هل مصر فعلًا، من حقّ النصارى؟

هل مصر فعلًا، من حقّ النصارى؟!! …. والجواب: اسألوا التاريخ .. !!
هذا التاريخ الذى يشهد على المالك والمملوك .. على الظالم والمظلوم .. !!
لقد كانت مصر قبل الفتح الإسلامي؛ ولاية بيزنطية، تحت سيطرة وحكم الإمبراطور البيزنطي الوثنيّ، والذي كان مقرّه القسطنطينية.
وكان أهل مصر على طرائق عدَّة في التديّن، لكن عامّتهم كانوا على الوثنية القديمة، حتى تسلّلت الديانة النصرانية إليهم، وأخذت في الانتشار، بعد منتصف القرن الأول الميلادي، ومشارف القرن الثاني، فحتَّى النصرانية فهي دخيلة على أهل مصر !!
لقد كان قبط مصر قبل الفتح الإسلامي .. يعيشون معيشةً سوداء .. وضلالة عمياء !!
تسلّط عليهم هؤلاء الرومان، الذين ظلّت مصر تحت ولايتهم، قرابة سبعة قرون .. فساموهم سوء العذاب، واستعبدوهم واسترقُّوهم، وسلبوهم أموالهم وديارهم، ولم يسمحوا لهم حتى بإقامة شعائر دينهم .. !!
لقد كان الرومان أحقد مايكون على أقباط مصر، وكانوا يستعذبون نواح الثكالى، وبكاء الصغار، وصيحات الأرامل .. !!
سفكوا دماءهم .. هدّموا بيوتهم .. جرّدوهم من كل خير وفضيلة .. وتفننوا في تعذيبهم، وكبتهم وتحزينهم، وإزهاق أرواحهم !!
واسألوا التاريخ !!  حتى جاء مصرَ وأقباطَها؛ الفتحُ الإسلامي .. !!

الفتح الإسلامي:

حرر المسلمون أقباط مصر وأرضها، من الرومان الغاصبين .. وفتحوها فتحا عظيمًا مُؤزَّرًا !! .
فما كان من المسلمين بعد فتح مصر؛ إلا أن رأفوا بأهلها، وأكرموهم وأعزّوهم، وأعادوهم إلى الكرامة والسعادة البشريّة !!
فأقطعوهم الديار والأرض والعقار، وملّكوهم الأملاك، وشيّدوا لهم الدور والمساكن، وأطلقوا لهم حرية ما يعبدون .. !!
وجعلوا لهم من الحقوق الدنيوية والحياتية؛ ما للمسلمين؛ من حماية وصيانة، وحفظ الحُرمات، والمشاركة المجتمعية فى البيع والشراء، والتربّح والتكسّب، وتملك الأملاك، وعاد أقباط مصر أسيادًا، بعد أن كانوا عبيدًا .. وأعزةً بعد أن كانوا أذلّة .. ومالكين بعد أن كانوا مملوكين .. !! حتى دخل جُلّهم في دين الله أفواجًا.
ناهيك عن كون مصر بعد الفتح؛ اتّسعَت أرجاؤها، وترَامت أطرافُها، أضعافًا مضاعفة، عما كانت عليه قبلُ !!
فلولا الله ثم المسلمون وفتحهم مصر؛ما كانت مصر .. وما كان أقباطها .. واسألوا التاريخ !!
إن الاضمحلال البطيء لأقباط مصر ليس في الواقع نتيجة لأية مؤامرة إحصائية، إنه النتيجة الديموغرافية لأشكال التقدم الاجتماعي التي حققتها طائفتهم[1].
ويضيف فيليب فارج[2] ردًّا على الاتهام المتكرر بإخفاء الهوية القبطية من خلال عمليات الإحصاء (التعداد السكاني) متسائلًا: (كيف يمكن لهذا الإخفاء أن يؤثر بتواترٍ واحد وعلى الأجل الطويل على عمليتين مستقلتين هما عملية التعداد الدوري للسكان وعملية تسجيل المواليد؟).
تلك الحقيقة التي يأبى المسيحيون قبولها، بل يقوم فريق منهم في داخل مصر وخارجها بإثارة اللغط والاحتجاج حول حقيقة أعدادهم، متهمين السلطات بتعمد المغالطة والتقليل من أعدادهم الحقيقية.
ولما كانت الجهات المسئولة لا تملك شجاعة إعلان الحقيقة في هذا الموضوع؛‏‏ نظرًا لحجم الضغوط التي تتعرض لها من قِبل أولئك المتطرفين، وتحسبًا لردود الأفعال في الداخل والخارج،‏‏ وهو الأمر الذي شجعهم للضغط عليها ومحاولة ابتزازها‏، وفتح الباب لمزايدات مضحكة، مثل ما يدعيه بعضهم من أنهم يقتربون من عشرين مليونًا. ومن ثم وجب علينا مناقشة الأمر؛ فعرض الحقائق ليس بحال طعنًا، أو إساءةً لأحد.
وعلى كل  حال فحقيقة كونهم عشرين مليونًا أو عشرين فردًا غير مؤثر من جهة الحقوق والواجبات الملزمة للمواطنين في بناء الدولة الإسلامية، فليست الكثرة هي التي تؤسس الحقوق ولا القلة هي التي تهدرها، ولكن في ظل غياب الشريعة أطلت الطائفية برأسها، وأصبح تعظيم الكم مدعاة للمطالبة بأوضاع طائفية خاصة؛ وإلا فالتمرد والخروج .

