الحاكمية عند سيد قطب

Want create site? Find Free WordPress Themes and plugins.
  • رد على مقال الحاكمية بين الغزالي وسيد قطب للدكتور محمد عمارة

يقول الشيخ الغزالي:

الحاكمية كلمة دخيلة، فإذا كان لا حكم إلا لله، فهي كلمة حق أريد بها باطل

ويقول الدكتورة عمارة: “إن كلمة الحاكمية لله، سبق وقالها-قبل سيد قطب -ناس أرادوا بها الاعتراض على قبول الإمام “علي” التحكيم بين الناس في بعض الأمور، مع أن الله قد أباح التحكيم بين الزوجين، فما المانع أن يكون هناك حكمان، يبدي هذا الرأي ويبدي هذا الرأي الآخر، والحاكمية لله”.

ولقد أرجع الشيخ الغزالي خطأ الأستاذ سيد قطب، فيما كتبه عن الحاكمية، إلى سببين:

أولهما:

الظلم الذي وقع عليه من قبل نظام ثورة يوليو، الأمر الذي جعله “ينفرد برأي أملته عليه ظروف المحنة التي وقع فيها. فالأستاذ سيد له ابن أخت سجن ظلمًا وعدوانًا، ثم إنه رأى في السجن بلاءً كثيرًا، والواقع أن محاكمته كانت مهزلة، فالرجل كتب كتابة فيها حدة وعنف ضد الحكام وتأول آيات القرآن على أنه لابد من اشتباك صريح مع هؤلاء، وهذا ليس من الممكن”.

السبب الثاني

الخطأ في تفكير الأستاذ سيد:

أن الرجل من الناحية الفقهية كان ضحلًا، ليس متعمقًا أو جامعًا لما لابد منه من الأحكام الفقهية، ولذلك يقول كلامًا يستحيل أن يقبله الفقهاء، مثل: اجعلوا بيوتكم قبلة لتكون مساجد وصلوا فيها وهذا كلام لا يمكن أن يكون مقبولًا، والسبب في ذلك أنه غلبت عليه عاطفة اعتزال المجتمع وضرب الحاكم. ا.هـ

نقد كلام الدكتور عمارة والشيخ الغزالي

في كلام الدكتور عمارة وما نقله عن الشيخ الغزالي-رحمه الله-مغالطات كثيرة، وظلم كبير للعلاّمة المجتهد سيد قطب-رحمه الله- وغمطٌ لحقه، واستهانةٌ بفكره، ولأن تحقيق مفهوم الحاكمية عند قطب يحتاج إلى بحث مطول، فإننا نكتفي ببعض الإشارات البسيطة بما يتناسب مع طبيعة المقال.

ليست كلمة دخيلة

إن الحاكمية ليست كلمة دخيلة، فهي مجرد اشتقاق من لفظ “الحكم” مثل اشتقاق كلمة “الربوبية” من الرب سبحانه وتعالى؛ فإذا كانت الربوبية لله وحده، فإن مقتضى ذلك الخضوع لحكم الله وحده، فتكون “الحاكمية لله”.

ليس فهم الخوارج

وأما قولهم: “فإذا كان لا حكم إلا لله، فهي كلمة حق أريد بها باطل” دون بيان لما هو الباطل، وتلميح صريح، بأن فهم قطب للآية هو فهم الخوارج الذين كفّروا علياً كرّم الله وجهه ورضي عنه. ولذلك زاد الدكتور عمارة بالشرح، تأكيداً لمقصد الغزالي بأن فهم قطب للآية هو فهم “الخوارج” ! وهذا ظلم بيّن لرجل عاش حياته يدافع عن قضية “الشريعة” ومواجهة العلمانية، وهو أبعد ما يكون عن فهم الخوارج.

مفهوم الحاكمية من دلالات الآيات القرآنية

إن مفهوم الحاكمية عند سيد قطب، هو ما فهمه من دلالات الآيات القرآنية مثل: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ} {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} {وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} {فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}  {فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ} {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} {أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً} {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ}. فمن مجموع دلالات هذه الآيات-وغيرها كثير-يتبين مفهوم الحاكمية؛

  • فهي تعني: الحاكمية العليا لله في تسيير هذا الكون كله، ووضع سننه وتدبير شؤونه، وإمضاء أمره، فالله يحكم لا معقب لحكمه.
  • وتعني: أن الله مالك يوم الدين هو الذي يفصل بين الناس فيما كانوا فيه يختلفون ويحكم بينهم، ولا يظلم ربك أحدا.
  • وتعني: أن الله هو الذي يُشرع لعباده، وهو الذي يُبين لهم سبحانه الصواب من الخطأ، والحق من الباطل، والإيمان من الكفر، فلا حكم إلا له سبحانه

