إني قلق!، لا، ليست عبارة افتتاحية بغرض جذب الانتباه ودعوة لإتمام هذه المقالة الطويلة، وبالتأكيد لستُ أتقمص دور (بان كي مون)! إني فعلاً قلق، وقلق بسبب أكثر الناس، وقد تكون أنت منهم! لكن قبل أن تُكمل دعني أحذرك من طول هذه المقالة، وأنه لن يصبر على قراءتها إلا قلِق مثلي، أو على الأقل من لم ينقطع الأمل في أن يقلق مثلي مع نهايتها، فاعقد العزم على الشروع فيها، وما أظنك ستندم على دقيقة أمضيتها في قراءتها.

في هذه اللحظة، وبعد سنوات من البيانات المتعاقبة، وجهود المعدودين ممن رهنوا حياتهم لمحاربة الشياطين، شياطين الجن والإنس، إلا أننا نرى مصداق قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: “ويأتي النبي وليس معه أحد”! فيا ترى، إن أتى النبي وليس معه أحد، فإلى أين يُذهب بقومه؟؟ أظنك تعرف الإجابة! نسأل الله العافية.

كتبتُ في منشور سابق [1]: “يوم أو يومان -إن شاء الله- وسيتبين لكم خطورة مفهوم (المزرعة السعيدة) الذي بثثته عبر عشرات المقالات، وأن هذا هو أصل الصراع وجذره، وأن كل من لم يضع هذا أمام عينيه ويعمل بمقتضاه فسيتحول عاجلاً أو آجلاً إلى جندي مخلص للمزرعة يحارب دينه لأجلها، وهو يحسب أنه يُحسن صنعاً”، كنتُ أنوي كتابة هذا المنشور بعد ذاك مباشرة، إلا أن القدر حال بيني وبين ذلك، ولعله خير.

من المفاهيم التي ظللنا نحاربها عقودا، ومن قبلنا أسلافنا من النبهاء العاملين، المفاهيم الفاسدة الخاصة بالهوية، والقضية، وهما ما يلخصان طبيعة المعركة. من تلك المفاهيم الفاسدة أن معركتنا معركة حرية، أو استقرار، أو ظلم، أو أرض، أو حتى معركة مع أمريكا والنظام العالمي من حيث هما، فسودنا الصفحات الطويلة والمقالات المنشورة مستكملين مسيرة آبائنا وأجدادنا في العقيدة والمنهج مبينين أن معركتنا الأم هي المعركة الأزلية التي بدأت يوم خُلق آدم عليه السلام ولن تنتهي إلا بتلك الريح التي ستقبض كل روح مؤمنة، مسدلة الستار على آخر فصل من فصول تلك المعركة، إنها معركة التوحيد التي خلقنا الله تعالى لأجلها، معركة الإيمان والكفر، المعركة لتكون كلمة الله هي العليا، معركة قتالهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، هذه هي معركتنا مهما أبرزت مرحلة من المراحل صورة محدودة جزئية من صور المعركة مختزلة في أرض أو عرض أو مال أو حرية أو حكم عسكر أو نزاعات ومناوشات حزبية.

وبطبيعة الحال، لا يستوعب كل الناس هذه المعاني، ومن استوعبها بذهنه فلن يدرك بالضرورة إسقاطها في واقعنا هذا، فتبقى منطقة رمادية بين الأبيض الناصع والأسود الحالك، وهنا مبدأ القلق! فقد أخبرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأن الفتن تُعرض على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً، إلى أن تصير القلوب على أحد قلبين: أبيض كالصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، وآخر أسود مرباداً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه، وما أظن زمناً مر على الأمة أوضح مثالاً لهذا الحديث من زماننا هذا!.

فمن الحديث يتبين لنا عدة أمور: أن القلوب ليست ابتداءً بيضاء أو سوداء فقط، بل المساحة بينهما متسعة تستوعب ما يستحق الاستغراق بأل، إلا أن هذه المرحلة مؤقتة لا تستقر القلوب فيها طويلاً، فالخطر الأكبر عليها هو ذلك الامتحان، الفتنة، والذي سيأخذ بالقلب شيئاً فشيئاً تجاه البياض، أو ينجرف به في ظلمات السواد، وهذا جزء من طبيعة المعركة.

