Want create site? Find Free WordPress Themes and plugins.

كان موقف تركيا واضحًا منذ بداية الصّراع في سوريا، فقد عملت ولأول وهلة على دعم المعارضة السورية الموصوفة بالاعتدال بالمال والسّلاح، وأصبحت تركيا المأوى الأول لكل مساند لهذه المعارضة التي قامت ضد نظام بشار الأسد، وكان هدف أردوغان وهدف المعارضة هو إسقاط نظام بشار الأسد، وهذا ما اتضح جليا من خلال تصريحاته التي أعلن فيها أن بلاده ستدعم الشّعب السّوري حتى سقوط نظام بشار الأسد، واصفا الأخير بالديكتاتور الدّموي، في هذه الفترة كان الدعم دعما لوجستيا بحتا، فقد رفضت تركيا أي تدخل عسكري منها في سوريا، وقد أعلنت عن ذلك من خلال تصريحات رئيس الوزراء التركي السابق “أحمد داوود أوغلو” حيث قال: «لا يمكن لتركيا أن تتدخل بأي شكل من الأشكال في ظل الوضع الحالي داخل سوريا».

كان هذا الموقف الداعم للمعارضة السورية يخدم الولايات المتحدة الأمريكية التي تريد إسقاط بشار الأسد حليف روسيا الأول، خاصة بعدما رأت أن روسيا تستميت في الدفاع عن حليفها، وقد جعل هذا الموقف أمريكا ترضى عن أردوغان وتعمل معه على دعم المعارضة بالسلاح والتدريب، حيث تقوم بتدريب عسكريين معارضين من الجيش الحر في السعودية وفي قطر وتركيا، فقد أعلن المتحدث باسم البنتاغون “إيريك باهون” حينها قائلا: «نحن نواصل تقديم الدعم لعشرات الآلاف من القوات المحلية السورية التي تحارب (داعش) في جهودها لانتزاع الأراضي من هذا التنظيم»، طبعا الدعم ليس خاصًا بمحاربة تنظيم الدولة ولكن أيضا لمحاربة نظام الأسد، لكن شاءت أمريكا أن يكون سريا للغاية كي لا يقال بعدها، أن الولايات المتحدة الأمريكية تدعم الإرهابيين.

سبّب ضعف الجيش الحرّ وبروز تنظيم الدولة الذي أصبح ورقة صعبة في الحرب السورية تغيرا واضحا في الموقف التركي، لتقرر تركيا التدخل في سوريا تحت غطاء محاربة الإرهاب (تنظيم الدولة وبعض الجماعات الكردية) لتعلن بدأ عملية “درع الفرات“، بعد التّدخل هذا قام تنظيم الدولة بمحاربة الجنود الأتراك والمعارضة الموالية لتركيا، ودعا تنظيم الدولة وعلى لسان الناطق الرسمي للتنظيم “أبو الحسن المهاجر” إلى استهداف مصالح تركيا وفي كل مكان، فقال: «وعليه، فإنا نستنفر كل موحّد صادق، لاستهداف مفاصل الحكومة التركية العلمانية المرتدة في كل مكان، الأمنية والعسكرية والإقتصادية والإعلامية، بل وكل سفارة وقنصلية تمثلها في بلدان العالم أجمع»، بعد استنفار المهاجر بدأت الخلايا النائمة هناك في تركيا بالنشاط وتكثيف العمل ونجحت في زعزعة الأمن التركي الداخلي من خلال العمليات التفجيرية أو عمليات عسكرية نوعية كالتي قام بها الشاب الأوزبكي الذي هاجم ملها ليليا في اسطنبول وقتل39 شخصا وجرح 17 آخرين، من جانبه قام تنظيم الدولة بقتل عدة جنود أتراك خلال المواجهات بين الجانبين وأحرق جنديين تركيين حيّين كما أظهر ذلك إصدار نشرته وسائل إعلامية تابعة للتنظيم وتوعد التنظيم تركيا من خلاله بالمزيد من الهزائم.

