نوستالجيا الثورات

لا تخلو ذاكرة الشارع المصري من تاريخ حافل بالمواجهات، ونضالٍ وصمود صاحبه نوستالجيا لرائحة قنابل الغاز مختلطةً بالشماريخ، ولصوت الطلقات مختلطًا بالأهازيج. ولكن تبقى دائمًا علاقة الشارع بالألتراس علاقة ذا طابع خاص، سرعان ما سرت إلى البنية الاجتماعية للشارع المصري، فأصبح عزف الطنبور بمثابة قرع طبول الحرب، وأضحت تكتيكات الألتراس فيما يسمى بحرب الشوارع هي السمة المسيطرة على المواجهات خلال مراحل الثورة المختلفة.

CAIRO, EGYPT - JANUARY 28: Riot police force protestors back across the Kasr Al Nile Bridge as they attempt to get into Tahrir Square on January 28, 2011 in downtown Cairo, Egypt. Thousands of police are on the streets of the capital and hundreds of arrests have been made in an attempt to quell anti-government demonstrations. (Photo by Peter Macdiarmid/Getty Images)

حيث شاهدنا مجموعات الألتراس-والتي كانت تعيش في دولتها ومجتمعها الخاص داخل الدولة-شاهدناها وللمرة الأولى جزءًا من الشعب لا ينفك عنه. كما لحقت تلك الحالة تبعات على الصعيد الاجتماعي، حيث اتخذ الشعب من أغاني وأهازيج الألتراس دافعًا في مواجهات الثوار مع الداخلية، والشرطة العسكرية، والجيش، خلال الاحتجاجات التي صاحبت الثورة.

تطور العلاقة بين الألتراس والتيار الإسلامي الثوري

تُشير الدلائل المقترنة باجتياح ظاهرة الألتراس للكيان والصف الإسلامي إلى مدى التأثر والتداخل الذي حدث في الشارع المصري خلال مراحل الثورة وما تبعها من موجات ثورية. بيد أنَّ ذلك التأثر والذي طال الصف الإسلامي كما الألتراس لم يكن كافيًا لإذابة التباعدات بين التيارين، ولكنه قام فقط بإحداث نوع من رأب الصدع مستندًا إلى التقاربات بين الفريقين والتي ناقشناها في “العلاقة بين المدرج والشارع… حدود التقارب والتباعد بين حركات الأولتراس والتيار الإسلامي“.

اتخذت بدايات الألتراس منحنىً بعيدًا عن توجهات الصف الإسلامي، حيث حصروا توجههم في شعارهم:

خذوا كل شيء واتركوا لنا المدرجات

في حين كان التيار الإسلامي يصب كامل تركيزه على البرلمان، وبعض مساحات الحرية التي تركها نظام مبارك. ظل هذا الوضع قائمًا حتى بدأت الدعوة إلى ثورة الخامس والعشرين من يناير: كان الألتراس-كما كانت تُشير الدلائل قبل اندلاع الثورة-على استعداد لخوض النزال حيث شهدت مباراة الإسماعيلي والمصري في عام 2008 رفع رابطة يلو دراجونز[1] لافتة كُتب عليها “الثورة مبدأنا Revolution Is Our Principle بجانب صورة جيفارا[2]، كما هتفت جماهير الاتحاد قبيل اندلاع الثورة بعشرة أيام على إثر مشاجرة بين رابطة جرين ماجيك[3] والأمن “تونس… تونس” في إشارة إلى الثورة التونسية.[4]

Revolution Is Our Principle

الثورة تشتعل

شهدت جمعة الغضب تحولًا في بنية الشارع المصري، حيث ذابت التقسيمات القديمة المعتمدة على التيارات والأحزاب والحركات، وأصبح التقسيم الجديد مع الثورة أو ضد الثورة؛ أدى هذا التقسيم إلى خروج شباب التيار الإسلامي من جلباب قادتهم مشاركين في الثورة منذ بدايتها، كما اضطر الضغط الأمني مجموعات الألتراس إلى نشر بيانات تفيد بعدم نزول الروابط إلى ميدان التحرير، وهو الأمر الذي جارت فيه الروابط قوات الأمن مع الاتفاق غير المعلن بين الأعضاء على النزول.

سيد مشاغب كابو الوايت نايتس يوم جمعة الغضب

سيد مشاغب كابو الوايت نايتس يوم جمعة الغضب

خلقت تلك الحالة نسيجًا جديدًا بين الشعب المصري بشكل عام، والشباب بشكل خاص، محدثةً نوعًا من التأثير المُتبادَل بين مختلف الأيديولوجيات؛ نتج عنه خروج مجموعات الألتراس كذا التيار الإسلامي من العزلة المجتمعية إلى قلب الشارع، كما أحدثت نقلات نوعية في عقلية التيارين على عدة مستويات:

1. المستوى الفكري

رغم وجود التيارين فيما يشبه العزلة المجتمعية، إلا أن شباب الألتراس كانوا أكثر انفتاحًا من التيار الإسلامي: حيث اعتمد أبناء التيار الإسلامي على أدبيات التيار القديمة فقط، وكل فصيل حسب أدبيات فصيله: كأدبيات حسن البنا، وسيد ومحمد قطب، وأبو مصعب السوري، بالإضافة إلى المؤلفات الشرعية. إلا أن الألتراس كانوا يتخذون من فانديتا شعارًا لهم، وكان يأخذون المبادئ والأفكار الثورية عن كل ثائر غربي كان أو عربي، دون الالتفات لمنهجه طالما كان يواجه بطش النظام، مما ساعد في نشر بعض الأفكار الثورية كالتخطيطات المسبقة، وإتقان أسلوب الكرِّ والفرِّ، وعدم الدخول في المعارك الجانبية، والانفتاح على التجارب السابقة وأخذ الدروس عنهم.

وكما كان للألتراس دور في فكر التيار الإسلامي، كان للتيار الإسلامي أيضًا دورٌ في فكر الألتراس، وكان الأثر الأكثر وضوحًا هو ما حدث في 2012 حين صدر تيشرت جروب يلو دراجونز يحمل صور الأمير خطاب، والشيخ أحمد ياسين، والشيخ أسامة بن لادن، وصلاح الدين. كما حمل عبارة: “عقلية جهادية “Jihadist Mentality[5].

Jihadist Mentality Shirts Captured 13-4-1-thumb-560x373-1697

هذا بالإضافة إلى الدخلة التي حملت صورة أسامة بن لادن، ورفع راية العُقاب أو الجهاد.[6]

Ultras Muslim Tunisia Captured 13-4-1-thumb-560x374-1703

2. المستوى الأمني

يضمن التنظيم القوي المتماسك لمجموعات الألتراس القدرة على إدارة معارك “النفس الطويل” أو المعارك “طويلة المدى”. تميز أيضًا التيار الإسلامي بنفس المهارة والتي مكنته من الاستمرار رغم القبضة الأمنية، لكن ما أضافه الألتراس للتيار الإسلامي هنا: كان تأمين المعارك طويلة المدى، وحفظ أمنهم الداخلي للخروج بأقل الخسائر الممكنة، حيث كان يمثل الجانب الأمني لدى التيار الإسلامي موضع ضعف كبير، سهل معه مهمة الأمن في اعتقال ومطاردة الكثير منهم، بل وصل إلى حد القضاء التام على بعض الفصائل وإبعادها عن المشهد.

وعلَّ المثال الأكثر وضوحًا هو بقاء فصائل التيار الإسلامي الثوري إلى الآن رغم القبضة الأمنية الشديدة التي تبعت انقلاب الثالث من يوليو، نعم تم تصفية عدد كبير من أبناء التيار ومطاردة واعتقال البعض الآخر، كما حدث نفس الأمر مع مجموعات الألتراس نفسها، لكن ما زال يوجد من يستطيع تحريك المشهد.[7]

من تظاهرة لألتراس نهضاوي

من تظاهرة لألتراس نهضاوي

يعاني أبناء التيار الإسلامي من عدم وضوح في الرؤية جعلته يتلبس عليه رؤية عدوه الحقيقي، في حين أن فرد الأولترا يحمل بذرة مقاومة تلقائية للظلم، وعينًا لا تُخطئ جلاديها، ولا تغفل عن أعدائها وخصومها، فهم يستنكرون مدح هؤلاء-قوات الأمن-حتى لو قام قادتهم بذلك فيرونه خطأ قد صدر عن القادة، يجب مراجعتهم فيه لا مجاراتهم عليه. وهو ما انتقل سريعًا إلى الصف الإسلامي كونه أمرًا فطريًا استقامت فيه روح الألتراس مع الفطرة الصحيحة، أدى هذا إلى تمردٍ شبابي في صفوف كثير من جماعات التيار الإسلامي، وخروج الشباب من عباءة “العواجيز” وتكوين حركات جديدة استطاعات تغيير بعض المعطيات في المشهد. ويمكن مراجعة ذلك بالعودة إلى “تحليل لدراسة كارنيجي “تصاعد التمرد الإسلامي في مصر.”

