حدثني أبو الجود فقال: الناس حاسد ومحسود، ولكل نعمة حاسد، فاحذر يا رائد، وسأدلل على ذلك بالآيات والأبيات، وأرفقها بالأحاديث والآثار، والقصص والأخبار، وقد استوقفني حديث ذكره المنذري في الترغيب والترهيب عن ضمرة بن ثعلبة-رضي الله عنه-قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «لا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا» وإن المتأمل في واقعنا ليجد ما حذر المصطفى منه من حسد وسخرية وتجسس وتباغض، وقد دفع ببعضهم للعداوة والسحر والقتل! فهل من وقفة جادة لترسيخ بناء مجتمع الفضائل؟

سأحاول في هذه المقالات المتتابعة أن أعرض لبعض الأسس والمحاذير من خلال صريح القرآن الكريم وصحيح سنة النبي العظيم، فلنبدأ بالحسد باعتباره داء الأدواء فما هو؟ وما هي أسبابه؟ وكيف نعالج مجتمعنا منه؟

إن الحسد أول ذنب عصي به الله في السماء وهو حسد إبليس لآدم فلم يسجد له، وأول ذنب عصي به الله في الأرض وهو حسد قابيل لأخيه هابيل فقتله.

روى الترمذي عن الزبير بن العوام أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم -قال:”دب إليكم داء الأمم: الحسد والبغضاء، هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر لكن تحلق الدين، والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أنبئكم بما يثبت ذلكم لكم؟ أفشوا السلام بينكم.” وقال تعالى:

(أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۖ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا)

فيا له من داء وبيل ومرض عضال! لكن هل الحسد هو الغبطة والمنافسة؟

قد يقع الخلط بين الحسد والغبطة والمنافسة، ولكل مفهومه فالحسد هو تمني زوال النعمة عن مستحق لها، والغبطة هي تمني أن يكون لك ما لغيرك دون إذهاب لما عنده، والمنافسة طلب التشبه بالأفاضل من دون إدخال الضرر عليهم

فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم             إن التشبه بالكرام فلاح

لقد أمر الله بالاستعاذة من شر الحاسد فقال:” ومن شر حاسد إذا حسد” فالحسد خلق ذميم مضر بالبدن مفسد للدين ممزق للعلائق إذ يتجه نحو الأقارب والأصحاب والأحبة.

أما دواعي الحسد فقد ذكر الماوردي في أدب الدنيا والدين أنها ثلاثة:

  1. بغض المحسود فيأسى عليه بفضيلة تظهر أو منقبة تشكر.
  2. أن يظهر من المحسود فضل يعجز عنه، فيكره تقدمه فيه واختصاصه به.
  3. أن يكون في الحاسد شح بالفضائل، وبخل بالنعم وليست له، فيسخط على الله في قضائه ويحسد على ما منح من عطائه.

وبخصوص الدواء يقول طبيب القلوب بن قيم الجوزية –رحمه الله-: “ويندفع شر الحاسد عن المحسود بعشرة أسباب:التعوذ بالله من شره، تقوى الله، التوكل على الله، فراغ القلب من الانشغال بالآخرين، الإقبال على الله، التوبة من الذنوب، الصدقة، الإحسان إلى الحاسد، تجريد التوحيد “

اصبر على كيد الحسود           فإن صبرك قاتله

فالنار تأكل بعضها             إن لم تجد ما تأكله

وهنا لابد للحسود أن ينتبه

يا حاسدا لي على نعمتي       أتدري على من أسأت الأدب

أسأت على الله في حكمه      لأنك لم ترض لي ما وهب

فأخزاك ربي بأن زادني         وسد عليك وجوه الطلب

فلنغسل تجاعيد الكراهية والحسد من قلوبنا، وأختم بالحديث المتفق عليه فعن أبي هريرة-رضي الله عنه-أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-قال:” إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا، ولا تنافسوا ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا”.

220

الكاتب

عبد الغني حوبة

أستاذ بمعهد العلوم الإسلامية جامعة الشهيد حمه لخضر الوادي-الجزائر، خطيب بمسجد الصحابة تكسبت الوادي، ماجستير شريعة وقانون تخصص قانون دولي إنساني.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.