ولنبدأ من حيث أشار فليب فارج:

فماذا تقول الإحصاءات الرسمية عبر أكثر من مائة عام، والتي أشرف عليها أناس لا يمكن أن يتهموا بمحاباة المسلمين واضطهاد الأقباط؟
1- إحصاء عام 1897م: والذي جرى بمعرفة وإشراف الاحتلال البريطاني ليتعرف على التركيبة الحقيقية للمجتمع المصري، وأشرف على عملية الإحصاء المستشار المالي البريطاني مستر ألبرت بوانه، وساعد في متابعة العملية مفتشو وزارتي المالية والداخلية، وكانوا من الإنجليز أيضًا، وكانت نتائجه كالتالي:
بلغ مجموع سكان مصر (9.734.405) نسمة، وبلغ عدد المسلمين (8.977.702) أي بنسبة 92.22 % والباقي من المسيحيين واليهود.
وبلغ عدد المسيحيين الأرثوذكس (592.347) بنسبة 6.08%، والبروتستانت (12.507) بنسبة 0.12%، والكاثوليك (4.620) بنسبة 0.047% أي أن نسبة المسيحيين جميعًا بلغت 6.26%.
2- إحصاء عام 1907م: بلغ مجموع السكان 11.189.978، وارتفع عدد المسيحيين من جميع المذاهب بما فيهم الأقباط الأرثوذكس إلى 888.692 أي بنسبة 7.94 %، ومدير الإحصاء في ذلك العام‏‏ كان فرنسيًّا.
3- إحصاء عام 1917م: أجرى التعداد الثالث تحت إشراف مستر كريج وهو إنجليزي، والدكتور ليفي وهو إنجليزي يهودي، وبلغت جملة السكان 12.718.255، منهم 1.026.115 من غير المسلمين أي بنسبة 8.06 %.
4- إحصاء عام 1927م: التعداد الرابع أشرف عليه مستر كريج أيضًا، ورئيس مصلحة الإحصاء آنذاك حنين بك حنين، وهو مسيحي أرثوذكسي، وبلغت جملة السكان 14.177.864 منهم 1.181.910 من غير المسلمين، أي أن نسبة جميع الطوائف المسيحية واليهود بلغت 8.33 %.

ويلاحظ الآتي:

  • الارتفاع الطفيف في نسبة غير المسلمين لم يكن سببه ارتفاعًا مفاجئًا في أعداد الأقباط المصريين، وإنما كانت نتيجة لإدخال أفراد جيش الاحتلال البريطاني وعائلاتهم في التعداد، إلى جانب آخرين من الأجانب الأرمن واليونانيين الذين تمصروا بعد إلغاء الحماية علي مصر، وفضلًا عن هؤلاء وهؤلاء فإن ظروف الحرب العالمية الأولى ‏(1914‏ ـ‏1919)‏ دفعت أعدادًا من الأجانب إلى الهجرة إلى مصر؛ الأمر الذي كان له دوره في زيادة نسبة المسيحيين.
  • ملاحظة ارتفاع عدد الكاثوليك من 4.620 في التعداد الأول إلى 24.015 لترتفع نسبتهم إلى 0.17%، والبروتستانت من 12.507 إلى 61.080 نسمة لترتفع نسبتهم إلى 0.43%، أي أن نسبة البروتستانت زادت ثلاث مرات ونصف تقريبًا.

5- إحصاء عام 1937م: جرى تحت إشراف نفس الفريق السابق، وجاءت نتائجه كتالي:
بلغ إجمالي السكان 15.920694، وبلغ إجمالي عدد المسيحيين 1.303970 بنسبة بلغت 8.1%.
والملاحظ فيه أيضًا استمرار ارتفاع نسبة كل من الكاثوليك لتصل إلى 0.45%، والبروتستانت لتصل إلى 0.54%.
6- إحصاء عام 1947م: ‏جرى تحت إشراف مستر كريج أيضًا، وبلغ إجمالي عدد السكان 18.966767، وإجمالي عدد المسيحيين 1.501635 بنسبة بلغت 7.9%[3].
وأهمية هذا الاستعراض يكمن في أنه يستبعد تمامًا شبهة التلاعب في النتائج التي حددت نسب المسلمين والمسيحيين في مصر‏، إذ أن المشرفين جميعًا على تلك التعدادات لم يكن من بينهم مسلم، أو حتى من يمكن أن يتهم بمحاباة المسلمين.‏
ولما كانت هذه النسب ظلت مستقرة وشبه ثابتة طوال الأعوام الستين السابقة، فإذا استبعدنا الأجانب من الذين لم يدخلوا في الإحصاء الأول، والذين نزحوا من مصر تباعًا بعد ثورة 1952م والعدوان الثلاثي عام 1956؛ نجد أن نسبة جميع المسحيين لا تزيد في أحسن الأحوال على 6.3%، والتي يمكن لها أن تهبط للأدنى، للأسباب التالية: 
1- تفوق معدلات مواليد المسلمين.
2- التحولات الدينية إلى الإسلام، فتذكر بعض المصادر الغربية أن أكثرية معتنقي الإسلام من بين المسيحيين في مصر هم من الأقباط الأرثوذكس، وذلك بمعدل سنوي بلغ سبعة آلاف شخص
3- هجرة الأقباط.
تلك الأسباب ذكرها مركز ابن خلدون في تقريره السنوي عام 1993م، وبالطبع مركز ابن خلدون هذا لن يجامل المسلمين، وعمومًا فإن ما ذكره المركز في هذا الخصوص لا يستطيع أن يجادل فيه أحد، فتشريعات الإسلام في أبواب الزواج تكفل لأتباعه نسبة خصوبة أعلى، على العكس من تشريع المسيحية، وأما التحولات للإسلام فقد أقر بها الكثير من المعتبرين لديهم.

