في واحد من أكثر المشاهد إضحاكًا في السينما المصرية، البطل صحفي يكتشف سر طاقية الإخفاء ويستخدمها في الحصول على الخبطات الصحفية الكبرى، يدخل على رئيس تحرير الصحيفة التي يعمل فيها، فيطلب منه رئيس التحرير بسذاجة أن يفصح له عن السر الذي جعله أفضل الصحفيين، فيتلاعب به البطل ويزعم أن السر كلمة سحرية أكتشفها في كتاب غامض قديم. كلمة (بورورم)، وإنه إذا هتف بهذه الكلمة بقوة فإنه يختفي على الفور، وبذلك يستطيع أن يقوم بأعماله مهما كانت صعبة. يخرج البطل، ليدخل المكتب ممثل ثانوي، ويقرر رئيس التحرير أن يختبر سر الـ(بورورم). فيصرخ رئيس التحرير في وجه الممثل الثانوي، (بورورم)، ولكن الممثل لا يختفي، فيكرر رئيس التحرير، (بورورم)، ولكن الممثل لا يختفي ويبدأ في القلق، ومع الـ (بورورم) الثالثة، يقتنع رئيس التحرير أن ثمة شيء خطأ.

تشبه النظم الفاشية رئيس التحرير الأحمق في هذا المشهد السينمائي إلى حد كبير، فهي تعتقد انها عندما تهتف بالشعارات الحماسية قادرة على تحقيق الإنجازات والانتصارات، وعلى العكس من رئيس التحرير الذي كان ضحية مزحه، فإن النظم الفاشية ذاتية الإنتاج والاستهلاك للشعارات، وكما في المشهد السينمائي، فإن المشاهد الذي يتحصن بعزلة ثقافية وإيمانية كافية، يراقب ضاحكًا المشهد العبثي الذي يهتف فيه الفاشيين بشعاراتهم الساذجة، وإن كان ضحكه من باب أن شر البلية ما يضحك.

اليوم في المسرحية الفاشية السخيفة التي تعيشها مصر مرغمة، نرى النظام الفاشي يحشد دراويشه في حملة هتاف حماسي رهيب، يتداعون لحرب مع إثيوبيا بدعوى أنها تهدد ببنائها سد النهضة أمن مصر، وهو حق يراد به باطل، فإن ما يهدد مصر ومستقبلها النظام الفاشي الذي عجز عن إدارة ملف سد النهضة، وهو اليوم يمهد للدفع بمصر في مغامرة حربية حتى يخفي فشله.

من حملة الحبشة إلى سد النهضة

Embed from Getty Images

لا يعلم الكثير من المصريين اليوم أن مصر خاضت منذ ما يزيد عن مائة سنة حربها الأولى والأخيرة ضد الحبشة في العصر الحديث، والتي عرفت باسم (حملة الحبشة) ودارت رحاها بين عامي (1874-1876) وانتهت نهاية كارثية لمصر. كان النزاع على الحدود هو السبب المعلن للحرب، ولكن ما تسبب في إشعال الحرب فعلًا هو طموح حاكما مصر والحبشة يومئذ، الخديو إسماعيل والإمبراطور يوهانس الرابع، للظهور بمظهر سيد إفريقيا المطلق، وإخفاء إخفاقاتهما الداخلية بدعوى لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.

وعلى الرغم أن الجيش المصري يومئذ كان أكثر تدريبًا ومهنية وأحدث تسليحًا من الجيش الأثيوبي، إلا أنه دخل الحرب بلا استعداد، وبدون أي معلومات مخابراتية عن قوات العدو واستعداداته العسكرية، ناهيك عن قدراته الاقتصادية وترتيباته السياسية. واحدة من الكتائب ضلت طريقها أثناء تحركها في الأراضي الأثيوبية بسبب عدم وجود خرائط لدى قائدها للمنطقة التي طلب منه أن يتحرك إليها!!. وبالتالي كانت الهزيمة نتيجة منطقية.

كانت هزيمة الجيش المصري كارثة حقيقية، خاصة بعدما روج الخديوي ورجاله، داخل مصر وخارجها، أن الجيش ذهب إلى إثيوبيا في نزهة عسكرية، وأن الإثيوبيين مجرد همج سوف يتم إبادتهم في أول مواجهة، نافخون في المصريين روح الاستكبار العنصري النتنة، والتي سوف تضاعف من الآلام التي سببتها الهزيمة في نفوس المصريين فيما بعد.

