال أنها تكون تحت اضطهاد نفسي أو جسدي. لذلك لم تقم المحكمة برئاسة الدكتور “وحيد محمود” -رئيس محكة استئناف القاهرة الأسبق- بإصدار حكم الإعدام على المتهمين.

ونص حكم القضية هو:

“حكمت المحكمة حضورياَ على المتهمين من الأول حتى الرابع والسادس والثامن والتاسع والعاشر والثاني عشر والثالث عشر والسادس عشر والسابع عشر والتاسع عشر والعشرين والحادي والعشرين والخامس والعشرين وغيابياَ للباقين”

وكانت قد حكمت على المتهم الأول والثاني والثالث والرابع والثالث عشر والسادس عشر والسابع عشر والتاسع عشر بالسجن من مدة تتراوح من ثلاث سنوات إلى عشر سنوات بالأشغال الشاقة عن تهم حيازة مفرقعات، أسلحة نارية وبيضاء، ذخائر، والتزوير في محررات رسمية، وبراءتهم فيما عدا ذلك، وأيضاً براءة باقي المتهمين من التهم المسندة إلى كل منهم بلا مصروفات جنائية، وأمرت بمصادرة الأسلحة وإحرازها والذخائر والمحررات المزورة المضبوطة.

ومما يذكر في هذه القضية أن المتهم الثاني “صفوت عبد الغني” الذي حُكم عليه بخمس سنوات، قد حصل على الدكتوراه مع مرتبة الشرف في التعددية السياسية عام 2007م، وأشرف عليها الدكتور “يحيى الجمل” مع الدكتور “محمد سليم العوا” في حضور “أحمد زكي يماني” –وزير البترول السعودي- الذي حضر المناقشة بدعوة من “يحيى الجمل”.

كلمات الأنشودة:

غرباء ولغير الله لا نحني الجباه

غرباء وارتضيناها شعاراً في الحياة

أن تسال عنّا فإنا لا نبالي بالطغاة

نحن جند الله دوماً دربنا درب الأباة

لا نبالي بالقيود سوف نمضي للخلود

فلنجاهد ونناضل ونقاتل من جديد

غرباء هكذا الأحرار في دنيا العبيد

كم تذاكرنا زماناً يوم كنا سعداء

بكتاب الله نتلوه صباحاً ومساءً

غرباء ولغير الله لا نحني الجباه

غرباء وارتضيناها شعاراً للحياة

4351

الكاتب

دعاء عمر

أسعى لأرتقي دينياً، أخلاقياً، وفكرياً "مقدسية العقيدة، شامية الأندلس".

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.