والسؤال الآن:

هل يبقى بعد ذلك مجال لاتهام إحصاءات أعوام 1976 التي بلغت نسبتهم فيها 6.24% ، وتعداد 1986 والذي كانت النسبة فيه 5.87%؟!
إن مقارنة لعدد المواليد والوفيات خلال عام 74 وهي بيانات مثبتة في شهادات الميلاد والوفيات، وتخطر بها أولًا بأول منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأغذية والزراعة التابعتين لهيئة الأمم المتحدة ـ تخبرنا أن جملة المواليد في مصر بلغت 1.287.614، منهم 1.223.300 من المسلمين و64.364 من غيرهم (طوائف مسيحية ويهود) بنسبة 4.99%.
وقد بلغت جملة الوفيات في نفس العام 457.620، منهم 430.122 من المسلمين و27.498 من غيرهم بنسبة 6%، وبعملية حسابية نجد أن مجموع الزيادة العددية للسكان في هذا العام بلغت 829.994، منها 793.178 من المسلمين و36.816 من غيرهم بنسبة 4.43%.
ومن هذا يتضح أن النسبة المئوية على أساس المواليد والوفيات لغير المسلمين تدور في جميع الحالات حول 6 % أو أقل، وهو ما يؤكد صحة التعدادات المباشرة، وبخاصة تعداد 1976، والذي بدأت معه نغمة الاتهام بالتزوير.
وبذلك تتضح لنا الصورة النهائية والحجم الطبيعي لأقباط مصر داخل المجتمع المصري، فمن يجادل بعد هذا ويصر على اتهام السلطة بالتزوير في هذا الشأن لا يحتاج إلى الحجة؛ وإنما يحتاج إلى التأديب والزجر، فأمثال هؤلاء من دعاة الفتنة لو أتيتهم بكل حجة، وكلمهم الموتى؛ لظلوا في غيهم يعمهون.
بل إن كان يحق لأحد أن يشتكي في ذلك الأمر؛ فإن المسلمين هم أحق الناس بالشكوى من جراء إخفاء نسبتهم في تعدادي 1996، 2006.

المصادر:

[1] المسيحيون واليهود في التاريخ الإسلامي العربي والتركي، فيليب فارج ويوسف كرباج، ص(267)

[2] فيليب فارج باحث فرنسي مسيحي، يعمل مديرًا للبحوث في المعهد الوطني للدراسات الديمقراطية في باريس، وهو محاضر في معهد باريس للعلوم السياسية، وفي كلية الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية، ألف خمسة كتب وأكثر من خمسين بحثًا حول موضوع “قطاعات السكان العربية”، وهو مستشار للأمم المتحدة ولوزارة الخارجية الفرنسية، ذهب في بعثات عدة للبلدان العربية، وعاش في بيروت لمدة خمس سنوات، ويوسف كرباج محلل ديموغرافي بارز .

[3] تلك الإحصاءات وردت في مذكرة اللواء جمال عسكر رئيس الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، والتي أرسلها إلى لجنة تقصي الحقائق التي شكلها مجلس الشعب عام 1980م؛ لبحث احتجاج المسيحيين على نسبتهم الواردة في إحصاء 1976م، وقد استعرض مضمونتلك المذكرة المستشار طارق البشري في كتابه الصادر عن دار الهلال سنة ‏2005‏بعنوان “الجماعة الوطنية ‏- ‏العزلة والاندماج”، وانظر كذلك كتاب مشاكل الأقباط في مصر وحلولها – د.نبيل لوقا بباوى.
[4] هل مصر فعلا من حق النصارى ؟ موقع طريق الإسلام

هريرة

-{‘قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّه’}- إِنِي عَزَمْتُ بِأَنْ أَعِيْشُ كَمَا أَنَا .. لِلْهِ مَحْيَايَ… More »

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى