كثيرًا ما نسمع من العلماء حين يتحدثون عن الطاعة وأن العبد إذا عمِل من الطاعات وتقرب من الله تقرب الله منه ووفقه في الدنيا ووسع له في رزقه أو ضيق عليه لعلمه بصبره وبهذا ينال الدرجات العلى في الآخرة.

لكن ما كان يثير دهشتي عندما كنت أسمع منهم أنه إذا عمل أحدكم من الصالحات ثم تركها أو تكاسل عنها يقولون “لعل الله كره طاعتك” !!

يقول ابن عثيمين-رحمه الله-:

إذا رأيت نفسك متكاسلًا عن الطاعة؛ فاعلم أن الله كرِه طَاعتك!!

بماذا استدل على هذا القول؟؟

استدل بقوله تعالى ((وَلَكِن كَرِهَ اللهُ انبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ)). قال أبو جعفر: انبعاثهم يعني خروجهم لذلك، “فثبطهم”، يقول: فثَقُل عليهم الخروج حتى استَخَفُّوا القعود في منازلهم خلافَك، واستثقلوا السفر والخروج معك، فتركوا لذلك الخروج.

ويكمل الشيخ ابن عثيمين فيقول:

والمهم أن في هذا تحذيرًا شديدًا لمن رأى من نفسه أنه مُثبَّطٌ عن الطاعة، فلعل الله تعالى كَرِه َأن يكونَ هذا الرَّجُل من عباده المُطيعين له فثبَّطَهُ عن الطاعة.

لكن أتعجب من قول الشيخ:

“كَرِه َأن يكونَ هذا الرَّجُل من عباده المُطيعين له فثبَّطَهُ عن الطاعة “

ولماذا يكره الله عبادة هذا الرجل؟ الله سبحانه تعالى رحيمٌ بنا فلِمَ يكره طاعتنا لا أظن أنه يفعل… أذكر حديثًا سمعته قبل أعوام: عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-بِسَبْي فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْي تَبْتَغِي إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا في السَّبْي أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا في النَّارِ» قُلْنَا لاَ وَاللَّهِ وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لاَ تَطْرَحَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم

«لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا»[i]

فإذا كانت رحمة الله بنا أكثر من رحمة أُمّنا بنا فكيف يكره طاعة الإنسان إذا تكاسل عنها ؟؟ أليس هذا من سوء الظن به سبحانه.

يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى:( (أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً))
[البخاري عن أبي هريرة]

الله سبحانه وتعالى يبين لنا كم هو رحيمٌ بنا وأنه كلما تقربنا منه زاد قربه منا وزاد القرب من جهته أكثر، فرحًا منه بطاعة عبده فقال “وإن تقرب إليَّ ذراعًا تقربت منه باعًا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة. “فبالله عليكم كيف لهذا الإله العظيم أن يكره طاعة عبده؟؟

حتى الآية التي استدلوا بها هي مُجتزَأة ولها ما قبلها وما بعدها يبين معناها: ((ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدةً ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين (46) لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالًا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين (47)))

يقول تعالى: (ولو أرادوا الخروج) أي: معك إلى الغزو (لأعدوا له عُدة) أي: لكانوا تأهبوا له، (ولكن كره الله انبعاثهم) أي: أبغض أن يخرجوا معك قدرًا، (فثبطهم) أي: أخرهم، (وقيل اقعدوا مع القاعدين) أي: قدرًا.

ثم بين الله تعالى وجه كراهيته لخروجهم مع المؤمنين فقال: (لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالًا) أي: لأنهم جبناء مخذولون، (ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة) أي: ولأسرعوا السير والمشي بينكم بالنميمة والبغضاء والفتنة، (وفيكم سماعون لهم) أي: مطيعون لهم ومستحسِنون لحديثهم وكلامهم، يستنصحونهم وإن كانوا لا يعلمون حالهم، فيؤدي هذا إلى وقوع شر بين المؤمنين وفساد كبير.

إذًا نعم كرِهَ انبعاثهم ليس لأنهم تكاسلوا عن الطاعة بل لأنهم لو خرجوا لأوضعوا خلالهم يبغونهم الفتنة وهذا ليس بدليل في كرهِ اللهِ عبادة الرجل بل قطعِ أذاه عن المسلمين ولكيلا يضعف صف المسلمين في المعركة بسبب النميمة والفتن التي يسعَون وراءها.

فلا أظن الله يكره طاعة أحد… والله أعلى وأعلم.


المراجع

[i] البخاري (باب رَحْمَةِ الْوَلَدِ وَتَقْبِيلِهِ وَمُعَانَقَتِهِ) ومسلم (باب في سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَه)


كتبه: فهمي آل الشيخ

3810

الكاتب

ضيوف تبيان

يمكن للكتّاب والمدونين الضيوف إرسال مقالاتهم إلى موقع تبيان ليتم نشرها باسمهم في حال موافقة شروط النشر، راسلنا على البريد: tipyanmedia@gmail.com.

التعليقات

  • ابو سعود منذ 6 أشهر

    وفقكم الله

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.