تاريخ الإسلام السياسي في مصر

Want create site? Find Free WordPress Themes and plugins.

من ذكريات طفولتي مشهد مكرر: بعد فشل الفأرين “بينكي وبراين” في السيطرة على العالم بسبب غباء يحدث في العادة عن طريق بينكي فيقول جملته المشهورة ” ماذا سنفعل الليلة يا براين؟ ” فيأتي جواب براين بكل ثقة “ما نفعله كل ليلة يا بينكي: نحاول السيطرة على العالم”.

لم أتخيل في صغري أن ذلك المشهد الطفولي موجود أيضًا في عالم الكبار، وأنه شبه دستور يجب أن يسيروا عليه، حيث يبدأون مرحلة جديدة من تاريخهم بالنضال والكفاح، ثم النجاح المؤقت، ويتبعه الاستدراج للأخطاء، وفي النهاية نراهم يرددون بكل ثقة “ما نفعله كل حقبة زمنية يا شعبنا”، وتستمر الحكاية.

من المألوف لدينا اليوم سماع: مؤبد، إعدام، السجن 10 سنوات، جماعات إرهابية، اتركوا البلد وهاجروا، مرتزقة، مثيري شغب، فوضى، تمويل، أجندات خارجية، مؤامرات كونية، وإذ فجأة نسمع ما يشبه النشاز ما بين: براءة، عدم اختصاص، ليست منظمات إرهابية، جزء من الشعب، الإعدامات لن تنفذ! ماذا حدث؟! هل كنا في كابوس واستيقظنا؟ أم كنا سكُارى وانتهى مفعول المخدر؟ هل حلت نسائم العقل على مستنقعنا، أم أنها مزحة وستسخرون منا في نهاية الأمر؟ .. لقد عرفت إنها الكاميرا الخفية!

هذا الأمر المحير الذي نشهده اليوم إذا سمعه أبناء التسعين والمائة لن يستغربوه مثلنا، بل ستراهم يكملون لنا ما سيحدث، فنظنهم يشاهدون مستقبلنا في كراتهم البلورية. في حين أننا لا ندري أن تلك الكرات البلورية موجودة لدينا جميعًا، ولكننا لا نهتم بقراءة ما تحويه بقدر ما يهمنا أن نضع تلك البلورات بشكل جمالي يزين غرفاتنا، فكتب التاريخ عند البعض وظيفتها تزيين المكتبات وإضفاء نوع من الفخامة على الرفوف ليس إلا.

تاريخ من الخداع والاستخفاف بالعقول:

من يتتبع تاريخ –ما يطلق عليه-الإسلام السياسي عمومًا وجماعة الإخوان المسلمين خصوصًا يلاحظ ذلك الكم من المرات التي خُدِع فيها الإسلاميون تحت مسميات عدة لم يكن بينها قاسم مشترك سوى التماس الأعذار من الجانب الإسلامي وكأنهم لم يمر عليهم يومًا ” لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين”.

الملك فاروق والإنجليز:

الملك-فاروق
كانت بدايات ظهور الصحوات الإسلامية في مصر بعد سقوط الخلافة الإسلامية على هيئة جماعة اختارت لنفسها طريق الدعوة على يد الإمام حسن البنا تحت اسم “جماعة الإخوان المسلمين” ومع انخراط تلك الجماعة مع الشعب وتوالي الأحداث السياسية بالإعلان الرسمي عن قيام الدولة اليهودية على أرض فلسطين اتجهت هذه الجماعة للجهاد ضد اليهود في 1948 فزاع صيتها وامتدت إلى بلاد الشام. وعلى إثر ما قدمته الجماعة من تضحيات وثبات عند لقاء العدو والقدرة غير الطبيعية على تكوين جيوش تتقن “حرب العصابات ” . في يوم 8 ديسمبر 1948 قرر النقراشي رئيس وزراء مصر وقتها بصفته الحاكم العسكري أن تُحل جماعة الإخوان المسلمين مستندًا إلى التقرير الذي رفعه عبد الرحمن عمار مدير الأمن العام –كذبًا وافتراءًا – عن جرائم الجماعة التي توجب حل الجماعة ولست بحاجة هنا إلى تعديد تلك التهم أو معرفة الإجراءات التي اتُخِذت ضد الجماعة؛ فالأحداث الجارية اليوم كفيلة بذكرها وكأن الطغاة دائما يستقون من منبع واحد ويستوردون تلك التهم المعلبة من نفس المصدر.