3. المستوى الحركي والتنظيمي

يعاني التيار الإسلامي في معظم فصائله من ارتفاع المتوسط العمري لأنصاره ومؤيديه؛ فكان لزامًا إحداث نوع من الموازنة مع التيار الثوري والذي يتراوح متوسط أعماره بين 20-30. لجأ التيار الإسلامي إلى ذلك النظام الحركي-تكوين روابط مُحاكيةً لللأتراس-معالَجةً لوضع التيار في الشارع والذي سيطر عليه الشباب بصورة كبيرة، فاضطر قادة العمل الإسلامي للسماح ببعض تنظيمات الألتراس لتحفظ له توازنه مقابل التيارات الثورية.

اتخذت تلك التنظيمات من سلوكيات الألتراس منهجًا لها، حتى إنها بدأت تتمرد على قادتها الذين يدعونهم لضبط النفس في مواجهة الظلم الواقع عليهم، فتشكل للتيار الإسلامي مجموعات تضمن له تحركات صغيرة مترابطة، وليست هرمية بالشكل القديم؛ فازداد تواجد التيار الإسلامي في الشارع خاصة بعد انقلاب الثالث من يوليو الذي شهد تصدر التيار الإسلامي لمناهضة النظام، وبعض التحركات على وجلٍ من الاشتراكيين، أو حركة السادس من أبريل.

GIZA, EGYPT - JUNE 17: A group of Egyptian shout slogans and hold banners as they stage demonstration after the Egyptian court sentenced the Egypts first democratically elected and ousted former President Mohamed Morsi to death, in Giza, Egypt on June 18, 2015. (Photo by Stringer/Anadolu Agency/Getty Images)

كان الخطأ الأكبر الذي اعتلى تلك التنظيمات أنها تأثرت بكثير من السلوكيات الظاهرية للألتراس، ولم تراعِ مدى صحة العقيدة التي تنبع منها، كما أنها لم تضع في حساباتها أن عقلية الألتراس لم تظهر كاملة للعلن، وأن بعض تكتيكاتها مترابطة لا يمكن تنفيذها إلا كاملة، وبعضها منفصل يمكن الاجتزاء منه.

فأدى ذلك إلى وقوع بعض التنظيمات الجديدة في أخطاء فادحة: بعضها تعلَّق بالمنهج الأساسي لتلك التنظيمات والتي أخذت تنحرف عنه، وبعضها متعلق بالحراك نتيجة سلوك دون فهم باقي منظومته: فتحدثوا في وسائل الإعلام، وظهروا وتصدروا صفحات مواقع التواصل، وتفاخروا بصورهم في المواجهات فنشروا صورًا واضحة المعالم، واستهانوا ببعض الأمنيات؛ فاستطاع الأمن استدراجهم والتنكيل بهم.

أولتراس مصر سياسي

4. المستوى التكتيكي والمواجهات

اكتسبت مجموعات الألتراس من خلال مواجهاتها مع عناصر الأمن خبرة كبيرة على مستوى التكتيكات والمواجهات، انتقلت تلك الخبرات بشكل تلقائي إلى شباب الثورة نتيجة المواجهات المشتركة التي خاضوها خلال الموجات الثورية التي شهدتها مصر. ظهرت بدايات تأثر التيار الإسلامي بتلك الخبرات في أحداث السفارة الأمريكية 11/9/2012: حين دعت بعض الأحزاب والحركات الإسلامية إلى وقفة احتجاجية أمام السفارة الأمريكية بالقاهرة، احتجاجًا على الفيلم المسيء للرسول، الذي أعلن عدد من أقباط المهجر بالولايات المتحدة الأمريكية عن إعداده.[8] تبع تلك الوقفة تسلق بعض الشباب لسور السفارة وإسقاط العلم الأمريكي وحرقه، ورفع راية العُقاب أو الجهاد فوق مبنى السفارة، تبعها تلك الرسالة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك:

رفع علم الخلافة على السفارة الأمريكية في ذكرى 11 سبتمبر هي أن غرسة بن لادن بدأت تؤتى أُكلها.

