Want create site? Find Free WordPress Themes and plugins.

على مدى خمس سنوات من القتال المتواصل صمدت خلالها حلب… قاومت الحرب بطريقتها الخاصة، بأسلوبها القديم الحديث، فلم تخضع لغارات الغازات السامة الروسية، ولم تستسلم لعمليات التطهير العرقي الشيعية التي طالت بعض أحيائها مع بداية المواجهات المسلحة في المدينة حينذاك. قاومت كافة المتغيرات، الليل والنهار، الصيف والشتاء، الخيانة والخذلان، العويل والاستنكار، حتى دعوات الإنقاذ المفروغة من الإنسانية واجهتها حلب بجسارتها المعهودة وبأنفتها التي لا تقبل الضيم ولا تستكين للاستبداد.

عاملا الأرض والتاريخ لعبا دوراً هاماً في صمود الحلبيين، ببيارق الإباء النادرة المستمدَّة من طبيعة البلدة الرافضة لزيغ الذات الشريرة، ونزوات الفساد، فكانت حلب الثقافة والحضارة والصمود.

لا ينكر التاريخ لحلب ما قامت به على مدى المراحل الطوال منه، دفاعاً وذوداً عن المنطقة العربية والحمى الإسلامية، وهو ما أعطاها حظوتها في مسارات الخارطة السياسية للمنطقة، إذ لا يمكنك تحقيق أي انتصار دون إخضاع حلب، وهذا ما حدث مع كل تدخل عدواني تجاه الوطن العربي بمحوريه الأساسيين بلاد الشام ومصر، ودول الخليج واليمن.

على ذلك النحو، لا زالت نواميس الكون تتعامل مع حلب، كمدينة مفصلية، قدرها أن تواجه حتى تنال مرامها بشرف أو تنتهي دون جنوح لبر الهوان. ذلك ما أكدته الثورة السورية مع إطلالتها الشبابية الأولى في منتصف مارس عام 2011م، مزيد من الحقوق، وجملة من الإصلاحات الضرورية لتقويم مسار البلاد الآيلة للسقوط في حضن الشخص الأوحد والطائفة المقدّسة، هذا ما نادى به الحلبيون عندما اصطفوا مع مدن أخرى انتفضت يومها كدرعا وحماة وإدلب وحمص.

Embed from Getty Images

كما فعل سابقوه في تونس ومصر واليمن وليبيا فعل الأسد بشعبه وزيادة، أطلق العنان لآلة الموت منذ اللحظة الأولى، فارتكب المجازر تلو المجازر بحق الأبرياء والعُزّل، ولكن دون جدوى. استمرت الثورة في سُبلها بأصوات متعالية، وبجموع مؤيدة متزايدة حتى انفرط العقد وخرجت سوريا إلا القليل من قبضة الأسد واستأسد الشعب السوري مدنساً حرمة الوقوف في وجه الطائفة المُنزّهة، وفي كل مرةٍ كانت حلب هي الوجهة الأبرز ذات الكلمة الأصدح والأندى، والحشود الأكبر والأعتى؛ ملهمة ومحرضة.

لكن آلة الموت ظهرت بأوجه أخرى، فدخلت الأسلحة الثقيلة حيّز المواجهات مع الأصوات البشرية، بغية تكميم الأفواه إلى الأبد، فانهار جدار الصمت أمام المئات ممن ارتقوا إلى السماء في محافظات سوريا المنتفضة، وكالعادة كان لحلب قصب السبق في كل مأثرة تُعبّد الطريق إلى الحرية المأمولة. وكما جرت العادة العربية بل في كل نظام استبدادي لا يعرف سوى منطق الفرعنة والهتلرة، أظهر الأسد استبسالاً منقطع النظير في الذود عن حمى كرسيه الملطخ بدماء الشرفاء والأبرياء.

