من بين الإخفاقات الخطيرة التي طفحت بشكل واضح على السطح إبَّان «الربيع العربي» هو غياب شبه تام لأي مشروع سياسي كامل لدى الحركات والفصائل الإسلامية التي تصدرت وتتصدر المشهد على الساحة، ومنها الساحة الشامية.

فليس لديهم هدف واضح ثابت لما يريدون تحقيقه، ولا السبل التي يحققون بها الهدف. وليس لديهم منهج واضح ثابت لمعرفة وتحديد العدو من الصديق. وليس لديهم جدول أزمات يشتمل على مختلف السيناريوهات والطوارئ التي يمكن أن تعترضهم وكيف يمكن مواجهتها. وليس لديهم برنامج مفصل لدستور دولة المستقبل التي يسعون لإقامتها، ولا برنامج إداري لكيفية إدارة الدولة حسب قوانين الدستور المتبنى، ولا برنامج لكيفية إدارة اقتصاد البلد… الخ.

إقامة دستور إسلامي ضرورة لا بد منها

فكما أن الصراع والانتصار العسكري يتحقق بتصدي فوج مسلح من الثوار لأي فوج مسلح من الأعداء لصد عدوانه وطرده من الأرض، فكذلك الانتصار السياسي يتحقق بتصدي أفواج وفِرَقِ عَمَلٍ من الثوار المسلمين، مختصين في السياسة الشرعية، لمخططات وسياسات الأعداء، فلا يُترك أي مجال سياسي في الساحة فارغا ليملأه العملاء بمشاريع الغرب. فقبل أن يُقَدّم الغرب مشروع دستور لدولة سوريا المستقبل، على الثوار (لا أتكلم عن مرتزقة الآستانة وجنيف) أن يتبنوا دستورا إسلاميا ويعلنوا ذلك، ويقومون بدعاية كبيرة له ويعرضونه في أوساط الشعب المسلم في الشام، بنقاشه في المساجد وتوزيع نسخ منه على عامة الناس وعلى أئمة ومشايخ المساجد وعلى رؤساء البلديات وعلى أساتذة وطلاب المدارس والجامعات… الخ

لكن للأسف تجد الحركات والفصائل الإسلامية المنخرطة في ثورة الشام يتفرجون كيف ينسج الغرب خيوطه بكل أريحية لفرض مشاريعه السياسية التي تهدف لاستئصال أصحاب أي مشروع إسلامي في الشام، وتضمن إبقاء هيمنة الغرب على بلاد المسلمين ومنعهم تحكيم شرع الله، ولا تقوم الحركات والفصائل الإسلامية بأي أعمال سياسية ولا بدعاية إعلامية ولا تتخذ قرارات سياسية وإدارية لإحباط مخططات الغرب السياسية:

Embed from Getty Images

  • ينشئ الغرب “حكومة مؤقتة” للثورة السورية، و”الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية”، و”الهيئة العليا للمفاوضات”، ولم نرى لفصائل الثورة الخارجين عن طوع النظام الدولي أي مواقف واضحة صريحة تجاه هذه الائتلافات، ولا قيامها بأعمال سياسية مضادة بإنشاء هيئة سياسية تمثل الثورة الإسلامية وترفع الشرعية عن ائتلافات الخونة وتقطع الطريق عنهم.
  • تكتب روسيا دستورًا لسوريا المستقبل وتطرحه للثوار، ولم نرى لفصائل الثورة الخارجين عن طوع النظام الدولي أي رد سياسي قوي والذي يتمثل بعرض دستور إسلامي. كيف بالحركات والفصائل الإسلامية ومعها آلاف “المشايخ” و”العلماء” المسلمين، والشام بلدهم والشأن شأنهم، لم يضعوا ويتبنوا أي دستور إسلامي؟ مَنِ الأولى بتبني دستور لدولة المستقبل في الشام، الروس أم المسلمون؟

محافل النظام الدولي معول هدمٍ لقضايا المسلمين

ونظرًا لفقدان الفصائل الثورية لبرنامج سياسي، انتشر مفهوم باطل ضال مُضل والذي يظن أن السياسة تكمن في ارتداء قميص مكوي وربطة على العنق والذهاب لمحافل النظام الدولي والى مؤتمرات ومفاوضات ينظمها الغرب ويدعوا إليها، والحقيقة أن هذه سياسة الغرب وليست سياسة المسلمين، وهذه سياسة تخدم الغرب وليس الإسلام والمسلمين، وهذه سياسة تَغَلُّب الغرب واستسلام المسلمين. فلم يحبط محاولات تحرر المسلمين إلا جَرّ قضاياهم لمحافل النظام الدولي ومنح الأمم المتحدة حق رعايتها! فكل من يَجُرُّ قضايا داخلية خاص بالمسلمين وبلادهم إلى محافل النظام الدولي، خائن وعميل!