ولكن الأسباب الحقيقية لحل الجماعة والتي كانت معروفة لدى معظم أفراد الجماعة هي: –
1-رغبة الاحتلال البريطاني في تصفية كل من يمكنه المقاومة ضد مطامعه الاستعمارية في البلاد.
2-معرفة أعضاء الجماعة للحقيقة الكاملة عن أسباب الفشل في حرب 1948 والتي كانت تتعلق بالدولة المصرية وجيشها.
3-خوف الحكومة من فوز الإخوان في الانتخابات البرلمانية وتمكنهم من تكوين الحكومة.
هذا كان أول صدام مباشر للجماعة مع السلطة والنظام الحاكم “البريطاني” فهل استفادت منه وفهمت الدرس؟ أم أنها اكتفت بتقديم التضحيات وأرواح أبنائها ومرشدها نفسه الذي اُغتيل في هذه الحملة الأمنية على الجماعة؟

اقرأ أيضا: ذكــرى المجـــازر، هل أدركــنا الخـطـأ وتعلــمنا الــدرس؟

عبد الناصر:

عبد الناصر والاخوان
من الواضح أن الجماعة لم تسلك منهجًا مختلفًا ولم تعي الدرس بعد، فبعد تلك الصفعة من حكومة النقراشي عادت الجماعة لتأخذ مثيلتها، ولكن هذه المرة من جمال عبد الناصر. فبعد مساعدة الإخوان للضباط الأحرار في القيام بانقلاب 1952 أُلقي بالإخوان في السجون خوفًا من خطرهم على قرارات الشارع المصري.

أصل القصة يبدأ قبل 1952 كما ذكر كوبلاند في كتابه “لعبة الأمم”، فلقد علمت الحكومة البريطانية والأمريكية أن الوضع في مصر متجه إلى ثورة تطيح بالنظام الملكي، لكن الحكومة الأمريكية لم ترد للشعب المصري أن يعيش طريق الحرية في اختيار حاكمه فحاولت الحكومة المصرية تحت إرشاد السيد الأمريكي أن تصلح الأوضاع قدر الإمكان، وهو ما قد تم. لكن تلك الإصلاحات لم تُهدأ من روع الشعب الثائر تحت قيادة الشيوعيين والإخوان المسلمين، فاضطرت الحكومة الأمريكية إلى عقد اجتماعات سرية مع الضباط الأحرار إيمانًا منهم أن العسكريين هم القادرون على السيطرة على هذه الثورة غير المعلومة عواقبها، وهو ما قد كان.

تقدمت قيادات الضباط الأحرار بعمل اجتماعات سرية مع قادة الإخوان لإظهار الأمر على أنه انقلاب على النظام الملكي والسماح بحكم ديمقراطي في مصر، وكالعادة صدّق الإخوان وعود الضباط الأحرار بقيادة الواجهة – محمد نجيب – والقائد الفعلي الذي كان يدير زمام الأمور عبد الناصر وبعد تمكن العسكريين من القيام بالانقلاب وصعود محمد نجيب للحكم وانقلاب عبد الناصر عليه، قام عبد الناصر بإلقاء معظم قادات الإخوان في السجون مع مرشدهم بعد فشل عبد الناصر في إقناع بعض قيادات الإخوان بتحويل دعوتهم إلى حزب سياسي ليتم حله فيما بعد في 1954، لكن عبد الناصر لم يكترث وقام بحل الجماعة بالفعل. فبعد مساعدته في إظهار الأمر كانقلاب عسكري، قام بالخلاص منهم في السجون، في هذه الفترة كان محمد نجيب قد جمع قوته ومعاونيه وقام بعمل انقلاب على عبد الناصر لكنه لم يحاكم عبد الناصر ولم يقربه بسوء بل جعله يعود إلى مركزه العسكري بكل هدوء.

