بعد أن تعرضنا في الجزء الأول من بحثنا “الديمقراطية .. الطريق المسدود” لمفهوم الديمقراطية عند الإسلاميين “المعتدلين” وبعد أن بسطنا المعالم التي تؤكد أن الديمقراطية مناقضة صريحة لقيم الإسلام الحنيف وأحكامه وخرجنا بخلاصة أن  الإسلام يكفر بالديمقراطية ولا يمكن أن يجتمع معها أبدا.

دعونا الآن نستعرض تجارب ممارسة الديمقراطية خلال الربع قرن الأخير والتي تم رصدها في بعض البلاد الإسلامية والتي اشتركت كلها في خاتمة الفشل الذريع والمتكرر.

البداية كانت بمشاركة الإخوان المسلمين وبعض العلماء والإسلاميين في الإنتخابات والمجالس النيابية في كل من مصر وسوريا و باكستان أواخر الأربعينيات  وخلال الخمسينيات من القرن الماضي. لكنها تجارب أثبتت فشلها حينما انتهت بوأدها بالانقلابات العسكرية. ولم نعد نسمع بعدها عن تجربة ديمقراطية جديدة في بلادنا إلا بعد أن قرر الغرب أن يحاصر السلفيين الجهاديين باسم محاربة الإرهاب، وذلك بتفعيل خيار آخر، هو ما سماه بالإسلام “المعتدل” وهذا منذ أواسط الثمانينيات وخلال التسعينيات إلى يومنا هذا، وقد ظهرت هذه الاستراتيجية بوضوح في توصيات تقرير راند لعام 2005 حيث بدا التشديد على ضرورة صعود الإسلام “الوسطي أو المعتدل” إلى الحكم، خوفًا من انتشار الفكر الجهادي داخل الدول العربية والإسلامية والذي يعد خطرًا على الكيان الصهيوني وبالطبع على الوجود الأمريكي، وكان التقرير يحمل عنوان “العالم الإسلامي بعد 11 سبتمبر”.

لننظر الآن خلال هذه الحقبة إلى يومنا هذا ولنحصي التجارب العديدة التي لا تقل فشلا عن سابقاتها.

تجربة الإخوان المسلمين في مصر

انطلقت هذه التجربة منذ أواخر عهد أنور السادات أواخر السبعينيات ومطلع الثمانينيات. فعندما أتى السادات إلى الحكم بعد اغتيال عبد الناصر قرب إليه الإخوان المسلمين لأجل التصدي للشيوعية والناصرية. ذلك بهدف خلق حالة توازن مع باقي التيارات وبعد أن اطمأن الإخوان لمكر السادات، واطمأنوا لـ 8 مقاعد حصلوا عليها ضمن 52 مقعد للمعارضة  مقابل أكثر من 460 مقعدا لحزب السادات الحاكم ، فاجأهم بحملة اعتقالات كبيرة في سبتمبر 1981 اعتقل خلالها 1536 فرد من مختلف القوى المعارضة وقام بإغلاق جميع الصحف المعارضة ومصادرة أموالها.

وبعد اغتيال السادات واستلام حسني مبارك الحكم، تعلم جيدا الدرس فبدأ مشوراه  بالتشديد على كل ما هو إسلامي سواء السلفيين الجهاديين أو الإخوان،  ولكن اقتصر في حمل السلاح على الجماعات الجهادية فقط، فنجح في تحييد الإخوان وهدّأ بذلك شريحة واسعة من الشعب المصري بمباركة النظام العالمي.

وفي ظل هذا الانشغال بقمع السلفية انتهز الاخوان الفرصة بدورهم في إعادة البناء الداخلي للجماعة حيث عمدوا إلى تغيير بعضا من الفكر القطبي بحجة أنه لا يساير واقع الثمانينات، وتحولوا من مرحلة المفاصلة بين الجاهلية والإسلام التي قاد لوائها سيد قطب إلى المهادنة والتساكن مع العلمانية والديمقراطية التي قاد لواءها القادة الجدد للإخوان، ووصل بهم الحال إلى إعلان الجهاد من أجل الديمقراطية!