وهذا المعنى هو الذي ركز عليه قطب-رحمه الله-في وقت انتفشت فيه العلمانية لتقلب كل موازين الإسلام، وترد الحكم للبشر لا لله، ليضعوا بأهوائهم تشريعات وتصورات مناقضة تماماً لمنهج الإسلام، فصورت الإنسان قرداً، وآلة للجنس، وعابد للمادة، وصورت الحياة-كحال الجاهلية الأولى-لحظات للتمتع، وما يهلكهم إلا الدهر، ووضعت أحكاماً بأهوائها لم ينزل الله بها من سلطان، فقال سيد كلمته: “إن الحكم إلا لله” هو الإله الذي وحده يُشرع، وهو الرب الذي لشرعه نخضع، فالحكم لله هو إعلان تحرير للإنسان من الاستبداد القهري أو الاستبداد الاختياري، وتحرير له من كل صور الجاهلية التي تريد أن ترده إلى أسفل سافلين.

أما كيفية تنفيذ وإقامة هذا الشرع

فالمسألة كانت واضحة عن قطب بشكل مميز، فهو أولاً عرّف الشرع بأنه: “كل ما شرّعه الله لتنظيم الحياة البشرية”، ودور المسلمين هو في تنزيل هذه الأحكام على واقع الحياة، من خلال “الفقه الإسلامي” وقال بوضوح ما فيه نص شرعي، فلا يسع المسلم أن يتركه، وما لم يأت فيه نص شرعي فهناك مبدأ عام يحكمه، فيجتهد المسلم داخل هذا الإطار العام.

الشورى مثلا

وضرب مثلاً بـ “الشورى” في كتابه-نحو مجتمع إسلامي-فقال:

الشورى مبدأ عام، أما كيفية تنزيل هذا المبدأ على واقع الحياة، فهو متروك لاجتهاد المسلمين في عصرهم، وكيفية تحقيق مبدأ الشورى

ولكن قطب من جانب آخر: يعتبر أن الشورى القيام بها طاعة لما أمر الله به. ومن جانب آخر هذه الشورى محكومة بآية أخرى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً} فالشورى: تجعل السيادة لله ولشرعه، والسلطة والأمر للأمة. بينما الديمقراطية-على سبيل المثال-تجعل السيادة للشعب-لا لله-ولا تقف عند ما أمر الله به، فهل عندما نرد الديمقراطية ونقول: إن الحكم إلا لله، نكون كالخوارج-كلمة حق أريد بها باطل-أنى هذا؟! وكذلك عندما نرد مبادئ الاقتصاد الربوي، ونقول إن الحكم إلا لله – الذي حرّم الربا – نكون خوارج ؟!

إن قضية الخوارج-في عصر عليّ كرّم الله وجهه-لم تكن في مسألة رد التحكيم، بعد الاتفاق عليه. وأرادوا نقض ما اتفق عليه علياً في التحكيم الأول، فأبى. وقالوا: “إن الحكم إلا لله” والتبس عليهم هذا المعنى، وناظرهم علي وابن عباس رضي الله عنهما، ورجع كثير منهم ممن التبس عليه فهم الآية، فهم لم يتحولوا إلى “خوارج” لالتباس معزى الآية ومعناها، إنما تحولوا إلى خوارج لأمرين:

  • الأول: تكفيرهم المسلمين.
  • والثاني: استحلال دمائهم وأموالهم. ومرض قلبي خفي، وهو الكبر.

ولا يصح عندما نكون في هذا الواقع العلماني الذي يُرد فيه حكم الله، ويُنبذ فيه شرعه، عندما ندعو إلى العودة إلى كتاب الله، وإلى شرعه، يصبح الداعية إلى ذلك من الخوارج! فهذا ظلم وبغي وصد عن سبيل الله.

الرد على شبهة ضغط السجن

وأما الشبهة الشهيرة لإحباط فكر الأستاذ قطب – رحمه الله – هي دعوى أنه كتب ما كتب تحت ضغط السجن، وهذا غير صحيح، فقبل السجن، وقطب يُنظّر لذلك كما جاء في كتاب “العدالة الاجتماعية” وقطب لم يأت بجديد في هذا الأمر فعلماء المسلمين قبله تكلموا في هذه القضية كل بأسلوبه وطريقته، حتى الشيخ البنا-رحمه الله-له كتابات في منتهى الوضوح حول قضية الشريعة والحاكمية، إلا أن قطب توسع في المسألة وتعمق فيها لا سيما وهو يتعرض لتفسير الكثير من الآيات التي توضح أمرها، ولم تكن قضية قطب النظام الحاكم في مصر وقتها، ولم يكتب بصورة محلية أو وقتية عن أزمته، بل تكلم بصورة عامة، خالعاً عن نفسه ظروف الزمان والمكان، ولقد عُرضت على قطب الوزارة فأبى، فليست هي قضية شخصية، بل قضية دين.