فهل يركن الإخوان إلى نجيب؟ وهل يقومون بالانتقام من الطاغية الذي رمى بهم في السجون؟

عودة عبد الناصر للحكم:

إذا كانت إجابتك نعم، فأنت لا تعلم الإخوان جيدًا. فعلى عكس المتوقع اتخذ عبد الناصر الإخوان سلمًا للحكم للمرة الثانية في أقل من عامين، وذهب لهم في مكان احتجازهم واتفق معهم على أن ينفي تهمتي التخابر مع بريطانيا والخيانة العظمى عنهم، ويقوم بزيارة المرشد في منزله وينشر ذلك في الجرائد الرسمية.

وبلع الإخوان الطعم مرة أخرى، وعاد عبد الناصر للحكم على دماء الإخوان. وبالطبع كما اعتدنا؛ أجل تم إيداع الإخوان في السجون مرة أخرى. فبعد تخلص عبد الناصر من كل الأحزاب السياسية في 1954 كان الدور على جماعة الإخوان وهو ما حذر منه بعض الكتاب الماركسيين.

لم تسر الأمور على ما يرام مع الإخوان فحادث المنشية في 26 أكتوبر 1954 يعد نقطة التحول في علاقة النظام ” الناصري” والإخوان المسلمين حيث استغل عبد الناصر إطلاق رصاصات عليه – لم تصبه – من شاب خلال مؤتمر لعبد الناصر في القضاء على القوة الشعبية الباقية في البلاد وهي جماعة الإخوان المسلمين حيث أًعدم 6 من بينهم أحد قيادات الإخوان واعتقل 861 .
ولفهم هذا الفترة الغريبة من تاريخ الحركة الإسلامية؛ فما عليك سوى استحضار صورة الوضع المصري بعد 30 يونية، فالوضع كان يشبه إلى حد كبير وضعنا الحالي في 30 يونية مع اختلاف الأدوار ففي 1952-1954 كان عبد الناصر يحارب جميع الأحزاب ولم يُبقي إلا الإخوان على عكس 30 يونية حيث حارب النظام الإخوان وأبقى على باقي الأحزاب، لكن دائمًا الصفقات العسكرية لا تدوم طويلًا، سواء في العهد الناصري أم العهد الحالي وباع العسكر حلفاء الأمس لينفرد بالسلطة بدون معارضة.

السادات

اغتيال السادات
عندما أتى السادات إلى الحكم بعد اغتيال عبد الناصر اتبع سياسات جديدة اضطر فيها إلى تقريب الإخوان المسلمين منه لمحاولة القضاء على الشيوعية والناصرية.

بعد سقوط الخلافة الإسلامية تفرق المهتمون بأمر المسلمين على ثلاث طوائف :-
الطائفة الأولى: رأت أن لا سبيل لعودة الخلافة سوى بالدعوة ونشر الوعي وصاحب هذه المدرسة هو الإمام حسن البنا.
الطائفة الثانية: رأت أنه لا توجد عزة للمسلمين بغير الجهاد وكانت تلك هي مدرسة “الجماعة الإسلامية”
أما الطائفة الثالثة: فرأت أن السبيل هو العلم الشرعي حتى يحصل التمكين وكانت المدرسة السلفية.

خلال فترة حكم السادات شهدت الساحة ظهور مدرستي ” الإخوان والجماعة الإسلامية” إلى جانب ظهور غير قوي للسلفية وبعض الحركات الجهادية الأخرى. وحسب رواية “صلاح هاشم” أحد مؤسسي الجماعة الإسلامية وعضو مجلس شورتها حيث قال في حوار له مع موقع “إسلام ويب”: “موضوع دعم النظام لنا لا يمكن أن ننكره، الفكرة أن السادات كان له أعداء ناصريون، يسار، شيوعيون، نصارى – كان السادات وقتها في حيرة وأشار عليه البعض أن يُفسح المجال للحركات الإسلامية لكي يعمل حالة توازن مع باقي التيارات وهو الأمر الذي كان مهندسه محمد عثمان إسماعيل رحمه الله محافظ أسيوط حيث كان يتعاون معنا ويستجيب لكل مطالبنا فكان يدعمنا في المعسكرات والزى الإسلامي من صندوق المحافظة وهو ما استفاد منه الإخوان بتعزيز صفوفهم.”
وهكذا صعدت الجماعات الإسلامية في عهد السادات وأصبحت كلمتها مسموعة بدعم من النظام، لكن للأسف لم تستغل هذه الجماعات هذا الرضا الحكومي عنها والعمل تحت قيود بسيطة في أن تنشر الوعي الكافي بين الطبقات المصرية والإعداد لرجوع الخلافة الإسلامية والذي كان في الأصل أساس تواجدهم.