ولا شك أن هذا التحور الفكري والسياسي أدى إلى تغيير كبير في وجهة الجماعة وكسبوا من ورائه مقاعد برلمانية وكرسوا جهدهم ووضعوا ثقلهم في زيادة حضورهم السياسي باعتبار المشاركة السياسية السبيل الوحيد للإصلاح التدريجي، ولينتقلوا بذلك من حالة الجهاد ومواجهة الحكام الظلمة إلى الانخراط في نظام هؤلاء الحكام.

وبعد أن ازدادت قوة الإخوان داخل الشارع المصري واستشعر النظام خطر ذلك التمدد فزع لمراقبة الجماعة خشية شروعها في أي عمل سري،  وفي بداية الألفية الثانية اشتد تضييق النظام على الإخوان من خلال أذرعه الأمنية إلى جانب الأذرع الإعلامية.

ويجدر الإشارة إلى أن نشاط الإخوان في عهد مبارك لم يكن تحت اسم حزب ديني لأنه أمر محظور وفق الدستور المصري، بل فعّلوا نشاطهم من خلال التحالف مع الأحزاب العلمانية، فمرة مع حزب الوفد ومرة مع حزب العمل. وخرج فريق من شباب الإخوان فشكل حزب  “الوسط” وهو حزب غير ديني ولإثبات ذلك أدخل فيه بعض النصارى والنساء. ورغم ذلك لم يزل الإخوان يتنقلون بين البرلمان والمعتقلات إلى يومنا هذا . واستمرت سلسلة التنازلات، ولكن دون أي فائدة أو جدوى تذكر.

ولعل أبرز صورة لفشل الديمقراطية التي رفع شعارها الإخوان في مصر كانت بعد أن وصل ممثلهم محمد مرسي إلى مقاليد الحكم بانتخابات أثارت الكثير من الجدل، ورغم الفرحة العارمة للوصول إلى سدة الحكم فإن  أهداف مسلسل التنازلات الإخوانية أجهضت بمجرد إعلان الانقلاب العسكري والزجّ بالرئيس الجديد في غياهب السجن، وليرض من يرضى وليسخط من يسخط، ذلك أن هناك خطوطا حمراء لا يمكن تجاوزها في نظر الغرب ونوابه في المنطقة وأعتقد أن تجربة مثل تجربة الإخوان مع وصول مرسي لكرسي الحكم لهي بمثابة الدليل الدامغ على فشل هذه السبيل وبرهان أكيد على أنها طريق مسدود يسهل خلاله تبديد أحلام أصحابه في طرفة عين من قبل قوى الظلم والطغيان والكفر بمجرد انقلاب حكم.

تجربة الإتجاه الإسلامي في تونس

وهو الاتجاه الذي تحول إلى حزب النهضة في نفس الفترة. والذي حصد نجاحا كبيرا في مقاعد الانتخابات التمهيدية حيث فاز بأكثر من 86% في أواخر الثمانينيات . وكان جزاءه أن حل الحزب وطورد شيخه الغنوشي ودعمت أمريكا من جهتها نظام علي زين العابدين الديكتاتوري الذي أعلنها حربا ضد الإسلاميين وطاردهم حتى لجأوا إلى الهجرة للغرب. ثم شاهدنا النتائج الخيالية للانتخابات الرئاسية في 2004 والتي فاز فيها علي زين العابدين بنسبة 95,96 % لتعكس حجم “الديمقراطية” أقصد الدكتاتورية على أصولها في تونس وبمباركة غربية. واليوم نشاهد التاريخ يعيد نفسه فبعد ثورة الربيع العربي التونسي كان الجميع يتوقع قفزة قوية للإسلاميين لاسترجاع مكانتهم في تونس، لكننا رأينا نوعا آخر من الظهور، إنه ظهور للغنوشي بمقاسات أمريكية، ومبادئ معاقة إذا ما قارناها مع مبادئ القوم في بداياتهم. وهكذا تمت دمقرطة الإخوان وتحويلهم لجماعة وظيفية تماما كما تم توظيف الحكام في الأنظمة الوظيفية ثم الطامة إن تعرض حكمهم للانتقاد فهو للأسف انتقاد للحكم الإسلامي الذي هو منهم براء وهذا تحديدا ما يسعى له الغرب ـ خلق تلك القناعة في نفوس الناس أن الحكم الإسلامي فاشل فيعزفون عنه ويرضون بالأدنى!