الرد على شبهة ضحالة فقهه

وأما الشبهة الثانية: هي مسألة الفقه، فقطب لم يكن ضحلاً من الناحية الفقهية، ومن يقرأ الظلال يلحظ ذلك، ويجد للرجل تحقيق واجتهاد فقهي على مستوى عال، ولكن لم تكن قضيته الفقه الإسلامي بمعنى التمذهب والفتوى، بل في العودة أولاً إلى الشرع الذي يُأخذ منه هذا الفقه، وهو يُظهر احترامًا لفقهاء المسلمين وينقل عنهم فيما يعترضه من آيات أو أحكام، بل هو يدعو إلى تجديد الفقه الإسلامي، ويعيب عليه جموده في مرحلة معينة، ويُفرق بين الشرع والفقه، فلماذا هذا التحامل عليه؟ وإخراج دعوته وهدفه عن السياق الذي أراده وقصده؟

اجعلوا بيوتكم قبلة

أما تفسيره لقوله تعالى: {وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} والتي فُهم منها اعتزال المجتمع ذاته، وإنما كان يقصد اعتزال “جاهلية” المجتمع، وفي حال مطاردة الجاهلية للمؤمنين، فليجعلوا بيوتهم قبلة، فيقول قطب في تفسير الآية: “أوحى اللّه إلى موسى وهارون أن يتخذا لبني إسرائيل بيوتاً خاصة بهم، وذلك لفرزهم وتنظيمهم استعدادًا للرحيل من مصر في الوقت المختار؛ وكلفهم تطهير بيوتهم، وتزكية نفوسهم، والاستبشار بنصر اللّه، وتلك هي التعبئة الروحية إلى جوار التعبئة النظامية. وهما معاً ضروريتان للأفراد والجماعات، وبخاصة قبيل المعارك والمشقات. ولقد يستهين قوم بهذه التعبئة الروحية، ولكن التجارب ما تزال إلى هذه اللحظة، تنبئ بأن العقيدة هي السلاح الأول في المعركة، وأن الأداة الحربية في يد الجندي الخائر العقيدة لا تساوي شيئًا كثيرًا في ساعة الشدة.

وهذه التجربة التي يعرضها اللّه على العصبة المؤمنة ليكون لها فيها أسوة، ليست خاصة ببني إسرائيل، فهي تجربة إيمانية خالصة . وقد يجد المؤمنون أنفسهم ذات يوم مطاردين في المجتمع الجاهلي، وقد عمت الفتنة وتجبر الطاغوت، وفسد الناس، وأنتنت البيئة-وكذلك كان الحال على عهد فرعون في هذه الفترة-وهنا يرشدهم اللّه إلى أمور:

  1. اعتزال الجاهلية بنتنها وفسادها وشرها-ما أمكن في ذلك-وتجمع العصبة المؤمنة الخيرة النظيفة على نفسها، لتطهرها وتزكيها، وتدربها وتنظمها، حتى يأتي وعد اللّه لها.
  2. اعتزال معابد الجاهلية واتخاذ بيوت العصبة المسلمة مساجد. تحس فيها بالانعزال عن المجتمع الجاهلي؛ وتزاول فيها عبادتها لربها على نهج صحيح؛ وتزاول بالعبادة ذاتها نوعاً من التنظيم في جو العبادة الطهور”
    [تفسير سورة يونس/ في ظلال القرآن]

فهو إذاً يتحدث عن “احتمالية” مطاردة المجتمع الجاهلي-كمثل عهد فرعون-للمؤمنين، وتعم الفتنة، ويتجبر الطاغوت، ويفسد الناس، وتنتن البيئة. ففهي هذه الحالة يجب اعتزال هذه الجاهلية بنتنها وفسادها، فالعزلة للنتن لا للخير ولا للناس، ولقد سمى الله سبحانه مسجد المنافقين بـ “مسجد الضرار” فقضية قطب هي قضية عودة الأمة، ونصرة الإسلام. فهل يمكن أن نقول: إن قطب أفتى بالصلاة في البيوت، وعدم الصلاة في المساجد، واعتزال المجتمع؟! وهل نقدّم فكر قطب وكتاباته على أن هذه هي قضيته ؟!

إن قضية قطب هي عودة الأمة للاجتماع على كتاب الله، والتحاكم إليه، ونبذ العلمانية بصورها المختلفة، والدعوة إلى ذلك، والصبر على الفتن في هذا الطريق، وإعداد القوة المكافئة عند كل مواجهة، وتكوين القاعدة الصلبة التي تكون نواة المجتمع الذي يحمل هذه الدعوة، وينشرها بين الناس، ويواجه بها طغيان الغرب، والشرق، لتكون رسالة الإسلام العالمية هي العليا، وتكون الأمة المسلمة هي الأمة الشاهدة كما كانت من قبل.

2755

Did you find apk for android? You can find new Free Android Games and apps.
الكاتب

أحمد طه

كاتب ومهتم بالشأن الإسلامي.

اترك تعليقًا

*
*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.