وكأن الله أراد معاقبتهم على عدم استغلال الفرصة، حيث سلك السادات مسلك عبد الناصر فقام بحملة اعتقالات سبتمبر 1981 والتي نتج عنها اعتقال 1536 معتقل من مختلف القوى المعارضة بما فيهم المسيحيين واغلاق جميع الصحف المعارضة ومصادرة أموالها.

ثم كان الخطأ الأكبر الذي ارتكبته الجماعة الإسلامية باغتيال السادات؛ لقد رأوا أن السادات حاكم طاغوتي يحكم بغير ما أنزل الله، فهل كانت الجماعة الإسلامية لديها البديل لذلك الحاكم الطاغوتي؟ أم هل كان لديها رؤية واضحة لما ستفعله بعد قتل السادات؟ أم هل ضمنت أن من سيأتي بعده سيكون حاكمًا بالشرع النبوي؟ وهذا ما أقره “كرم زهدي” من أن اغتيال السادات كان خطأ من الجماعة ندموا عليه حيث قال “أنا أخطأت في قرار قبولي لعملية اغتيال السادات أقولها صراحة لقد أخطأت ولو أنني استقبلت في أمري ما استدبرت لما شاركت في قتلة بل ونبهت عن ذلك الأمر”.

وبعيدًا عن الخوض في كل تلك الأقاويل عن حادثة اغتيال السادات إلا أن جميعها تشير إلى سيطرة كبيرة للقوى الإسلامية داخل الجيش المصري وهو ما كان واضحًا وبشدة في فكرة الهجوم بشكل مباشر على المنصة من الأمام، كما كان واضحًا أيضًا في البدائل التي كانت مطروحة آنذاك منها مهاجمة المنصة بواسطة إحدى طائرات العرض العسكري أو مهاجمة استراحة السادات أثناء إقامته فيها.

مبارك:

مبارك
بعد اغتيال السادات لم يُرِد مبارك لنفسه نفس مصير السادات فكان أمامه أحد خيارين للتعامل مع الموقف:
1-التشديد على كل ما هو إسلامي سواء الجهاديين أو الإخوان، ولكن هذا الخيار ليس مأمون العواقب لأن فئة من الإسلاميين اتجهوا بالفعل إلى حمل السلاح وتنفيذ ذلك الخيار يضم لتلك الفئة فئة أخرى أكثر تنظيمًا وأكبر عددًا؛ فتجنب النظام ذلك الخيار.
2- مواجهة الجماعات الجهادية فقط، وكان ذلك هو الخيار الأكثر حكمة للنظام لأن هذا الخيار يحيد الإخوان وهم قوة نظامية كبيرة، كما أنه يحظى بتأييد شعبي واسع وبالطبع لا يزعج النظام العالمي.

اقرأ أيضا: دروس من فشل الثورة.

وبسبب اختيار الموقف الثاني رأى السلفيون عمومًا والجهاديون خصوصًا أسوأ أيام حياتهم ومن منا لم يسمع عن مصير من ذهب إلى أمن الدولة: فإما الخروج بعاهة مستديمة أو الخروج محمولين على الأكتاف، بالطبع هذا حال الذين خرجوا من أبواب أمن الدولة ، فهناك من لم يخرج من تلك المباني الملعونة وعلم ذويهم فيما بعد بدفنهم في أمن الدولة في المقابر الجماعية.
إلى جانب استخدام مبارك للقمع الأمني تحت مسمى “أمن الدولة”، استخدم أيضًا السلاح الأكبر أثرًا وهو الإعلام . فأصبح المجتمع المصري في حالة ذعر من هؤلاء أصحاب اللحى والذي يحجب مبارك خطرهم عن الشعب وأصحب المسمى الدارج لهم بين عامة الشعب هو “السنيين”.