تجربة الجبهة الإسلامية للإنقاذ

حقيقة لا أبالغ إن قلت أن تجربة الجبهة الإسلامية للإنقاذ كانت ألمع تجربة وأقواها للإسلاميين الذين ينتهجون طريق الديمقراطية في تحقيق أهدافهم بل وأقلها انحرافا أو زيغا، كان ذلك في أواخر الثمانينيات ومطلع التسعينيات. عندما أعلن الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد في سنة 1989 بعد مظاهرات الخبز الشهيرة سياسة للإصلاح كان على رأس أولوياتها إطلاق حرية الأحزاب وإلغاء سياسة الحزب الواحد .. فانتهز الإسلاميون من مختلف التيارات الفرصة وسارعوا في تشكيل الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي ضمت كامل الطيف الإسلامي تقريبا ولم تكن وحدها فقد  تجمع الإخوان المسلمون بصفة مستقلة في جماعة الإخوان و وجماعة  النهضة الإسلامية المحلية ودخلوا جميعا في منافسة مع  الحزب الحاكم الذي كانت تمثله جبهة التحرير الوطنية  القوة الرئيسية الوحيدة في البلاد إلى ذلك الوقت منذ الإستقلال في 1962 ، كانت المفاجأة كبيرة لحجم إقبال الجمهور الجزائري على جبهة الإنقاذ الإسلامية التي فازت في الإنتخابات البلدية بنسبة أكثر من 85% وبسبب تمتعها بشعبية عريضة  مكنها 3.5 مليون ناخب من أن تدخل الإنتخابات البرلمانية بقوة أواخر سنة 1990 وتكتسح الأغلبية الساحقة في الدور الأول. لقد حققت كذلك تفوقا ساحقا في الدور الثاني في مطلع 1991 ونجحت بلا منازع وبمباركات الشعب الجزائري لأن تكون مرشحة لتشكيل الحكومة الإسلامية الموعودة بشكل مستقل كما ردد ذلك مرارا زعيميها البارزين عباسي مدني وعلي بلحاج  بأن هدفها الحكم بالشريعة الإسلامية .. لكن لأن هذا الطريق مسدود، ولأن الغرب عموما وفرنسا خصوصا لن ترضى عن مثل هذا الحكم في الجزائر، هدد الرئيس الفرنسي ميتران بالتدخل العسكري إن لزم الأمر للحيلولة دون هذا النجاح الباهر للإسلاميين في وصولهم للحكم .. وقال بكل وضوح:”إذا فاز الإسلاميون في الانتخابات في الجزائر سأتدخل عسكرياً كما تدخل بوش في بنما”[1] فكانت النتيجة تدبير الانقلاب العسكري مطلع 1991 الذي سجّل نهاية الجبهة الإسلامية بطريقة بشعة جدا، وسجن زعماءها واختفى عشرات الآلاف من أنصارها بعد أن غيّبوا في المعتقلات الصحراوية ولا زالت تتردد قصص مهولة للتعذيب والترويع الذي دفع ثمنه الشعب الجزائري فقط لأنه طالب بحكم إسلامي. وهذا كان السبب الأول وراء اشتعال جذوة  الجهاد في الجزائر، وأعقبه  أعمال عنف وحرب أهلية دامية راح ضحيتها أكثر من 150 ألف شخص. وتحولت  التجربة الديمقراطية  في الجزائر إلى حالة دموية مشهودة.

فأي أمل يبقى لدعاة الديمقراطية في سلوك هذه الطريق بعد مشاهدتهم للطريقة القبيحة التي أجهضت بها جهود الجبهة الإسلامية للإنقاذ رغم حجم الدعم الشعبي الذي كانت تحظى به!

