في بلدنا مستبد عادل!

أزعم أن بلاد الإسلام قاطبة في الوقت الراهن من يقومون على أمرها هم مستبدون عادلون. فهل يُعقل هذا؟! ومن تقصد بالمستبد العادل؟! وهل يوجد مستبد وعادل فى الوقت نفسه؟! ، فإليك التوضيح أيها القارئ الكريم لكن في البداية لا بد من هذه المقدمات الهامة :
ينظر الغرب إلى نفسه كأنه معقل الحرية و الليبرالية والفكر والحضارة التى تملأ جنباته، وينظر إلى غيره من المجتمعات بنظرة المتعالي عليها المحتقر لها والمُستحل لثرواتها وأراضيها –فهى حلاله إن تطلبت المصلحة ذلك – وذلك فى سبيل مصالحه الذاتية. يمكن وصف نظرتهم تلك إلى غيرهم من المجتمعات – التى لا تأخذ بنفس نمطهم- بنظرة اليهود إلى غيرهم باعتبارهم شعب الله المختار كما يزعمون، وكأن الحضارة والفكر والحرية على غير نمطهم وبغير طريقتهم غير مسموح لوجودها، وكأن لا حرية ولا فكر ولا حضارة إلا حرية وفكر وحضارة الغرب.

من أين جاء مسمى “المستبد العادل”؟

يؤمن الغرب أن من لا يؤمن بتلك الحريات والنظريات التي يتبناها ولا يؤمن بتطبيقها على النمط والطريقة الغربية تلك – حتى وإن كان ذلك على حساب هويته ولغته ودينه وسلب ثروته وسلب إرادته – أنه يجب أن يُحارب ويُقمع بالقول أو التهميش أو يُستبد ولو بقتله، ومن هنا أحدث كثير من أصحاب الفكر الغربي الليبرالي هذا المصطلح المُسمّى بـ : “المستبد العادل” أو “المستبد المستنير”. هذا موجود لدى الثقافات الغربية وموجود أيضاً فى أوروبا من قبل قرنين أو ثلاثة قرون، وكذلك يوجد فى كتاباتهم: أن المجتمعات التى لا تقبل بالفكر الغربي الليبرالي ينبغي أن يُسلَط عليها مستبد ولكن لا يسمونه مستبدا ظالما إنما يسمونه “مستبدا عادلا” فيقمع ويقتل فى سبيل هذا الفكر الغربي حتى وإن كان كما ذكرنا على حساب هويته أو لغته أو دينه أو سلب للإرادة والثروة.

بطرس الأكبر: مستبد روسيا

من أمثلة هؤلاء الذين نعتهم الغرب بالمستبد العادل: (بطرس الأكبر) وهو حاكم روسيا فى فترة من الفترات، وكان مستبدًا على الروسيين الذين يدينون بالدين الأرثوذكسي فقام بقمعهم، وأراد إدخال النمط الغربى وفى سبيل ذلك قام بحلق لحى حاشيته، وأمر بإدخال الرقص إلى البلاط الروسي، فكان الغرب يسمونه ” المستبد المستنير” يسمونه مستبد ولكنه مستنير لأنه يريد أن يُدخل الحضارة على النمط الغربي ولا غير، ولو بالقوة، فجاء بالليبرالية الغربية فطبقها معكوسة عليه. وقد وجد هذا فى جملة من الثقافات أيضا.