كان هذا السخط على السلفية والرضا تحت حالة من الترقب عن الإخوان في فترة الثمانينات والتي استغلها الإخوان لإعادة البناء الداخلي للجماعة حيث قاموا بتغيير بعض من الفكر القطبي والذي كان يشكل الدستور داخل الجماعة ولكنهم رأوا أن بعض من فكر سيد قطب لم يكن مسايرًا لواقع الثمانينات، لكنهم أخطأوا في ذلك الحكم فغيروا وجهة الجماعة عن الطريق الذي تأسست للسير عليه؛ فدخلوا تحت تحالفات للقبة البرلمانية وقد نجحوا في استحواذ المقاعد وتحولوا إلى اتجاه سياسي وليس دعوي أو خيري فقط، لكنهم تناسوا أساس تكوين الجماعة وهو محاولة لإعادة الخلافة، ونقلا عن إخوان ويكي:

” وقد عملت الجماعة على زيادة حضورها السياسي والمجتمعي بعدما حسمت الكثير من القضايا التي كانت عالقة دون إجابات واضحة، وأهمها: مفارقة العمل السري، والقبول بمبدأ التعددية الحزبية، وحسم خيار المشاركة السياسية كسبيل وحيد للإصلاح التدريجي.”

ومن هذا المبدأ بالذات يأتي خلاف معظم معارضي الإخوان: حيث يعتبرهم البعض حركة إصلاحية لا تميل ولا تستطيع التغير الجذري وهذه نقطة في غاية الأهمية سنعيد تناولها في موضع آخر، أما البعض الآخر يرى أن الإخوان تحولت عن الجهاد ومواجهة الحكام الظلمة إلى الانخراط في نظام هؤلاء الحكام.

ظل الوضع في الثمانينات بين اضطهاد للجماعات الجهادية السلفية وتوسيع الصلاحيات للإخوان كخيار لمواجهة الراديكاليين ومحو فكرهم من الذاكرة الإسلامية. لكن تلك الفترة الذهبية ذهبت أدراج الرياح في التسعينات حيث ازدادت قوة الإخوان داخل الشارع المصري واستشعر النظام خطر ذلك التمدد الذي سمح به للجماعة، ورأى أنه من الواجب القضاء على تلك القوة التي ربما تنازعه السلطة فيما بعد.

وحين استقر لمبارك الأمر وثبتت أركان دولته اتجه لمسار سابقيه وأعلن الحرب على كل من يعارض النظام عن طريق أمن الدولة والمحاكمات العسكرية ولكن هذه المرة للمدنيين، وبنهاية التسعينات خلُص النظام إلى نتيجة هامة وهي

 أنه لا مشكلة لوجود الإخوان فوق السطح ومعرفة تحركاتهم حتى لو استحوذوا على البرلمان، لكن المشكلة تكمن في عودتهم للعمل السري.

في بداية الألفية الثانية اشتد تضييق النظام على الإخوان من خلال أذرعه الأمنية إلى جانب الأذرع الإعلامية واستمر هذا الوضع حتى 2005 حيث شهد هذا العام تقدم غير طبيعي للإخوان على الساحة السياسية ليس الإخوان فقط، فلقد ظهرت لأول مرة قنوات فضائية ذات طابع إسلامي بدأت بقناة “الناس”.

ودون الدخول في تفاصيل كثيرة فوجود الإخوان على الساحة السياسية بقوة يعد مطلب عالمي لا دخل للنظام المصري به، حيث أوصى تقرير راند لعام 2005 بضرورة صعود الإسلام “الوسطي أو المعتدل” إلى الحكم، خوفًا من انتشار الفكر الجهادي داخل الدول الإسلامية والذي يعد خطرًا على الكيان الصهيوني وبالطبع على الوجود الأمريكي، حيث حمل التقرير عنوان “العالم الإسلامي بعد 11 سبتمبر”.