فمن يؤمن بعد هذا بإمكانية الوصول لحكم إسلامي عن طريق سلوك طريق الديمقراطية في العالم العربي والإسلامي! إنهم إن فعلوها فلن تكون إلا ديمقراطية بلا إسلاميين وتحت شروط العنت لتخرج  لنا جيلا جديدا يرضى بالكفر دينا!

تجربة الإخوان المسلمين في اليمن

ترجع هذه التجربة إلى مطلع التسعينيات وهي قصة حزب التجمع اليمني للإصلاح الذي خاض أول انتخابات قامت بعد الوحدة  سنة 1993 بعد الثورة الشعبية التي كانت تطالب بوضع كلمة ( الشريعة هي المصدر الأساسي للتشريع ) في مقدمة الدستور العلماني والقانون الوضعي للبلاد وهذه من المفارقات العجيبة. وقد شهدت شوارع اليمن خروج أكثر من مليون مسلح في تظاهرات مهيبة للاحتجاج أمام القصر الرئاسي. لكن الغريب والصادم أن قيادات الإخوان أقنعوا الناس بالعودة لبيوتهم خشية من  الفتنة.!

وكانت سياسة علي عبد الله صالح مثل سياسة السادات في بداياته، وهي  تقريب الإسلاميين من أجل كسر شوكة الاشتراكيين الشيوعيين القادمين من الجنوب مع الوحدة. فانتعش لذلك نشاط الإسلاميين، حتى أصبح حزب التجمع اليمني للإصلاح ثاني أقوى حزب  في البلاد. وشارك في حكم اليمن الموحد عبر المجلس الرئاسي بمشاركة أحد أعضائه.

لكن هذا الصعود لحزب الإصلاح، كان له تداعيات أهمها حصار الجنوبيين في البرلمان. والذين رفعوا شعار الانفصال وحظوا بدعم دول مجلس التعاون الخليجي والسعودية فكانت النتيجة الحرب التي أدت إلى سيطرة اليمن الشمالي على الجنوبي وتحديدا بفضل الدور المحوري الذي لعبه الإخوان والإسلاميون في المجهود الحربي. لكن ما أن استتب الحكم  للرئيس صالح بعد أن وضعت الحرب أوزارها عمد إلى تقليص دور الإسلاميين ليصبحوا مجرد كتلة برلمانية محدودة . وليتفاجأوا بفوز حزبه في دورة 1996 وما تلاها في 2003. وبأغلبية ساحقة تجاوزت الـ 70% وتم تقليص حجم الإصلاح كثيرا. وإثبات أن طريق الإخوان كان مسدودا في اليمن.

تجربة تركيا

انطلقت تجربة تركيا منذ مطلع الستينات مع حزب السلامة الإسلامي التركي بزعامة البرفسور نجم الدين أربكان الذي نجح في الفوز عبر الانتخابات في الوصول إلى منصب نائب رئيس الحكومة في أواخر الستينات.. ولكن كما أثبتت التجارب السابقة فإن هذا الصعود أجهض بانقلاب عسكري وأثبت فشل التجربة الديمقراطية في تركيا وعاد بالبلاد إلى حكم العسكر.

وبعد  حظر حزب السلامة غير اسمه وأعاد المحاولة من جديد تحت اسم حزب الرفاه  .. وعلى طول عقد من الجهود المضنية تمكن في النهاية من إحراز الأكثرية النسبية في انتخابات 1996 البرلمانية بنسبة 21% من مجموع الأصوات يليه أكبر الأحزاب العلمانية بأكثر من 18%. وهي النتيجة التي أثارت استياء الغرب. ورغم قيام أربكان بإنشاء وزارة ائتلافية استجاب فيها لجميع الضغوطات كان منها التوقيع على التعاون العسكري مع إسرائيل، إلا أنه لم يستمر إلا سنة واحدة .. وانتهى به الأمر بانقلاب سياسي من العلمانيين اتهم فيه أربكان وحزبه الرفاه خلالها بتهم ملفقة أدت إلى نفيه عن السلطة وحلّ حزب الرفاه ومنع رجالاته من مزاولة العمل السياسي.