مصير من رفض أن يكون مستبدا

omar-torrijos-1

وما حدث لرئيس تشيلي سلفادور أياندي و لرئيس بنما عمر توريخوس ليس ببعيد عن ذلك؛ فالأول كانت بلاده منهوبة اقتصاديًا من قِبل أمريكا فأراد أن تتحكم بلده فى اقتصادها بنفسها لا بيد غيرها، فتم تدبير انقلاب عسكرى بقيادة بيونشيه بتدبير من الاستخبارات المركزية الأمريكية فقام بضرب قصر الرئيس أياندي بالطائرات، كما اعتقل أكثر من 13 ألف شخص أصابهم ما أصابهم من تعذيب وقتل وتشريد تحت مرأى ومسمع من الغرب وأمريكا. وأما الثانى كان هدفه هو استقلال بلادة من الهيمنة الأمريكية وفرض سيطرة الدولة على قناة بنما دون إثارة نعرات أو شعارات معادية للولايات المتحدة، ويري أنه من الأفضل التعامل مع الولايات المتحدة والاستفادة منها دون معاداتها خاصة وأنه يهمه مصلحة شعب بلاده الفقير والذي يجب أن يستفيد من عائد قناته. ولكن كانت المشكلة في انه من وجهة النظر الأميريكة انه لم يكن قابلا للتطويع الأمريكي و بالتالي هو ليس نموذجا للنظام الأمريكي المفترض فتم تفجير طائرة عمر توريخوس عام 1981 بأيدي (أبناء آوي – جاكالز)، و هو تعبير أمريكي عن رجال الاغتيالات التابعين للـ سي.أي.ايه.

المستبد العادل فى بلاد المسلمين

d8f86437-1f99-4dd9-b2e7-d770011e8ca2_16x9_600x338

فمما سبق لو أردنا أن نقيس هذا المصطلح “المستبد العادل” ونُنزله على واقع بلدان المسلمين لاحظنا أنه ليس ثمة اختلاف كبير، فإن بلداننا منذ خروج الاستعمار القميء منها وحتى الآن ما قام على أمرها إلا مستبدون عادلون وليس الأمر مقتصرًا على المسلمين وحسب بل على أي بلد يرفض تلك الهيمنة الغربية. فقد خرج الاستعمار وترك رجاله وراءه يقومون بدوره بالوكالة فهل كان من السهولة بمكان أن يخرج الاستعمار هكذا!! فلماذا دخل أصلا؟! أليس من أجل الهيمنة الاقتصادية والفكرية والاجتماعية والثقافية وبالتالى السياسية؟! فهل بعد خروجه تغيير لحال بلادنا؟! هل عادت إلينا حريتنا وهويتنا وثقافتنا وهل نحن من يستغل ثروات بلادنا الاقتصادية أم أن الوضع زاد سوءا عن ذى قبل!! فلقد جُردنا من هويتنا ومن لغتنا وسلبوا ثروات بلادنا وسلبوا كذلك حرياتنا سلبوا كل ذلك بأداتهم المسماة ” المستبد العادل أو المستبد المستنير” ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ظهر المستبد العادل أو المستبد المستنير أو المستبد الرحيم بعبارات لطيفة وألفاظ مُنَمّقة، فالغرب يريد بذلك تمرير القمع على مجتمعات الإسلام ولهذا هم يتدرجون فى إدخال الفكر الغربى عن طريق نوع من الجهاد؛ بمعنى أن الغرب يرى فى إجبارنا على أفكاره ونمط حياته جهاد يبذل فيه قصارى جهده فهو يجاهد لينشر أفكاره تلك بأى ثمن بالتضييق والتحجير على الناس وتسليط المستبدين علينا حتى يكونوا من أهل تلك الثقافة، لكن بالتأكيد هم لا يسمون ما يفعلونه فى سبيل نشر أفكارهم وهيمنتهم على البلاد والعباد جهادًا صراحة لكن يسمونه بألفاظ أخرى حسنة الوقع على من يسمعها كنشر الحضارة والتقدم و الحداثة وهكذا، ولهذا كثير من الناس لا يأتون بأفكارهم برمتها على مجتمعات المسلمين فيطبقوها بتمامها، فهم لا يريدون مثلا أن يطبقوا الديمقراطية بتمامها باعتبار أن الديمقراطية لو وجدت فى مجتمعات كما يسمونها “متخلفة” لوصل التخلف إلى الأنظمة وهذا مما لا يريدونه، فهم يريدون أن يُنشئوا مستبدًا مستنيرًا يقمع ويسجن ويشرد ويقتل وما نراه من حكام بلداننا من ذلك ليس ببعيد.