بينما يدعي أردوغان أنه في طريقه لتحرير مدينة “الباب”، وكالة أعماق أحد الأذرع الإعلامية لتنظيم الدولة تنفي ذلك وتؤكد أن القوات التركية وفصائل المعارضة المسلحة لم تستطع السّيطرة على أي جزء من المدينة من خلال نشر إحصائيات عن المواجهات يوم 12 يناير 2017، وقد نشرت الوكالة إحصائيات توضح أن عدد القتلى من الجنود الأتراك قد بلغ 54 جنديا ومن الفصائل المسلحة 182 وأكدت أن التنظيم تمكن من إعطاب العديد من الدبابات والمدرعات وآليات متنوعة تركية، أدت هذه الخسائر الكبيرة لتركيا في الأراضي السورية والعمليات التي ينفذها جنود تنظيم الدولة داخل تركيا إلى خوف التركيين على أمنهم القومي، مما تسبب في تراجع شعبية أردوغان بشكل واضح، وظهور صورة الدّولة التركيّة الضعيفة أمنيا واستخباراتيا، تلك الصورة التي كانت مخالفة لما كانت عليه تركيا إذا نظرنا إلى تصنيفات المختصين في الشؤون العسكرية أو ادعاءات الإعلام التركي خاصة بعد حادثة إسقاط الطائرة الروسية.

وجدت تركيا نفسها في مأزق حقيقي، خاصة بعد أن تعرفت على القوّة الحقيقية لتنظيم الدولة، فخاف أردوغان من تمكن الدولة من التوسع أكثر فأكثر، لأن ذلك إن حدث فإنه يعني أن تنظيم الدولة سيواجه تركيا يوما ما على أرضها، فبدأ يتغير موقفها وأصبحت تميل إلى روسيا وإيران وتعقد الاجتماعات معهما، ففي اجتماع وزراء خارجية ودفاع روسيا وتركيا وإيران، أكد وزير الخارجية الروسي “سيرغي لافروف” التزام الأطراف الثلاثة بإعلان موسكو، الداعي لإطلاق مفاوضات سياسية شاملة في سوريا، وأن الأولوية في سوريا هي محاربة الإرهاب وليس إسقاط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وأكد وزير الخارجية التركي أنه لا بديل عن الحل السياسي للأزمة السورية، وها هي أغلب الفصائل تجتمع مع ممثلي بشار الكلب الأسد في آستانة برعاية شيوعية رافضة علمانية لوقف إطلاق النار في سوريا.

حسب المعطيات هناك إمكانية كبيرة جدا لإيجاد حل لوقف إطلاق النار، وفي حالة حدوث ذلك فإن القادم سيكون مفاوضات سياسية سيكون بقاء الأسد عنوانها الأبرز، فقد صرح نائب رئيس الوزراء التركي “محمد شمشيق”: «فيما يخص موقفنا نعتبر أن الأسد يتحمل مسؤولية مباشرة عن معاناة الشعب السوري ومآسيه، لكن يجب أن نكون براغماتيين، وأن ننطلق من الواقع. فالوقائع على الأرض تغيرت جذريا، ولذلك لا يمكن لتركيا أن تواصل الإصرار على تسوية الأزمة السورية بدون الأسد. إنه أمر غير واقعي»، وسيأتي بعدها تشكيل حكومة وحدة وطنية، وقيام دولة مدنية ديموقراطية، واجتماع الجهود لمحاربة تنظيم الدولة وفتح الشام إذا أبت هذه الأخيرة الرضوخ لتركيا وفصائل المعارضة الموالية لها.

لا شك أن نهاية كهذه تعني أن الفائز الأكبر هي روسيا الشيوعية، التي أظهرت من جهة شدة تمسكها بحلفائها، وأنها ليست كالولايات المتحدة الأمريكية التي عند كل أزمة تتخلى عن حلفائها كما تخلت عن “آل سعود” وأذلتهم أمام العالم، وهذا ما يجعل الدول تتسارع للتحالف مع روسيا، أما الخاسر الأكبر فهو الشعب السوري المسلم الذي عذّب وقتل وشرّد، تارة من بشار الأسد وتارة من روسيا وتارة أخرى من تركيا وتارة من فصائل المعارضة المفحوصة ، لتذهب كل تلك الدماء المسفوكة والنفوس المقتولة هباء منثورا، وقد صدق الشاعر حين قال: «في بلدتنا يذهب ديك .. يأتي ديك و الطغيان هو الطغيان، يسقط حكم لينيني..يهجم حكم أمريكي و المسحوق هو الإنسان».

964

Did you find apk for android? You can find new Free Android Games and apps.
الكاتب

أبو ذر القصراوي

كاتبٌ صحفيٌ وباحثٌ إسلاميٌ مستقلٌ، كاتب صحفي لعدد من المواقع والمدونات والصُحُف المطبوعة. وكذلك حاصل على ليسانس في الهندسة المعمارية والعمران من جامعة بجاية كلية العلوم والتكنولوجيا.

اترك تعليقًا

*
*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.