منذ أن انطلق هاشتاج #مروّج_مخدرات والكثير – وفق اللهجة المصرية – “يهري” بـ”الوعي”، تجد جماعات انبطاحية تتحدث لك عن الوعي، تجد من يصافح السيسي مثلًا وبشار يتحدث لك عن الوعي، وفي كلّ منشور وفي كلّ مناسبة، عليهم أن يؤكّدوا على “معركة الوعي” وأنّه لا مناص من نشر الوعي للخروج مما نحن فيه، وأنّ الوعي – وفق وجهة نظر البعض – هو الرئيس المنتخب والشرعية والديموقراطية وربّما القوّة والجهاد أحيانًا، وما دونهم هو جهلٌ فحت.

لا يتعلّق الأمر بالسياسيين أو المفكّرين أو غيرهم من المهتمين، بل حتّى الجماعات الجهادية على اختلاف أيديولوجياتها الفكرية، يظنّ الكثير من أفرادها أنّهم وعبر استخدام السلاح والسيطرة بالقوة على المنطقة على الأرض فهم الآن أصبحوا “خارج النظام العالمي”، وأنّ غيرهم من الجماعات الأخرى ما يزال “منبطحًا” لأنّه لا يملك دولة خاصّة به بعد، وأنّ الوعي الحقيقي الذي يجب على الجميع امتلاكه هو السلاح.

إلّا أنّ الحدود لا تقف هنا، فحتّى بعض الذين يتغنون بذاك الهاشتاج ممن يعرفون أنّ المعركة هي مع النظام العالمي حقيقةً، يغفلون جانبًا مهمًا من الوعي الحقيقي وهو إدراك المعركة بكلّ جوانبها ووسائلها وساحاتها، فكونك تدرك أنّ الشركات الرأسمالية تنهب الأوطان، وتحرّك الجيوش لاغتصابها، وأنّ العمّ سام هو محور الشرّ في هذا العالم، وأنّه هناك الكثير من الأمور التي تجري تحت الطاولة، لا يعني أنّك صرت واعيًا، فالوعي مفهومٌ أكبر من ذلك بكثير.

يمكن لهذه المشكلة أن نعبّر عنها بشكلٍ نسبي بكلمة “الألتراس”، صحيحٌ أنّ الكلمة يتم استخدامها للتعبير عن جمهور النادي الفلاني والنادي العلّاني، إلّا أنّها انطلقت – منذ فترةٍ ليست بالقصيرة – إلى الجماعات السياسية والجهادية الإسلامية الأخرى. لا يمكن البتة أن يكون الوعي مرتبطًا بفكرة الانتصار للجماعة مهما أخطأت ومهما فعلت، وهو الفكرة التي تقوم عليها كلمة “الألتراس” والتي تعني جمهور جماعة معيّنة، يشجعها ويؤيدها بشكلٍ أقرب إلى التعصب، وهو أبعد ما يكون عن مفهوم الوعي.

وبما أنّ الوعي نسبي فإنّه يصبح من الصعب حقًا صياغة تعريف شاملٍ له، فمع تزايد الأحداث وتسارعها بهذا الشكل الرهيب في السنوات الأخيرة، وبعد سقوط الأقنعة عن الكثير من الوجوه التي كنّا نحسبها على خير، أصبح من المستحيل التعليق على كلّ حادثة لتوجيه الناس إلى الوعي الحقيقي المستفاد منها.

إلّا أننا وفي نفس الوقت، يمكننا أن نقول أنّ الوعي هو البحث عن الحقّ وتنفيذه، لهذا تجد وجهة نظر الإسلام لا تقوم على “حرّية التعبير” أو “المساواة” أو”حرّية الناس بفعل ما يريدونه”، إنّها تقوم بالكامل على “الحقّ” ولا شيء سواه، لذا يمكنك فعلًا أن تعتبر الإسلام – كما أنزله الله – هو “الوعي” بمفهومه الشامل.

أضف إلى ما سبق أنّ الوعي ليس فقط معرفةً مجرّدة للأحداث التي حصلت أو تحصل بالعالم وراء الكواليس، وليس حتّى معرفة طريقة تغييرها، هناك الكثير من الناس – الغربيين بالتحديد – ممن يمتلكون فكرًا وفهمًا بل وربّما عبقرية بتحليل الأحداث الحالية، ويعرفون كيف تنهب الشركات الرأسمالية الأوطان، ويعرفون ماذا يفعل العمّ سام وكيف يفعله، إلّا أنّهم لا يمتلكون مثقال ذرّة من إيمان، هؤلاء لا حاجة لنا بهم، فالوعي دون الإيمان هو كالشجرة دون ماء، لا يمكنها أن تكبر دون أن تروي ظمأها. والوعي دون يقين بوجود إله وجنّة وجحيم وحياة آخرة، والعمل بتبعات هذا اليقين، لا قيمة له، فالوعي برمّته لا يصبح من ورائه هدف إذا كنتَ لم تعرف الله وتعمل بهذه المعرفة بعد، حتّى المعرفة وحدها لا تكفي، فتحرير القدس سيكون هراءً عندما ترفع شعار إسقاط النظام العالمي وركعتا الفجر ثقيلاتٌ عليك كالصخر.

من هنا، ينبثق مفهوم الوعي، معرفة العلم والعمل به وإنكار المنكر ورفض الظلم، هذه كلّها تدخل ضمن إطار الوعي، إلّا أنّه – وفي بعض الأحيان – يختلط على البعض الحابل بالنابل، فيصبح مطلب عودة مرسي “وعيًا” لأنّ شعاراته “إسلامية” ويريد “تطبيق الشريعة بالتدريج”، ويصبح “البقاء والتمدد” مطلبًا للكثير من الجماعات الإسلامية، متناسين مقولة ربعي بن عامر قبل معركة القادسية خلّد الله مقولته:

نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام

ذلك هو الوعي الحقيقي، رحمك الله يا ربعي.. فلا تظنن بتاتًا أنّه صار لديك الوعي كلّه، أو أنّ الذي لديك يكفي، فكما قلنا مسبقًا، الوعي يزيد وينقص، بل وربّما – وفي أسوء الحالات – قد يتحوّل إلى جهلٍ يُضلّ صاحبه وهو لا يدري!

1087

الكاتب

ضيوف تبيان

يمكن للكتّاب والمدونين الضيوف إرسال مقالاتهم إلى موقع تبيان ليتم نشرها باسمهم في حال موافقة شروط النشر، راسلنا على البريد: tipyanmedia@gmail.com.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.