على بعد أحد عشر ألف كيلو متر من مسقط رأسه كان هذا مستقر رحلة الهروب الكبيرة التي خاضها الشاب صاحب التسعة عشر عاما ليدخل بلاد لا يعرف فيها أحدًا ولا يعرفه فيها أحد لكن همته العالية وإيمانه العظيم مكنته من أن يحكم بلاد دخلها طريدا شريدا بعد عامين من دخوله إياها إنه صقر قريش عبد الرحمن الداخل رحمه الله.

لسنا بصدد الكلام عنه وعن صفاته العظيمة لكنه كان نواة لحكم تليد أعظم وأرقي حكم في أوربا وهي الدولة الأموية في الأندلس. مرت الأندلس أثناء حكم المسلمين لها بفترات ضعف وفترات قوة ارتبطت دائما بمدي تمسك الحكام والرعية بشرع الله القويم، لان الله لا يحابي أحدا أبدا، من تمسك بشرعه ومنهجه ارتفع وعلا شأنه ومن فرَّط أصابته الذلة والمهانة

لكن لكل عقد واسطة تزينه وواسطة عقد الأندلس هو الخليفة عبد الرحمن الناصر رحمه الله. ففي الوقت الذي كانت تسبح فيه أوروبا في ظلمات العصور الوسطى كانت هناك لؤلؤة تسمي قرطبة حيث نسبة البطالة تقارب الصفر ولا يوجد في الأندلس من لا يجيد القراءة والكتابة وكثرت الجامعات والمكتبات وكان النساخون ينسخون أمهات الكتب من شتي بقاع المعمورة ويترجمونها ومع هذا كله كانت تحفة معمارية يعشقها كل من دخلها ورصفت الشوارع وأضيئت القناديل ليلا لأول مرة في أوربا.

وإن بحثت عن أسباب كل هذا الازدهار ستجدها مرتكزة على عاملين

الأول هو: الجهاد المستمر حيث كان قوام الجيش يتعدى المائة ألف مقاتل غير الرجالة وهذا تحقيقًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم “جعل رزقي تحت ظل رمحي وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري”

أما العامل الثاني: فيتمثل في عقلية فذة وهمة عالية استلمت مقاليد الحكم في عمر صغير اثتين وعشرين عامًا لكن بعزيمة الرجال وثبات الأبطال حكم خمسين عاما حتى كتب في التاريخ أنه أفضل حكام أوربا على الإطلاق.

لكن اللافت للنظر في شخصية عبد الرحمن الناصر هي علاقته بأهل العلم والدين فيذكر أن المنذر بن سعيد وكان خطيب الجمعة في المسجد الذي كان يصلى فيه الخليفة كان لا يكف عن تقريع الخليفة وتوبيخه إذا فعل ما يخالف شرع الله ولم يعزله الخليفة أبدا.

ومع كل ما ذكرنا من الرخاء والثروة والوفرة يموت الخليفة فيجدوا ورقة كتبها فقال فيها “تلك أيام راق لي فيها العيش من غير كدر” فعدُّوها فوجدوها أربعة عشر يوماً؛ حكم أغني بلاد العالم في وقته خمسين عاما ولم يذق هناء العيش فيها إلا أربعة عشر يوماً فقط.

وبالإسقاط على واقعنا وحكامنا الذين لو حكم أحدهم أفقر بلاد الأرض سيتنعم بما يجده ولن ينظر للناس ولا لبلده بشيء.

تجد أحدهم يقسم أنه يعرض نفسه للبيع من أجل أزمات بلاده وهو يرتدي ثوبًا ثمنه يفوق آلاف الجنيهات. وتجد الآخر وقد احتارت صحف العالم في رصد ومعرفة ثروته وأرصدته… وبعد كل هذا لا تري شيئاً قدموه لشعوبهم إلا الجوع والذل وما حصل هذا إلا ببعد الحاكم والرعية عن منهج الله الحق.

في النهاية لا يسعنا إلا أن نسأل الله أن يخرج من أمتنا من يعيد لنا عبد الرحمن الناصر.


إعداد: هشام محمد

362

الكاتب

ضيوف تبيان

يمكن للكتّاب والمدونين الضيوف إرسال مقالاتهم إلى موقع تبيان ليتم نشرها باسمهم في حال موافقة شروط النشر، راسلنا على البريد: tipyanmedia@gmail.com.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.