صورةٌ جذّابةٌ، وحَديثٌ مُنَمَّقٌ، وكَلِماتٌ عَميقةٌ تَدُلُّ على شيء من الحَقِّ المُؤَكّد؛ فهَل يُمكنك التَّجاهُل؟.

ما كان الإعلَامُ سوى إخبار للناس بخبَر أو عدة أخبار، بقصة انتصار جيش أو فشله، بحَقيقة صِراع واقع؛ إذن فالإعلام هو ببساطة توصيل لخبر لم يتثنّى للمُتَلَقّي أن يعلمه إلا من خلال ذلك الإعلامِي الذي أعلَمه بالخبر. فما الذي يحدث إن كان ذلك الإعلامي يزيد على حقيقة الخبر، أو ينتقي منها ما أراد أن يصل إلى المتلقّي فقط، أو حتى قرر إخفاء حقيقة الخبر تمامًا وأعلم المُتلقّي بخبر آخر كاذب؟

يَرُد العاقل ببداهة: سوف تنقطع الحقيقة عن المُتَلقّي كما ينقطع الماء عن الزرع؛ فتذبل عقلية المتلَقّي مثلما قد ذَبُلَت النبتة وانتَهَت.

عندما تذبل تلك العقلية، يمكنها الدفاع عن باطل بقوة؛ لأنّها ببساطة لم تكن لتَشُك في مصدر معلوماتِها -الإعلام العظيم-، ومصدر حكمها على أحداث وأشخاص كُثُر! فهي تعتقد أنّها على حق، وأن الحق بيِّن واضح، بل وتتعجّب مِمّن
“يشككون في خبَرٍ قد جاء على التِلفاز”.

والحقيقة أنّه قَد حورِب الإسلام بالسيف والقوة مُذ بعث الله نبيّه -صلى الله عليه وسلم-، ولم يتزعزع المسلمون يومًا! حتى عَلِمَ عدوّنا أن القوة كل القوة في ذلك الدين المتين الذي في قلوب أولئك المسلمين؛ فقرّر محوه. وتوالت الهجمات الشرسة على المسلمين؛ ليست هجمات بمدافع ورشّاشات! وإنما هجمات بأفكار ومنهج يتم نشره بوسائل “إعلامية” مختلفة.

وعندما يتم مقابلة تلك الهجمات الإعلامية باللاشيء، أو بالانبهار بها والتقبل لها؛ فإنك تعلم حينها أن ذلك الشعب “قد قرر أن يضيع نفسه بنفسه”، ضيع هويته ومبادئه، وبدأ في دوامة الغزو الفكري التي ستصنع منه في النهاية شخص ممسوخ الهوية، ليس لديه انتماء سوى لعدوه.

ولنأخذ من التاريخ عبرة لنا

Embed from Getty Images

دائما هُناك من سيُحارب الغزو الفكري الخارجي، ويقع في “التغييب” من قبل حكومة دولته. فإنه عند الرومان -مثلًا- كان قد انتشر الإعلام الرياضي. هل انتشر للترفيه عن الشعب مثلًا؟ هل تخشى الحكومات على شعور شعوبها لتلك الدرجة؟ هل يُعقَل؟. قد انتشر الإعلام الرياضي وتم التركيز عليه بشدة لسبب بَيِّن جَلِيّ، وهو أخذ الإعلام الرياضي محلّ الاهتمام بمساوئ الحكومة عند الشعب.

وبالفعل قد حدث؛ فقد شهدت الساحات العامّة احتشادات ضخمة للجماهير الرومانية المُتابعة المُهتمّة -بكل سذاجة-، حتى بمصارعة لحيوانات مفترسة، ومن الأمور المُريبة حقًا أن أفلاطون بالإضافة إلى رؤيته لفن الإقناع بأنه فن ضروري “لرجل الدولة”، فإنه حين أسس المدينة المثالية كان كتاب الجمهورية الذي يتحاكم إليه سكان المدينة يتضمن “تعليمات” تفصيلية حول ما يُقال لأفراد الشعب في حالة أن كانوا صغارًا أو كبارًا.

فأيّ تحكُّم رضوا به وكيف رضوا أن يتحكّم فيهم بشر مثله مثلهم؟! فيُحدِّد حجم معرفتهم بأي أمر، أو حتى يحكم عليهم بعدم معرفة أمر معين بتاتًا.

هل تحسَّن حال الإعلام أم تقهقر أكثر؟

أولًا يجب أن نُراجع مفهوم تَحَسُّن الإعلام ذاك؛ إن الإعلام الحسن هو الذي يمتاز بالصدق، فلا يغش المتلقّي ولا يكذب عليه.
بناءًا على ذلك، بِنا نأخذ نظرة على بعض الصدق في إعلامنا الحالي:

“أكّد المتحدث الرسمي للقوات المسلحة عام 2013 نفي المؤسسة العسكرية الكامل الاعتداء على أي أطفال أو نساء أو هدم مساجد خلال هذه العمليات كما أشاعت بعض وسائل الإعلام، وشدد على أن القوات المسلحة لن تعود من سيناء إلا بعد تطهيره.”