أتذكر هذه الكارثة وأسبابها ونتائجها وأنا أسمع اليوم هؤلاء الذين يدقون طبول الحرب على إثيوبيا، بعدما أعلن وزير الري في الحكومة المصرية تعثر مفاوضات سد النهضة مع إثيوبيا من جديد. هؤلاء الذين يزينون الحرب في عيون أبناء وادينا الطيبين، هم ما بين أحمق تملكه الحماسة فيندفع دون أن يترك للعقل فرصة للتقييم العلمي للموقف، وآفاق يحترف التطبيل والتزمير لينال حظوة أو نفحة لدى فرعون سفيه. ولا يحق للأحمق ولا للآفاق أن يقودا أمة عاقلة.

يكاد يجمع المهتمون أن هناك أزمة بشأن اقتسام مياه النيل منذ ستينات القرن العشرين، وأن (مبارك) الرئيس الذي أطاحت به الثورة المصرية الحقة، كانت طريقته المفضلة في التعامل مع هذه المشكلة، كما كانت طريقته في التعامل مع كل الأزمات، هو ترحيل الأزمة إلى المستقبل. وبحلول عام 2011، كانت إثيوبيا قد استعدت لحل الأزمة بطريقة تناسب طريقة التجاهل التي يتبعها النظام المصري، وهي الرد على التجاهل بالتجاهل، والشروع في بناء سد النهضة دون الرجوع لشركاء النهر، وهي سياسة لعلها استفادتها من حليفتها إسرائيل، التي تتعامل مع العرب بطريقة فرض الأمر الواقع ثم فرض شروط التفاوض. وهي السياسة التي لم يستطع أن يفهمها أو يتفاعل معها نظام 3 يوليو، ففشل في اتباع سياسة التجاهل المباركية بعدما فرضت إثيوبيا سد النهضة واقع غير قابل للمفاوضة، إلى أن بلغ به بؤس الحال إلى اتباع سياسة إطلاق الشعارات، وكأنه قادر على أن يجعل مشكلة سد النهضة تتلاشىبمجرد أن يصرخ (بورورم).

حتى لا نكرر مأساة صدام حسين

Embed from Getty Images

لا يجب أن ننسى كيف أن (صدام حسين) عندما خاض حربه ضد إيران، كان يتمتع بالدعم الكامل من الغرب والشرق، فأمريكا تمنحه المعلومات المخابراتية، والفرنسيين يعطوه صور الأقمار الصناعية، والإثنين ومعهما روسيا وبريطانيا يسلحونه، ولكنه عندما أقدم على غزو الكويت، خارجًا على النص المكتوب له، تحالفوا ضده وأقدموا على الإطاحة به وتدمير العراق الحبيب. وعلى الرغم أن (صدام حسين)، كان يؤسس علاقاته مع الغرب على أسس المصلحة المشتركة التي يقدسها الغربيين، إلا أنه قد نسي أن العالم بأكمله مصلحة للغرب، وأنه بخروجه على الدور الذي كلفوه به ساداته، من ظنهم حلفائه في سذاجة، ينصب مشنقته بنفسه.

في المقابل، نرى في مصر من يزعم أن الغرب سوف يقف إلى جانب النظام المصري إذا أقدم على حرب مع إثيوبيا، وقد بلغ بهم فرط السذاجة أنهم حسبوا أن دولًا قد ترسل بأبنائها إلى الحرب من أجل أنهم قد جاملوا النظام المصري بسترة حمراء ذات يوم. هؤلاء السذج الذين يسودون الصحف المصرية ويطبلون ويدجلون على شاشات التلفزيون، يحسبون العالم كله في مثل سذاجتهم. وهم لا يدرون أن هناك ترتيبات دولية قد نجحت إثيوبيا في الارتباط بها، سواء عن طريق إسرائيل أو مباشرة من خلال جذب استثمارات عالمية إلى مشروع سد النهضة والمشروعات التابعة له، وأن تهديد هذه الترتيبات الدولية والاستثمارات العالمية دون مقابل يرضى به أصحاب هذه المصالح، يعني أن الحرب ليست على إثيوبيا فحسب، ولكن على أصحاب هذه المصالح، وهي نفس الخطيئة التي ارتكبها من قبل (صدام حسين).