السياسة الشرعية وثورة الشام

فالسياسة الشرعية هي التي تقطع كل الطرق والسبل أمام الغرب للهيمنة على بلاد المسلمين وتحُول بين الغرب وفرض حلوله السياسة، وليست مساندة الغرب في تنفيذ مخططاته!

والسياسة الشرعية هي الأعمال والبرامج السياسية التي تعمل على توحيد المسلمين والفصائل على مشروع سياسي شرعي واحد واضح وتحت قيادة واحدة، وتضع الحلول بعيدا عن الاستعانة بالغرب والركون إليه.

والسياسة الشرعية هي تفعيل الأحكام الشرعية على أرض الواقع، بتدبير شؤون الناس حسبها والقضاء بينهم وتسيير شؤونهم العامة بالشرع، وإخضاع كل التعاملات مع الدول لما يمليه الشرع وليس المصلحة الكاذبة الزائفة.

والسياسة الشرعية هي وضع دستور بنوده تُستنبط حسب ما تمليه وحدها الأدلة من القرآن والسنة، وليس مراعاةً لما يرضي الغرب أو يغضبه، أو حسبما يرضي أهل الذمة من النصارى أو غيرهم!

Embed from Getty Images

مَن المَعْنيّ بوضع الدستور؟

ومن الجهل بالسياسة والسياسة الشرعية على الخصوص، القول بأن الدستور يضعه الشعب أو بانتخاب الشعب للجنة تضع الدستور، فالدستور هو مجموعة أحكام شرعية تنظم سياسة الدولة في الحكم والاقتصاد والحرب، وكيفية رعايتها لشؤون الناس. ولِذَلِك فالدستور ليس محل تصويت واختيار، لأن الأمر متعلق بشرع الله يُأخذ بقوة الدليل الشرعي وليس بحكم ورغبة الغالبية!

ولا يجوز أن يَضَعَ الدستور كل من هب ودب، وليس الشعب، الذي غالبيتهم جاهلين بأحكام الإسلام وبرجال العلم والتقوى، من يختار مَنْ يَضَعَ الدستور، بل دستور دولة الإسلام يضعه المسلمون المخلصون من أهل العلم بشرع الله، الذين لا يركنون للغرب ولا يُحَكِّمُون الهوى، ويعتبرون الدليل الشرعي فقط وليس ردات فعل الغرب ورضاه أو سخطه. ثم يُعرض الدستور على المخلصين من أهل العلم الشرعي في كل العالم الإسلامي وعلى عامة الناس لينظروا إذا كانت بعض مواده تخالف الشرع، أو إذا كان الأولى تبني رأي في مسألة أولى من رأي آخر لقوة دليله الشرعي!

Embed from Getty Images

فندائي للفصائل المقاتلة في ثورة الشام، كما اتحدوا مؤخرا في فصيل قتالي، أن يوسعوا اندماجهم ليشمل جماعات وفصائل دعوية، حتى يتحقق توحد أوسع للمسلمين فتُقوَّى شوكتهم وتتحصن جبهتم وتجتمع كلمة المسلمين وتتألف قلوبهم، وحتى يستفيدوا من خبرات وجهود وأعمال الجماعات الدعوية، فالجماعات المسلحة تَخَصصها القتال، وكل مواردها البشرية يستحوذ العمل القتالي على وقتها وجهدها وفكرها، فمن الحكمة ضم فصائل وجماعات دعوية لها تجربة في السياسة الشرعية للاستفادة منها في مجال السياسة والاستفادة من اجتهاداتها في السياسة الشرعية المتعلقة ببناء الدولة وإدارتها. بمثل هذه الخطوة يُسد النقص وتُغلق الثغرات الخطيرة التي تُضعف ثورة الشام سياسيا ويدخل من طريقها النظام الدولي بمشاريعه السياسة.

عقلية الاحتقار المتبادل بين المسلمين

للأسف تطغى عقلية الاحتقار المتبادل بين المسلمين، قلما تجد فئة مخلصة تُثمِّن جهود فئة مخلصة أخرى وتعترف بتفوق قدراتها في مجالات ولو اختلفت معها في مجالات أخرى، وتتعاون معها وتترك لها تَصَدُّر المجال التي تحسنه. والغريب في الأمر أن تجد المسلمين يتلقفون بشغف كل مشاريع واقتراحات الغرب ويحملونها على محمل الجد ويدرسوها، ويقبلون الجلوس مع الكفار للتباحث معهم في قضايا تخص المسلمين ولا يجدون غضاضة بقبول أطروحات الكفار، لكن يحتقرون أطروحات سياسية يعرضها مسلمون ويسخرون منها إذا لم يكن أصحابها من جماعتهم ولا يوافقونهم مائة بالمائة في كل أفكارهم ومواقفهم، ولا يُعَنُّون أنفسهم حتى للاطلاع عليها ودراستها ونقاشها، ناهيك عن تبنيها، وهذا حتى لو كانت الأطروحات تغطي نقصا وتسد ثغرا في ثورة المسلمين الإسلامية!