صادفت نسائم الثورة التونسية في طريقها إلى العالم العربي والإسلامي ثورة من الغليان غير المعلنة داخل نفوس الشعب المصري؛ فأحدثت ثورة الخامس والعشرين من يناير والتي قاطعها مكتب الإرشاد في بدايتها لكن شباب الجماعة لم يصغي لهم وشاركوا في ثورتهم منذ بدايتها.

المجلس العسكري:

المجلس العسكري
بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير شهدت الحركات الإسلامية حرية غير مسبوقة وصورة أنقى لدى الشعب بعد تلك التي شوهها مبارك وجهازه الإعلامي. وفيما اضطر المجلس العسكري لتسلم مقاليد الحكم بعد الثورة خوفًا من أن يفسد ذلك الشعب الهمجي – من وجهة النظر العسكرية – تلك الدولة بعمقها ومصالحها والتي أنشأها الجيش منذ انقلاب  1952.

ولقد كانت المؤسسة العسكرية حديثة عهد بالسياسة بالرغم من العقود الستة التي قضتها في الحكم، فلقد اعتادت المؤسسة على الحكم بما يرضيها بمبدأ “نحن من قمنا بالثورة”، فشهدت المؤسسة بعض التخبط في إدارة شئون البلاد في بداية الفترة الانتقالية لحرصها على تحجيم بعض السلطات التي اكتسبها الشعب نتيجة الثورة وإعادة السلطة إلى ديارها العسكري من جديد بعدما بدأت تلك الأطماع المدنية تطاردها. وفي نفس الوقت لم ترد التكشير عن الوجه العسكري لذلك الشعب الثائر والذي لا يجب التعامل معه إلا بالهدوء والتسويف حتى يهدأ ثم تسيطر عليه من جديد.

استمرت الأمور على الوجه الذي يرضي المجلس العسكري وصناع القرار حتى جاء الصدام الأكبر منذ الثورة بأحداث محمد محمود والتي أظهرت الوجه العسكري بوضوح أمام الشعب مما اضطر المجلس العسكري للإعتذار أثناء اعتصام محمد محمود والذي طلب فيه الشباب بما فيهم شباب الإسلاميين “وليست القوى الإسلامية” من الجيش تسليم السلطة للشعب، لكن الجيش تعامل مع المعتصمين بكل وحشية، فيما تخلفت جماعة الإخوان المسلمين عن المشهد كما أطلق مرشدهم على نزول الإخوان في هذا اليوم “المفسدة الكبرى” وكانت تلك هي حجتهم وحينما سأل عمرو الليثي المرشد عن وصفه نزول الإخوان بـ “المفسدة الكبرى”، قال بديع: “إنه مشهد متداخل عن عمد”، محذرًا من “استدراك جماعة الإخوان لمشهد مبهم.” وتابع: “كان الهدف هو إشعال فتنة يكون وقودها الإخوان المسلمين، ليشتعل الحرب بين الإخوان والشرطة العسكرية والداخلية”، الحقيقة أن هذه الواقعة تعد بداية الاختلاف بين الإخوان المسلمين والثوار من القوى الليبرالية والاشتراكية.

وبدأت حملة من البغض ضد الإخوان تنتشر بين صفوف من حضروا أحداث محمد محمود حيث أطلقوا العبارة الشهيرة “الإخوان باعونا في محمد محمود” ولكن أصداء تلك العبارة لم تصل إلى رجل الشارع العادي لأنه في الأغلب لم يسمع عن تلك الأحداث الكثير؛ فعلى نهج مبارك في السيطرة على الإعلام سار المجلس العسكري.
أثبتت انتخابات مجلس الشعب فيما بعد أن شعبية الإخوان وذراعهم السياسي “حزب الحرية والعدالة” لم تتأثر بتلك الجمل والعبارات المتداولة بين الثوار، فلقد استغل الإخوان مساحة الحرية الموجودة خارج الإطار السياسي في إقامة دروس العلم ونشاطهم الخيري اللذان طالما اشتهرت بهما الجماعة، وكان الإعلام بالطبع لا يمانع ما هو خارج الإطار السياسي.