رفع راية الجهاد فوق السفارة الأمريكية

رفع راية الجهاد فوق السفارة الأمريكية 11/9/2012

ثم كان الحدث الذي ظهر فيه التيار الإسلامي أكثر قدرة على تنظيم الفعاليات المفاجئة والتحرك السريع: هو أحداث دار القضاء العالي التي حاول البعض ربطها بمساندة الإخوان مخرجين الحدث عن حقيقته. كما شهدت أحداث العباسية على أكثر ملاحم التيار الإسلامي الثوري قوة وأكثرها تنظيمًا وتأثرًا حقيقيًا بتكتيكات الألتراس، حيث خاضوا حرب شوارع حقيقية مع العسكر شهدت على صمودها أرض العباسية.

أحداث العباسية

من الملاحم التي شهدتها العباسية

لم تكن الفترة الانتقالية هي الوحيدة التي شهدت على انتشار تكتيكات الألتراس بين أبناء الصف الإسلامي، بل ظهر ذلك واضحًا خلال الحراك الإسلامي الذي تبع انقلاب الجيش على جماعة الإخوان المسلمين، حيث أصبح من الصعب التفريق بين مظاهرات الألتراس والمظاهرات الشعبية إلا من خلال باش المجموعة،[9] وبعض الفئات التي لا تشارك إلا في التظاهرات الشعبية كالفتيات وكبار السن.

5. المستوى الفني والإبداعي

كما صنع الألتراس من المدرجات أعمالًا فنية، ومن الجدران لوحاتٍ لعرض أفكارهم، ومن الشِعْر والنظم وسائلًا لرفع الحماسة، وتوثيقًا لقضاياهم ومبادئهم ونضالهم ودمائهم التي دفعوها. نقلوا ذلك كله من المدرج إلى الميدان والشارع، فشهدت جدارية محمد محمود على أعمالهم، وشوارع وميادين النضال تذكرهم، وأهازيجهم التي أدخل عليها المتظاهرون بعض التعديلات وأحالوها لديباجة لكل مظاهرة أو مسيرة تشهد بأنهم مروا من هنا.

جرافيتي عماد عفت

جرافيتي الشيخ عماد عفت

أعطوا للنضال طعمًا آخر، وأدخلوا طابعهم الخاص على التوثيق ونشر الحقائق.

ختامًا

الألتراس يحملون بداخلهم فطرة سليمة، وحماسًا واستعدادًا للتضحية لم تلوثه المصالح، ولم يؤثر فيها الفساد. لكن منهجهم ليس كاملًا فلديهم بعض الانحرافات، كما أن التباين قد وصل إلى الفكر والمعتقدات. وكون بعض قادة الألتراس تأثروا بالفكر الإسلامي الثوري لا يعني أن باقي المجموعة كذلك. بالطبع هم ليسوا ملائكةً كما أنهم ليسوا مرتزقة ومثيري شغب. نتفق ونختلف معهم. لكن الأكيد أنهم أضفوا على الحراك الثوري بشكل عام والإسلامي بشكل خاص رونقًا لم يكن معهودًا قبلهم.


المصادر:

[1] رابطة مشجعي النادي الإسماعيلي.

[2] فيديو يوضح تيفو جماهير يلو دراجونز في مبارة الإسماعيلي والمصري

[3] رابط مشجعي نادي الاتحاد السكندري.

[4] عمرو الأنصاري، جمهورية الألتراس، دار نهضة مصر.

[5] Social Media Jihad: Soccer fanatics with a ‘jihadist mentality’

[6] Soccer fanatics with a ‘jihadist mentality’

[7] حديثنا هنا لا يشمل القيم التي تبنتها تلك التنظيمات والجماعات داخل الصف الإسلامي، ولكنه حديث حول الخطوات والسلوكيات فقط.

[8] متظاهرون يحرقون العلم الأمريكي أمام السفارة الأمريكية بالقاهرة

[9] الباش أو البانر: هو قطعة من القماش لا يمكن تقطيعها بسهولة، له أهمية قصوى عند مجموعة الأولتراس، حيث يطبع عليه شعار المجموعة. يوجد نوعين من الباش: الباش الرسمي وباش الترحال.

453

الكاتب

دينا راغب

مهندسة حاسبات ونظم تحكم، كاتبة لمقالات رأي، ومحررة للأخبار، أهتم بقضايا المسلمين والمستضعفين، وأهوى القراءة والتدوين. ببساطة: أحلم خارج المسارات.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.