ولمّا لم يستطع الاستمرار وحيداً بعد أن فقد ثلثي مساحة البلاد، استنجد بالإيرانيين وأعوانهم في المنطقة، لكنهم الآخرون تلقَّوا الهزائم تباعاً، فانكسروا في بلدات عدة، خاصة تلك المتاخمة لدمشق في محافظة الريف، وأخرى مقاربة للحدود مع لبنان، بالرغم من كمية الأسلحة المسكوبة على الأحياء المكتظة بالسكان من براميل متفجرة وغازات سامة ومواد كيماوية متفجرة إلا أن العجز لا يزال حليفاً للأسد ومن استنجد بهم.

دخلت القضية السورية في أتون مرحلة أخرى عنوانها التدويل، فلم تزد عن سابقاتها إلا باستجلاب التدخل الروسي، الذي ارتكب أشنع المجازر بحق السوريين التواقين لمستقبل لا إقصاء فيه، مستخدماً العديد من الأسلحة المحرمة دولياً ومحولاً مناطق الثورة السورية إلى مساحات سوداء لتجربة أسلحته الجديدة، وهو ما حدث فعلاً، وما أبرزته الصور القادمة من هناك وخاصة تلك التي أبرزت حقيقة ما جرى في حلب، حيث أظهرت أحياء المدينة وقد تحولت إلى أكوام من دمار لا أطلال لها.

Embed from Getty Images

أمام أنظار العالم حدث ذلك، والذي وقف موقف المتفرج، مستكفياً ببيانات الإدانة والاستنكار حيناً ومُبدياً قلقه وتخوفه مما يجري حيناً آخر، وما بين تلك البيانات ذهب الحق السوري أدراج الرياح، وظلت القوة عنواناً أبرز للمجريات على الأرض، فأيهم يسبق أولاً؟

لم يؤمّل الثوار السوريون في العالم المتخاذل شيئاً، فاستمروا بما يملكونه من عتاد، مُقارعين عتاد الدب الروسي، وكتائب الحرس الثوري الإيراني وميليشيا حزب الله اللبناني وكل هذه القوة لا وجهة لها غير إعلاء النزعة الطائفية وإبقاء الأسد على كرسيه مهما كان الثمن، وحدث ما حدث على مرأى ومسمع من جلسات مجلس الأمن المفروغ منها، وصراخ مجلس حقوق الإنسان التابع لمنظمة الأمم المتحدة الراعية الحقيقية لنكبات المنطقة العربية وفوازع الشرق الأوسط.

منذ أيام تلاشت حلب حتى النهاية أمام الحشود المحشودة من العراق ولبنان وإيران ودول أخرى تندب حظها للثأر من قاتل الحسين كما تدعي، وتمهد الطريق لوصول ولاية الفقيه إلى حيث نظّر لها المهدي المنتظر، وكذا بأسلحة الدمار الروسية التي أحرقت الأخضر واليابس للحصول على مصالح أفقية لم تتضح بواطنها إلى اليوم. بهذه الطريقة الأليمة أَفَلَت حلب أمام أنظار العالمين، استنجدت وصرخت ولم يجبها أحد، حتى وقعت في براثن السلالية والطائفية والتطهير على أساس عرقي.

خرجت حلب برمتها منتفضة في وجه سوريا الأسد، مقدمة الغالي والنفيس، فجُيّش لها على مدى سنوات ومُد لهم المدد، لكنها قارعتهم حتى أضنتهم دون دعم من أحد، واستبسلت حتى لاقت مصيراً مشرفاً لا يليق بمدينة إلا حلب.

وستبقى الشهباء ببياض حجارتها شاهدة على ملاحم الانتصار على مدى تاريخنا الإسلامي المثقل بالمعارك المفصلية، كما عودتنا ما بين كَرَّة وكَرَّة، وفي كل مرة تحمل على عاتقها عودة حميدة كمفتاح لعودة الأمة الكبرى وهو المنتظر.

128

Did you find apk for android? You can find new Free Android Games and apps.
الكاتب

محمد علي محروس

صحفي وكاتب في الشؤون اليمنية والعربية

اترك تعليقًا

*
*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.