الحروب لا تكسبها الشعارات

Embed from Getty Images

كان ملك الشعارات، الحنجوري الأكبر، (عبد الناصر) يهتف: “سنحارب إسرائيل ومن وراء إسرائيل”، فيهتف دراويشه بجنون: “سنحارب إسرائيل ومن وراء إسرائيل”، بينما كان الطائرات المصرية تربض بلا دشم تحميها ولا تمويه يخفيها، حتى أتى الطيران الإسرائيلي صباح الخامس من يونيو عام 1967، وفتك بهذه الطائرات على الأرض. واليوم تتكرر المأساة، فيخرج من ليس له من صفات فرعون إلا سفاهته، فيقول: “النيل خط أحمر دونه الموت”، فيضج دراويشه في مشهد يجتمع فيه الهزل والأسى”دونه الموت…دونه الموت”، وكأن الحروب ينتصر فيها صاحب الهتاف الأكثر رنين، أو الصوت الأكثر رجيعًا.

في العالم الحديث، لم تعد الحروب تعلن كرد فعل، ولكن كفعل خطط له على مكث. في الدول الحقيقية، توجد العديد من المراكز البحثية التي وظيفتها الأولى توقع المخاطر التي تهدد أمن البلاد، ورسم الاستراتيجيات لمواجهة مثل هذه المخاطر. في الولايات المتحدة يلعب مركز الأبحاث والتنمية المعروف اختصارًا بـ (راند RAND) الدور الرائد في حماية أمريكا ورسم خططها الدفاعية، وعندما حدثت أزمة النفط أثناء حرب أكتوبر 1973، كانت راند هي المؤسسة التي درست الأزمة، وأوصت بالخطط المستقبلية لمنع وقوع هذه الأزمة مرة أخرى، وللتعامل معها إذا وقعت، فكان مما خططت له السيطرة على منابع النفط في الخليج من خلال (حرب عادلة)، وهي الحرب التي منحها المأفون (صدام حسين) للأمريكيين على صفحة من ذهب. أما في النظم الفاشية، فإن الحرب تعلن وتنتهي وفق رغبة الحاكم بأمره، سواء كانت الدولة مستعدة لهذه الحرب أم لا، وسواء كانت لها أسباب قاهرة أم كانت نزوة واستعراض قوة من سفيه تمكن.

هؤلاء الذين فشلوا في إدارة ملف سد النهضة، ويدعون اليوم لمغامرة حربية لا يعمل أحد عواقبها إلا الله وحده، ماذا أعدوا لمغامرتهم تلك؟ هل يستندون إلى اقتصاد قوي يمكنه أن يدعم حالة حرب؟ هل يعرفون أن أمريكا كانت مدة مشاركتها في الحرب العالمية الأولى تقل عن سنة، وخرجت من تلك الحرب منتصرة، ومع ذلك تعرضت لأزمة اقتصادية طاحنة حتى نهاية ثلاثينات القرن العشرين بسبب نفقات الحرب؟ هل يعرفون أن بريطانيا العظمى قد خرجت من الحرب العالمية الثانية منتصرة ومفلسة؟ هل الشباب الذين عجز المجتمع عن توفير فرصة عمل تحفظ لهم كرامتهم وتمهد لهم سبل عيش كريم، على استعداد للتضحية من أجل هؤلاء الذين يعلنون ليل نهار أنهم (أسياد هذا البلد) كما قال أحد وجوه نظام 3 يوليو من قبل؟ ماذا تعرفون عن إثيوبيا وعن قوتها العسكرية واقتصادها وعلاقاتها الدولية وشبكة المصالح التي تتصل بها؟ ماذا تعرفون قبل أن تذهبوا للحرب دون خرائط؟

الحروب يا سادة لا يكسبها من يصرخ (بورورم). الحرب يكسبها المنتصر قبل أن يذهب لها، بعدما يكون قد بنى جبهة داخلية لا تقهر، وعرف عدوه كما يعرف خطوط كف يده.

276

الكاتب

د. وسام عبده

أكاديمي وكاتب ومترجم من مصر

التعليقات

  • Ahmed Mahrous منذ سنتين

    جزاكم الله خيرا

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.