وظهرت بقوة الدعوة السلفية وذراعها السياسي “حزب النور” واستمر نجم الجماعة الإسلامية في الاختفاء. فيما استحوذ النور والحرية والعدالة على أغلبية البرلمان في اتفاقات بينهما غير معلنة ولكنها كانت واضحة أثناء عقد البرلمان، بعد فترة من الحرية والتي كانت ممنوحة للجميع طالما لم يتحدث عن الحكم؛ فبدأت دولة مبارك في الظهور وبالتالي الألة الإعلامية وأخدوا التشويه فيما هو إسلامي وما هو ثوري، نعم لم أجمع بين ما هو إسلامي” أقصد النور والإخوان” وما هو ثوري فلقد بدا الانشقاق واضحا بين المعسكرين حيث اتجه الإسلاميون إلى الوصول إلى الحكم واعتمدوا في ذلك على طبقات الشعب باستثناء الطبقة الثورية، متجاهلين عودة رجال مبارك واشتداد ساعدهم ومتجاهلين تلك المحاكمات الهزلية لمبارك وبعض رجاله. فيما كان هم الثوار الأكبر عودة الأموال المنهوبة وإعدام قاتلي الشباب في الثورة.

لم يرضي نهج الإخوان والدعوة السلفية كثير من الشباب الذي بدأ يسمع عن دينه بحُرية فاتجه كثير من الشباب إلى معسكر “الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل” والذي مثَّل بداية نقلة كبيرة في تاريخ الإسلام السياسي في مصر حيث طرح الفكر الإسلامي بصورة غير التي اعتدناها من أحكام الفقه والحديث، طرحه كمنهج كامل.. بالطبع اعترى طرحه بعض النقصان تغاضى عنه الشباب في مقابل تلك البصيرة النافذة التي أدت إلى خروجه من الانتخابات البرلمانية حيث طالب بإقامة محاكمات علنية للمجلس العسكري من أجل ما حدث في فترة تولي المجلس أمور البلاد. كان منهج أستاذ القانون حازم أبو إسماعيل يعتمد الوضوح وما أسماه البعض “المنهج الثوري الإسلامي” مما دفع شباب كثر لترك تلك الحركات المعروفة بمنهجها الثوري والاتجاه إلى فصيل ما أطلق عليه إعلاميًا “حازمون”.
كما كان لشبكات التواصل الاجتماعية دور هي الأخرى في هذه الفترة حيث ظهر أشخاص يحملون أمر الدعوة ونشرها بين الناس وكذلك صفحات قامت بحملات لإظهار أصول الدين والتي غُيبنا عنها وإظهار مصادر قوتنا وإزاحة الستار عن فترات من تاريخنا شوهها أعداؤنا وكانت الصفحة الأبرز “ضد الهيمنة “، كما بدأت بعض الحركات استغلال مساحات الحرية الموجودة في شبكات التواصل لإيصال فكرها إلى عدد أكبر من المهتمين كحركة أحرار والتي رأت أنها تنادي بالثورة من وجهة النظر الدينية حيث أعلنوها “ثورتنا من ديننا” وخرجوا عن المألوف فوجهوا تركيزهم تجاه النظام العالمي وسطوته على المسلمين وليس فقط تجاه أنظمة الحكم المحلية حيث يرون أنهم عملاء للنظام العالمي.

كما كان من الظلم التأريخ للجماعات الإسلامية في مصر في مقال لا يتعدى بضع صفحات فإنه من الظلم أيضًا ذكر تلك الشخصيات والفصائل في بضعة أسطر.

صعود الإخوان للحكم:

محمد مرسي
بعد حصولهم على أعلى نسبة تصويت في الانتخابات البرلمانية رفضوا المشاركة في الانتخابات الرئاسية ثم سرعان ما قاموا بتغيير وجهتهم ودفعوا بـ “الشاطر” واستُبعِد مع مَن استُبعد من المتقدمين لانتخابات الرئاسة وبينهم المرشح الرئاسي الأبرز “حازم أبو إسماعيل”، فكان الدور على “محمد مرسي” الذي وصل لانتخابات الإعادة مع مرشح الفلول ” أحمد شفيق”.