وأن القوات المسلحة تعمل كمؤسسة تنفيذية داخل الدولة وفقًا لدورها؛ فهي تتدخل لحماية المنشآت والأهداف الحيوية والحدود، وقال: “ليس لنا أي أهداف أو نوايا سياسية أو رغبة في الحكم” وفي نفس العام قال نفس الشخص:

“قوات الجيش تواجه الفكر بالفكر والصبر الطويل، وليس الفكر بالعنف”.

وهل أغمضتم أعيننا كي نصدقكم؟! وهل فرّقتم بين امرأة أو طفل وبين الرجل في أي حدث أصلًا أمامنا حتى يكون ذلك ممكنًا مع من أطلقتم على مساكنهم بؤرًا للإرهاب!؟ وإن كنتم ملائكة في أفكاركم كما صرّحتم هكذا، ولا تفعلون إلا حماية المنشآت والحدود، لماذا تمسكون الحكم الآن؟

وإن كنتم بذلك الرقي ولا تقابلون الفكر إلا بالفكر، بل وبطول الصبر أيضًا، ماذا يفعل أمثال عمرو ربيع وأحمد عرفة وغيرهم في سجونكم إذن؟ لماذا نستمع إلى تهم فكرية بحتة ونشر تلك الأفكار! لماذا لم تقابلوا ذلك الفكر بالفكر كما صرّحتم؟
أم أنَّكم كاذبون؟!

قال نفس الشخص أيضًا:”إنه لا توجد أي قواعد أمريكية أو أجنبية في مصر، مؤكدًا أن أمن القوات المسلحة غير قابل أن يكون عرضة للتشكيك أو التحليلات الخاطئة.”

وماذا عن قوات MFO الموجودة على أرض سيناء؟

وقال أيضًا:” القوات المسلحة لا تتواني عن إطلاع الرأي العام على الحقائق المجردة بشكل كامل عن الأمور المتعلقة بشئونها، وتناشدكم بالمزيد من الثقة فيما تقوم به القوات المسلحة من أعمال وإجراءات للحفاظ على هذا الوطن، والحفاظ على الأمن القومي المصري، والابتعاد عن أعمال التشكيك والتحليلات المغلوطة والخاطئة عن أمور تبنى على عدم فهم لأمور تتعلق بالمؤسسة العسكرية.”

اقرأ أيضًا: ما هي الـ mfo وماذا تفعل في سيناء؟

السؤال: ماذا فعلتم كيف نثق تلك الثقة العمياء؟ هي ثقة تمنعنا من مجرد التشكيك والتحليل، تمنعنا من إعمال عقلنا فقط.
حتى ديننا -الإسلام- نُعمل عقلنا في كيفية تطبيقه؛ فنجد اختلافات كثيرة بين المذاهب، وحتى إن لم نرى منكم شرًا قط، فلا يصح أن نتخلى عن فطرتنا في إعمال عقلنا، ونسلمكم أمورنا كلها، ونثق.

ما سيكون الحال إذن بعد أحداث يناير وما رآه الشعب من جيشه العظيم في شوارع وطنه، وكيف وصلتم لهذا الهزل في الطلب.
هذا كله طبعًا بالنسبة لمواطن بسيط لا يدري شيئًا عن خيانات جيشه القديمة والحديثة! تقولون لا تتوانى ثم ما تصرحون به يكون كذبًا بيِّنًا، ثم تريدوننا أن نثق!.

الإعلام المصري أكاذيب متراكمة واستخفاف بوعي الشعب 3

فحتى إن لم نرى منكم شرًا قط، فلا يصح أن نتخلى عن فطرتنا في إعمال عقلنا، ونسلمكم أمورنا كلها، ونثق.ما سيكون الحال إذن بعد أحداث يناير وما رآه الشعب من جيشه العظيم في شوارع وطنه، كيف وصلتم لهذا الهزل في الطلب.
تقولون لا تتوانى ثم ما تصرحون به يكون كذبًا بيِّنًا، ثم تريدوننا أن نثق!، وبالنسبة إلى الإجراءات للحفاظ على هذا الوطن، فإلى أي مدى وصلت بعد بيع أرض ذاك “الوطن”؟.

قال “الإعلامي” أحمد موسى وهو يتحدث عن إزالة البيوت الموجودة في المنطقة الفاصلة -انتقم الله ممن جعلها فاصلة- بين غزة ومصر (سيناء): “أنا مش عايز بيني وبين غزة ولا بيت، عايز بيني وبين غزة زي اللي بيني وبين إسرائيل: (أرض خلاء) فاضية أبقى أنا كاشف كل حاجة.”

بماذا يفكر رجل عامِّي مصري أو امرأة بأهلِ غزّة حين يستمع إلى تلك الجملة!؟ أغزة المُسلمة كالكيان الصهيوني المحتل الذي أسمى نفسه استحلالًا لأرض المسلمين (إسرائيل)؟!.