كيف يٌروج الغرب لأفكاره؟

استبداد-765x510

إن من قال إن الفكر الليبرالي الغربي هو فكر حواري ونحو ذلك؛ فهذا ممن لم يطلع على كلامهم وأقوالهم وكذلك تواريخهم فى تشريع الاستبداد على كثير ممن خالفهم فى ذلك، سواء كانوا فى الكنيسة الأرثوذكسية التى تخالف ما عليه الكنيسة الكاثوليكية أو كان كذلك على بلدان المسلمين. ويكفى أن يُعلم أن الغرب بفكره ذلك لا يُروِج بفكره حتى فى داخل مجتمعاته، فحتى أهل السياسة والأمر والنهى لا يُروجون لمجتمعاتهم ما يريدون إلا بألفاظ حسنة؛ ولهذا الاستعمار يُسمونه استعمارًا وكذلك أيضا كانوا يسمون حين كانوا يستعمرون سواء بلاد المسلمين أو البلاد الوثنية فى أفريقيا كانوا يُسمونها عبء الرجل الأبيض، فيقولون أننا نتعب من أجل البشرية وأنهم لا يريدون استنزاف الناس، ولهذا أكثر دول طالها الاستعمار هي دول أفريقيا وهي أشد الدول تخلفًا وأشد الدول بُعدًا عن الحضارة على النمط والطريقة الغربية فبقيت فيها عقودًا وبقوا على هذا الأمر.

وكعادة هذه الدعوات أو كل أصحاب الدعوات الذين على هذا النحو لا يمكن أن يمرروا باطلهم إلا بهذه العبارات. عبارات جميلة وعبارات برّاقة، لهذا يجب أن يُعلم أنه لا يمكن لأحد فى هذه الأرض صاحب عقل أو صاحب فكر إلا أن يؤمن بأن بينه وبين مخالفه حد يصل معه إلى المقاتلة لحمايته وحماية فكره حتى الفكر الليبرالي فى هذا.

وقفة أخيرة

فلعلنا أنا وأنت أيها القارئ فهمنا الآن لما الاستبداد مستوحش فى بلاد المسلمين ومازال يتوغل أكثر وأكثر تحت مسمع ومرأى ورضا الغرب التام، ولا عجب من ذلك فما استوحش هؤلاء المستبدون إلا تحت مسمى الاستبداد العادل المستنير الذى يرضى به الغرب. ومن هذا أيضاً نفهم لماذا يأخذ الغرب مما يراه فى بلدان المسلمين التى تجرى فيها دماء المسلمين أنهاراً موقفًا إيجابيًا مع حكام تلك البلدان وسلبيًا مع الشعوب!! ووالله أتعجب أشد العجب خاصة من الإسلاميين ممن يستنكرون على الغرب مواقفه الهادئة تجاه ما حدث من مجازر ومذابح بسوريا من قِبل الطاغية بشار الأسد وأعوانه منذ بدايات الثورة المباركة وحتى الآن، وكذلك مما حدث فى مصر منذ سنتين على يد الطاغية السيسي وزبانيته وحتى الآن.

فماذا فعل كل من الملك محمد بالمغرب وقذافى ليبيا وبورقيبة وبن علي فى تونس وعبدالناصر والسادات ومبارك بالأمس والسيسي اليوم فى مصر وعلي صالح فى اليمن والشاذلي بن جديد وبو تفليقة فى الجزائر ومحمد ولد عبد العزيز بموريتانيا. ماذا فعل هؤلاء بشعوبهم إلا النكال والتعذيب والتشريد!! سيسأل سائل وأين راحت دول الخليج؟! أقول لذاك السائل : ستجيبك عدد القواعد العسكرية الغربية فى بلدانهم.

نحن هنا لا نقول بنظرية المؤامرة التى تُرجِع هذا الاستبداد المتفشي فى بلادنا إلى الغرب وفقط، ولكن نري أن مادام أداء الحكام لا يقترب من مصالح الغرب، فالغرب يرضى ولا يعنيه شعوب ولا غيره.

390

الكاتب

عمّار إسماعيل

المستقبل ليس سيناريو مكتوبًا وعلينا فقط أن نقوم بتمثيله؛ بل هو عمل يجب أن نصنعه !! روجيه جارودي

اترك تعليقًا

*
*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.