وفي الحديث إشارة خفية إلى سلاح المعركة، وهو العلم بمراد الله ولزومه، إذ لا نجاة من الفتن إلا بالاعتصام بالسنة كما جاء في أحاديث كثيرة، السنة بشمولها للقول والعمل والاعتقاد والقصد، السنة وما دلت عليه من مقصود الشرع وكليات المنهج وأولويات العمل ومسار الأمة الحتمي وقدرها الذي أخبرتنا به

لكن الشياطين ليست في عماية من هذا المعنى! فما سبيلها إلى مواجهة ذلك السلاح؟؟ السبيل الأسهل دائماً هو إتلاف السلاح نفسه، وإفساد حَمَلته! تخيل حالك لو أنك تواجه عدوك حاملاً سلاحاً تعتقد يقين الاعتقاد أنه أداة انتصارك، فإذا بعدوك قد عبث به ليضرب عنقك أنت كلما لوحتَ به في وجه عدوك! هل تدرك خطورة الموقف؟؟

هنا تظهر معركة أخرى، معركة عُليا لا يعرف بوجودها أصلاً أكثر الناس، تلك المعركة الضروس لحراسة الأسلحة نفسها من عبث العدو، وتطهير صفوف حملة السلاح من حاملي سموم الشياطين لبثها في صفوفنا، بغض النظر أعرفوا بذلك أم حسبوا أنهم يحسنون صنعا!

ألم تر إلى قوله تعالى: “وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ الله عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ۗ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ”؟ فما هذا الأمر الذي جعل قضية قد تبدو (فرعية) كحرمة أو حل بعض المطعومات تستغرق من الشياطين (أيا كانوا) وأوليائهم (أياً كانوا) جهداً وعندهم ما قد يبدو أولى من وجهة نظرهم، ويجعل إطاعتهم فيها شركاً؟؟ إنه ذلك المعنى الذي أشرنا إليه، المعنى الذي أسسه الشرع وهو مرجعية الوحيين في كل كبيرة وصغيرة، فالفرع قد يكون كبيراً أو صغيراً باعتبارات عدة، إلا أن الأصل الذي انبنى عليه ذلك الفرع في النهاية واحد، ألا وهو مرجعية الوحي، سلاح المعركة الأزلية الذي يسعى الشياطين في تسميمه ليل نهار لكي يقتل المؤمنون أنفسهم به وهم يحسبون أنهم يشهرونه في وجوه الشياطين الكالحة

فقط لتتصور ما أقول، أذكر لك مثالاً جزئياً من كتاب الكاتب الأمريكي (مالكوم نانس) خبير الإرهاب الدولي والضابط السابق بقوات البحرية الأمريكية، وأحد المنظرين النشطاء للسياسة الأمريكية لمكافحة الإرهاب، عقد في كتابه (نهاية للقاعدة): باباً كاملاً بعنوان: “الهجوم المضاد: إطلاق الحرب الأيديولوجية المضادة ضد القاعدة” استهله بنقل للشهيد عبد الله عزام ترجمته: “المسلمون لا يهزمهم غيرهم. نحن المسلمين لا يمكن أن يهزمنا عدونا، وإنما نحن من يمكن أن نهزم أنفسنا”، تكلم في الباب عبر فصلين طويلين بالغي التفصيل، هما في الحقيقة قلب الكتاب كله، عن أن السبيل الوحيدة لمحاربة (الإرهاب) هي من خلال إعادة صياغة منظور المسلمين لأمريكا وفي المقابل لعدوهم من خلال تقديم فهم جديد (صحيح في نظره) للإسلام. وليس هذا هو الموضع الوحيد الذي تكلم فيه عن هذا المعنى، بل تكلم عنه كذلك في حوار إذاعي منذ شهر ونصف بعنوان (كلمة واحدة من علماء السعودية قد تكون بداية نهاية “الدولة الإسلامية”)[2] ذاكراً أمثلة من قيامهم (أي “علماء” السعودية) بمحاولات “دعوة” “الإرهابيين” المعتقلين في السجون لتغيير وجهة نظرهم، لأن رأس مال المجاهدين وسلاحهم الأكثر فاعلية هو عقيدتهم، لهذا يجب تسليط بني جلدتهم عليها، مفصلاً في الأساسات العقدية تفصيلات عميقة تدل على عمق المخطط المرسوم لسلاح الأمة الأعتى.

لا يظنن ظان أن هذه مجرد فرقعات إعلامية. الرئيس الأمريكي باراك أوباما نفسه دعا[3] إلى نفس المنطلق، صناعة “المسلم” الوطني لأمريكا، والصديق لأمريكا، والذي يتبنى قيم أمريكا. وهذا ليس بجديد، بل تمجيد “المسلمين” الذين يدينون لأمريكا بالوطنية توجه قديم بدأ في الظهور بعد 11 سبتمبر بقليل، فعلى سبيل المثال، تمجيد الباكستاني الأمريكي (محمد سلمان الحمداني)[4] الذي كان ضابطاً في شرطة نيويورك وقُتل في حادثة بُرجي التجارة، وصفه بألقاب الفروسية والإشادة بوطنيته، مثال من أمثلة لا تحصى لهذا التوجه. وبالمناسبة، هو نفس الشخص الذي كتب مالكوم نانس إهداءً له في مقدمة كتابه المذكور.