  • بالطبع اتفق الإسلاميون الذين فرقوا أصواتهم في المرحلة الأولى بين المرشحين على تأييد “مرسي” في انتخابات الإعادة فيما انقسم الثوار إلى طريقين: منهم من أيد مرسي كي لا تضيع أحلام الثورة بين الفلول، ومنهم مع قلة من الإسلاميين اتجهوا إلى المقاطعة.
  • وانتهت الانتخابات بفوز ” محمد محمد مرسي عيسى العياط ” وسط استقبال حافل للنتيجة من قبل المعتصمين داخل التحرير خوفًا من تزوير النتيجة لصالح نظام مبارك. شهد بالطبع عهد الإخوان عصرًا ذهبيا للإسلاميين وكذلك لغير الإسلاميين حتى نظام مبارك الذي أعاد نفسه للحياة السياسية مرة أخرى وكأن ثورة لم تقم، وهنا نعود إلى ما تحدثنا عنه سابقًا من خطأ منهج الإخوان الإصلاحي والذي ضيع على مصر عمومًا والإسلاميين خصوصًا فرصة قلَّما نحظى بمثيلتها من جديد؛ فمع سيطرة الإخوان والسلفيين على البرلمان وسيطرة الإخوان على الحكم لم يقيموا الشرع كما وعدوا وكما كانوا يتغنون دائمًا بقولهم “قرآننا دستورنا” ..”الإسلام هو الحل شرع الله عز وجل ” مما دفع شباب حركة أحرار إلى تعليق لافتة مكتوب عليها ” فلا الشريعة قد علت ولا حكم العسكر قد سقط”.
  • أتاح منهج الإخوان المتخاذل الفرصة لإعلام الفلول لإسقاط كل ما هو متعلق بمكاسب الثورة بل وقد أدى إلى إسقاط الإخوان أنفسهم في 30 يونية 2013 أي بعد عام واحد من الحكم. فيما اتجهت الدعوة السلفية إلى الانفصال عن حزب النور، وعادت جماعة الإخوان إلى المعتقلات، هذا العام الذي حكم فيه الإخوان وانتهى بإخفاقهم في السيطرة على مجريات الأمور، حمل الكثير من التفاصيل والتحويلات في مسار الحركات الإسلامية وربما الوجود الإسلامي نفسه داخل مصر. ومناقشته ستأتي في تقرير منفصل.

في النهاية أود أن أخبرك يا من ضقت ذرعًا بكلماتي تلك: لم أكتبها إلا بدافع النصح وانطلاقًا من قول ربنا “وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين”، أعلم أنكم تحملون الخير بداخلكم وأعلم أيضًا أننا جميعًا بشر؛ نصيب ونخطأ، لكنكم أخطأتم فيما لا يجب السكوت عنه، ربما كان دافعكم الخير والتمكين لكنكم أخطأتم الطريق إليه، أرى أيضًا أنكم انحرفتم عن طريقكم الذي رسمه الإمام “حسن البنا”، ولكن هذا الانحراف تأثرنا نحن أيضًا به وعانينا آثاره. لقد ابتُليتم بقادة فضّلت النصر المؤقت على المدى القريب على حساب النظر في صحة الطريق ومواجهة الأخطاء التي قد اعتلت المنهج، لم يقفوا عند هذا الحد بل اتهموا كل من أراد النصح لهم بأنه لديه هواجس.

راجعوا طريقكم ومنهجكم الذي مِن أجله أُنشأت الجماعة، تخلصوا من سطوة هؤلاء الذين وضعونا في هذا المأزق وأضاعوا علينا فرصة لا يعلم أحد متى تأتينا مثيلتها. وتذكروا دائمًا “لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين”.

أحفظوا التاريخ لا للمعايرة، بل لكي لا تتكرر المآسي

1072

Did you find apk for android? You can find new Free Android Games and apps.
الكاتب

دينا راغب

مهندسة حاسبات ونظم تحكم، كاتبة لمقالات رأي، ومحررة للأخبار، أهتم بقضايا المسلمين والمستضعفين، وأهوى القراءة والتدوين. ببساطة: أحلم خارج المسارات.

اترك تعليقًا

*
*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.