وقال “الإعلامي” عمرو أديب منفعلًا حين عُزِل د. مُحمّد مرسي: “الناس كان عليها حجر، الحجر راح وضاع، الجيش والشعب فجّروا الحجر”. ثم قال: “النهار ده أول انقلاب شعبي في العالم، العالم كله يقف يتفرج علينا؛ على المصريين اللي وقفوا قالوا للحاكم بتاعهم: إمشي، إرحل، إحنا تعبنا منك كلهم وقفوا.”

تساؤل بسيط: كيف قال الجيش والشعب بدايةً، ثم قرّر أنه اختراع جديد يسمى:(انقلاب شعبي)!؟ أَعَلى أساس أن الانقلاب للجيش، أما شعبي للشعب؛ فربما قد شارك جزء من الشعب بعلو صوت، وجزء من الرجال قد شارك بنسائه ليرقصن في الطرقات “احتفالا”.

Embed from Getty Images

وحقيقةً لا أستطيع تكذيبه في “العالم كله يقف يتفرج علينا”؛ لأنه قد صدق، وأصبحنا أضحوكة للعالم فعلًا. وتابع الإعلامي ذاته (عمرو أديب) رافعًا علم مصر: “العلم أهو تاني، ده علم مصر، مش علم الجماعة”. “هو ده بتاع الإسلام، هو ده بتاع العرب، هم دول المصريين، ارجعوا للعلم بقى اتعلموا يا ناس من مصر، من شعب مصر النهار ده الشعب المصري هو القائد وهو المُعَلِّم وهو المَعَلِّم”، إن كان الناس منهم من يحتفل بكون رئيس جمهورية شعاراته إسلامية قد عُزِل -كما تصوّروا وقتها- بإرادتهم، هُنا فقط يمكن أن يكون علم مصر “بتاع الإسلام”!

حتى يظن الناس أنهم على خير؛ حيث أنهم رفعوا علم الإسلام والعرب! العجيب حقًا أن تلك الجماعة نفسها ترفع علم مصر أيضًا، وليس لديها أي مشكلة مع العلم، فماذا أراد بتلك الكلمة في ذلك الوقت؟. أما عن آخر جملة، فيكفي حال الشعب المصري الآن ليكون خير مُبين لفُرط الكذب والتدليس فيها.

وقال الإعلامي ذاته متعجبًا من شدة “لطافة” الجِهات العسكرية مع معتصمي رابعة، وداعيًا إلى العُنف والقتل بكل بجاحة:” هو فض رابعة سلميًا ده بيقى عامل ازاي؟”. ولم يُعدّ ذلك تحريضًا على العنف! وإنما خوفًا على مصر، من بعض “المصريين” الذين كانوا في ذلك الميدان نفسه يرفعون علم مصر!

وسانده زميله في المِهنة -وحاشاها أن تكون إعلامًا- أحمد موسى قائلًا:” إنهي موضوع رابعة العدوية أيا كانت الخسائر!”.
وكأن  هذه الخسائر المحتملة خسائر في أموال، أو متاع، أو حتى حشرات، وليست أرواح بشر ناهيك عن أن تكون أرواح من إخوانهم في الوطن!. فإن لم يكن الإسلام عنده وعند مستمعينه حتى يُنكر عليهم، أين وطنيتهم أو إنسانيتهم؟.

ما الحل إذن؟

للإعلام أهمية لا ينكرها عاقل، فمن أين آتي بالأخبار والحقائق إذا كان الإعلام كاذبًا، مدلسًا، يريد خلق عقلية محددة في شعبه, وقد تخلى بذلك عن كونه إعلاميا أصلا، الأمر كان سيبدو معقدًا إن لم يكن “الإنترنت” قد اختُرِع. الحقيقة بين يديك أنت الآن، تستطيع أن تتوصل إليها، وألّا تُسلِّم ما ميّزك الله به لمُضلِّل أسمى نفسه إعلاميًا لينتفع!

كُن إعلامِيًا لنفسك، ولمن حولَك

كُن أنت الباحث عن الحق، وأي شيء يستحق البحث أكثر من الحق؟ ثم كن أنت الداعي إليه، فأي شيء أفضل من الدعوة إلى حق عندك؟، وإن لم تكن لها أنت، فمن؟ كما أسلفنا فإن أعداءنا قد غزونا من ذلك الطريق؛ قد غزونا فكريًا، فإن لم يجدوا من يقف لهم في هذا الباب الذي طرقوه؛ فضيّعوا إسلام المسلمين منهم، وأبدلوه بقيمهم الفاسدة؛ عندها لن نستعيد كرامتنا أبدًا.

241

الكاتب

الخنساء محمد

فتاة مُسلِمة، مهتمة بالبحثِ عن الحق، واتِّباعهِ، ونَشْرِهِ بين الناسِ؛ لِيَعُم الأرض بدلًا عن الباطل المُتفشِّي في جميع أرجَاءِ العالم.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.