ألا ترى تزايد ظاهرة “المسلمة” التي تغطي شعرها بعلم أمريكا؟؟ ألا ترى أن أكثر من يكتبون مقالات تندد بالجهاد وتحث على التعاون مع أمريكا يحملون أسماءً إسلامية؟؟ ألا ترى تسابق الأمريكان المنتسبين للإسلام إلى التبرؤ من القيم الإسلامية والتنافس على الإقرار “بحقوق” الشواذ والمساواة بين الجنسين وحرية التعري وما إلى ذلك؟؟ كيف صار قوم خلقهم الله ليخرجوا الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد إلى هذه الحال؟؟

إنها المزرعة السعيدة، إنه تأثيرها الذي يحسدها عليه السحر، إنها تلك الهالة النيرة التي تغطي بها أعين مواطنيها المخلصين، ذلك الضوء الزائف الذي يوهمهم ببزوغ فجر الانتصار وبلوغ المرام، في حين إنه ليس إلا ضوء زائف كضوء المصباح الذي يجتمع عليه الذباب ظاناً إياه باب رزق لا ينقطع، فيظل يلهث ويلهث ويلهث ليبلغه وما هو ببالغه، إلا أن يتسمم بسم المزرعة الزعاف، فيفقد القدرة على التمييز، ولا يرى إلا ما تريه إياه ولا يفهم إلا من خلال الفهم الذي تسقيه إياه، فيتحول شيئاً فشيئاً إلى فارس مغوار أكيد العزم في نصرة “الإسلام” من خلال ذلك السلاح المسموم الذي أعطته إياه المزرعة، فكلما أشاح به قتل مسلماً وجرح آخر!

اليوم بلغنا خبر مقتل مجموعة من المسلمين على يد آل سعود، كلاب حراسة المزرعة الأوفياء، فماذا كان موقف علماء المزرعة؟؟ لا شيء سوى المعتاد، مباركة وتهليل ومحاولات مثيرة للاشمئزاز لشرعنة جريمتهم، لا فرق بينه وبين موقف أسلافهم من إدخال الأمريكان جزيرة محمد -صلى الله عليه وسلم- وتمكينهم من أراضي المسلمين وأموالهم ورقابهم

لعلك أيها القارئ الكريم إن كنت قد صبرت على هذه الكلمات (التي والله في القلب أضعافها) ووعيتها بقلبك وعقلك قد أدركت أصل الصراع وجذره، وأن كل من لم يضع هذا أمام عينيه ويعمل بمقتضاه فسيتحول عاجلاً أو آجلاً إلى جندي مخلص للمزرعة يحارب دينه لأجلها، وهو يحسب أنه يُحسن صنعاً. فاعقد العزم على التوبة من مثل هذا إن كنتَ قد تلتخطت بشيء منه، وعلى أن تتخذ المزرعة السعيدة عدواً لا تخاف في عداوته لومة لائم، ولا تألو جهداً لمقاتلتها والتحريض عليها، فخذ القرار الآن ولا تضيع من عمرك لحظة أخرى

والله المستعان

[1]https://www.facebook.com/mustafaelmasry/posts/10207912536190323
[2] http://blogs.reuters.com/…/one-phrase-from-saudi-clerics-c…/
[3] http://politicslive.cnn.com/…/President_Obamas_speech_on_IS…
[3] http://www.nytimes.com/…/natio…/portraits/POG-09HAMDANI.html

مقالات للكاتب حول الموضوع

1- مرحباً بك في مزرعتي السعيدة
https://www.facebook.com/mustafaelmasry/posts/10202681653101515
2- ملحق بالمقالة
https://www.facebook.com/mustafaelmasry/posts/10202686541343718
3- مرحباً بك ثانية (الحلقة الثانية من مزرعتي السعيدة)
https://www.facebook.com/mustafaelmasry/posts/10203317153468627
4- لهيب الأحاسيس: قصة ليست رومانسية
https://www.facebook.com/mustafaelmasry/posts/10202717445156294
مع ضرورة مراجعة الروابط التي في كل مقالة.

مقالات أخرى ذات صلة

5- شغل الساحة الإسلامية وتضييع الواجبات
https://www.facebook.com/mustafaelmasry/posts/10205185722501685
6- هذا دين، ولكنه ليس دين الإسلام
https://www.facebook.com/MustafaMohsenPage/posts/879736075373522

554

الكاتب

مصطفى المصري

كاتب ومهتم بالشأن الإسلامي.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.