لم يتعلم الإسلاميون في تركيا من هذا الدرس وأصروا على إعادة التجربة، ليظهروا من جديد باسم حزب الفضيلة والذي بقي يمثل أقلية  وانتهى به الأمر للحظر والوأد مرة ثالثة.

ثم ظهر أحد أعوان أرباكان وهو رجب طيب أردوغان  بحزب العدالة للتنمية وحمل شعار علمانية إسلامية  وتمكن من الفوز في انتخابات 2002 بأغلبية كبرى 36% من مقاعد البرلمان خولته من تشكيل حكومة تسبح بحمد العلمانية ليل نهار، وتتماشى والسياسات الأمريكية في المنطقة.

وانحصرت إنجازات التجربة التركية العلمانية “المؤسلمة”، في بعض التصريحات والمظاهر، وبعض الخدمات للمساجد ومدارس القرآن، بينما في الجهة المقابلة ظهر أصحابها وهم يحتسون الكؤوس مع قادة اليهود ويرسلون المساعدات لإطفاء حرائق إسرائيل، واشتركوا في الحرب التي يخوضها حلف النيتو ضد المسلمين بل وتسلموا زعامة النيتو في أفغانستان، وفتحوا قواعدهم العسكرية للجيوش الصليبية وقدموا الدعم المتواصل للغزو الأمريكيو أوروبي للعراق فضلا عن الدعم الاستخباراتي وتسليم المعتقلين المسلمين للسجون السرية الأمريكية، لقد قدم الأتراك الكثير من القرابين لأجل إرضاء الأمريكان ولا زالوا، وسفك بسبب دعمهم للغرب الكثير من الدماء المسلمة في العراق وسوريا وأفغانستان كلّ هذا وهم يرددون العلمانية لا تعارض الإسلام فلم يبقوا للإسلام إلا اسمه.

 

لقد فشلت تجارب الإسلاميين مع الديمقراطية ليس فقط فيما سبق بسطه من أمصار، ولكن أيضا في الأردن والكويت وفي باكستان والسودان وفي العراق وفلسطين حيث أضحت الديمقراطية في الأخيرتين مجرد مشروع تطويع الإسلام السياسي للدخول في أنفاق سلطة خدماتية ما قامت إلا عبر اتفاقيات أمنية تحفظ أمن الاحتلال.

الخلاصة

وإن تكرر فشل هذه التجارب في انتهاج سبيل الديمقراطية لإقامة الحكم الإسلامي إنما هو دليل صارخ على أن طريق الإسلاميين طريق مسدود تماما، إما بوأده بالانقلابات وقوة السلاح أو بإجهاضه بالعمد وتبديد قواه قبل أن يرى النور وإما بسلخه تماما ليخرج من دائرة الإسلام!  هذا إن قبلنا مزاعمهم في أنه أمر مقبول شرعا، فكيف إذا أضفنا لهذا الفشل حرمته شرعا ومناقضته للإسلام  جملة وتفصيلا!

ثم بقراءة عميقة في هذه التجارب الفاشلة نستخرج حقيقة مهمة جدا، ألا وهي حقيقة صحوة إسلامية حقيقية تنشدها الشعوب المضطهدة رغم جميع محاولات السلخ من الدين التي سلطتها الأنظمة الوظيفية لتغريب الناس عن دينهم، وهذا ما يفسر نتائج الانتخابات  بالأغلبية لكل ما يحمل اسم إسلامي.

كما نخرج بقاعدة أخرى مهمة جدا أيضا وهي أن التدخل الغربي وأنظمته الوظيفية أمر مسلم به ونتيجة حتمية أمام كل تجربة ديمقراطية للإسلاميين، لضمان تحجيمهم ولجم مشاركتهم إما قبيل استلامهم السلطة كما حصل في تجربة الجزائر أو بعد وصولهم لها كما حصل في تركيا ومصر أو بنسف جهود أصحابها قبل أن ترى النور كما حصل مع بقية التجارب ، ثم لن يرضوا عليهم إلا إذا انسلخوا تماما من دينهم وصاروا تبعا لهم بشكل كامل فيسقط عنهم توصيف “إسلاميين”. ويصدق فيه قول الله تعالى (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ).