الشام محافل النظام الدولي معول هدمٍ لثورة الشام 3

كيف يكون هذا حال المسلمين والرسول نهى أن يحقر مسلم أخا مسلماً وأن يستصغر عمله مهما صغر شأنه ما دام عمل حلال، فما بالك بعمل واجب وفرض قَصَّر غيرهم في القيام به، قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا! الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ”(صحيح مسلم). وقال عليه الصلاة والسلام: “لَا تَحْقِرَنَّ مِنْ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ”(صحيح مسلم)، فإذا عظَّمَ الرسول من شأن ابتسامة مسلم في وجه أخيه المسلم، فما بالنا نحقر أعمالا واجتهادات جبارة لمسلمين فقط لأننا نختلف معهم في بعض المسائل (ضمن إطار الإسلام) أو لأننا لسنا من جماعاتهم!؟

أصحاب التخصص هم من يجب أن تُسنَد إليهم الأمور

فمن الإيمان ومن سنة الرسول أن يحشد المسلمون كل الجهود ويستغلوا كل الطاقات، فكل مسلم أو جماعة لهم أعمال وقدرات يحتاجها المسلمون، يصبح من الواجب والحكمة دعوتهم لركوب سفينة ثورة الشام الإسلامية وتوليتهم المهمة التي يتقنوها، فالرسول حفز خالد بن الوليد، العبقرية العسكرية، للدخول في الإسلام والالتحاق به، حيث قال صلى الله عليه وسلم: “مَا مِثْلُهُ جَهِلَ الْإِسْلَامَ، وَلَوْ كَانَ جَعَلَ نِكَايَتَهُ وَحَدَّهُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَقَدَّمْنَاهُ عَلَى غَيْرِهِ”(البداية والنهاية). فرغم حداثة عهده بالإسلام قدَّمه الرسول على غيره من الصحابة في قيادة الجيوش لما عرف عنه من حنكة عسكرية.

والرسول استفاد من خبرة سلمان الفارسي، وأخذ باقتراحه في حفر الخندق حول المدينة!

والرسول لما أحس بجفاء الصحابة وحزنهم بسبب عدم قدرتهم أداء العمرة إبَّان صلح الحديبية، استمع لرأي أم المؤمنين، أم سلمة، تحكي الرواية أنه [لَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ: “قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا”، فَوَاللَّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَالَ الرسول ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنْ النَّاسِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَتُحِبُّ ذَلِكَ، اخْرُجْ ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ. فَخَرَجَ الرسول فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ، نَحَرَ بُدْنَهُ وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا (الصحابة) ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا] (صحيح البخاري).

سيف الدين قطز وتقريب العلماء وأصحاب الخبرات

وسيف الدين قطز لم يستطع الانتصار على المغول وطردهم من الشام إلا بتوحيد المسلمين على هدف إسلامي واضح: “طرد المغول والصليبيين من بلاد المسلمين”، وبحشد كل طاقات المسلمين في كل المجالات. فقدَّم قطز كل ذي قدرة في المجال الذي يتفوق فيه، حتى لو لم يكن من طائفة المماليك التي ينتمي إليها قطز، فقرَّب مثلا سلطان العلماء، العز بن عبد السلام الدمشقي، ولم يقضي في أمر شرعي إلا بمشورته، وكان الأمير قطز أول من خضع لفتوى سلطان العلماء ببيع الأمراء والوزراء لكل ما يملكون من عبيد وقصور ويضعوا الأموال في بيت مال المسلمين لتجهز به الجيوش لقتال المغول!

الشام محافل النظام الدولي معول هدمٍ لثورة الشام 5

فهل من قطزٍ للشام اليوم، يهتدي بهدي الرسول، ويجلب إلى مجلس القرار والشورى في ثورة الشام كل مسلم وكل جماعة أو فصيل، سواء كانوا منخرطين في العمل القتالي أو الدعوي أو الخيري، للاستفادة من قدرات الكل ولسد كل الفراغ والثغرات التي تعاني منها ثورة الشام ليتحقق بإذن الله نصر عظيم يغير خريطة الشام كما أحدث انتصار المسلمين بقيادة قطز في عين جَالُوت تغييرا جذريا أعاد العزة والسلطان للمسلمين!؟

106

الكاتب

فاروق الدويس

مسلم مُتابع للأحداث في البلدان الإسلامية خاصة، يحاول المساهمة في معركة الأمة المصيرية بأبحاث ومقالات سياسية فقهية تحليلية،معركة لا يمكن للأمة الانتصار فيها بدون اكتساب وَعْي وفَهْمٍ، بدون كسبها يبقى المسلمون وقُودًا وحُطامًا وغثاءً يستعملهم النظام الدولي لتثبيت هيمنته على بلدانهم وفرض عقيدته على شعوبهم!

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.