وقد تكرر أمام أعيننا مسلسل التنازلات المخزي الذي قدمه الإسلاميون  لتجاوز عنت السلطة و تلاعباتها  لأجل حفظ حق ممارسة ما يمكن ممارسته من العبث الديمقراطي المهين. فأي إسلام بعدها يمثلون؟!

كما أن جميع الاسلاميين الذي قبلوا بشروط اللعب في  حقل الديمقرطية كشفوا عن استعدادهم لأن يكونوا جزءا من السلطة عبر انتمائهم لأجهزتها التشريعية وجزءا من جهاز الحكم عبر تسلمهم الوزارات بل وصل الأمر إلى الانضمام لتحالفات السلطة من أجل محاربة التيارات المعارضة والنخبة الثائرة على الحكام وأعوانهم المستعمرين في الأمة. فكانت صورة بشعة بحق بل مجرمة بحق الإسلام في سبيل الحكام الطواغيت.

هذا المسلسل في التنازل المخزي لم يقف عند هذا الحد بل أفضى إلى قبولهم الانضمام لحلف قوى النظام العالمي الجديد عن علم أو بسذاجة ليصبحوا مجرد أتباع لمتغلب كافر.

الإسلاميون المعتدلون وفق المعايير الغربية

 وإن كنت سأوظف مصطلحا معاصرا يناسب الإسلاميين الذين ينادون بالديمقراطية المفلسة كمنهج لحكم المسلمين، فإن أنسب مصطلح لهم هو  “الإسلاميون المعتدلون وفق المعايير الغربية” ذلك أنهم الأقدر على  مغازلة الغرب، والخضوع لمنظومته وقوانينه،   وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لتتبعُنَّ سَنَنَ من كان قبلكم شبراً بشبرٍ، وذراعاً بذراعٍ، حتى لو دَخلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لا تَّبعتُموهُم» قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال «فَمَنْ» ؟.

نعم لقد تتبع دعاة الديمقراطية بشعارات إسلامية خطا الغرب الكافر فوصلوا للحكم ولم يصل معهم الإسلام ذلك أنهم باعوه بثمن بخس  حين أخضعوه لرغبات البشر، ولتجاربهم الفاشلة فشلا ذريعا، وكلما قدموه هو إعادة استنساخ الأنظمة الغربية العلمانية بعباءة إسلامية، وزادوا الطين بلة والمصيبة بلاء، حين أصبح أي فشل لهم ينسب للإسلام بينما هو في الواقع فشل أسملة العلمانية أو دمقرطة الإسلام لا غير.

فلا غرابة من أن يحظى هؤلاء الإسلاميون المعتدلون وفق المعايير الغربية بتشجيع ودعم الدولة الغربية ذلك أنهم الوسيلة الأفضل لقطع الطريق أمام العاملين لوصول الإسلام النقي من كل شوائب على خطى السلف الصالح لسدة الحكم ليسوس المسلمين كما يحب الله ويرضى، فآن الأوان على أقل تقدير أن نطوي سجل التجارب الفاشلة الثقيلة هذه بمقطاعة تامة لأي مشروع ينادي بالديمقراطية الإسلامية لأنها مجرد كذب وخداع وتلاعب بالدين لا يقدم مصلحة للأمة فضلا لأصحابها ولنخرج بشكل تام من دائرة التيه والعبث التي تستنزف وقتنا وجهودنا وأرواحنا في ما لا ينفع بل يضر ولنبحث عن طريق مفتوح يشع منه نور الإسلام ونحن نعلم يقينا أن نور الله لا يهدى لعاصي.


المصادر:

[1] “الجزائر.. بلد يحكمه سفاحون”

398

الكاتب

د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفٌة بالإعلام وصناعة الوعي، صدر لي ستة كُتب حتى الآن (نجوم على الطريق، وصفحات من دفتر الالتزام، وإليكِ أنتِ، وقبس من خاطر، وأمريكا التي رأيت، وقراءات مختصرات).

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.