لا أذكر كم كان عمري حينها، ألعب وأخوتي في غرفتنا يتناهى إلينا صوت أبي وأمي يتحدثان بشأن القضية الفلسطينية، وتخاذل المسلمين. بغير وعي مني تركت إخوتي وظللت أبكي. خجلت جدًا من كون هذا كله يحدث، وأنا ألعب! تساءل أبي عن سر البكاء، تزاحمت الأسئلة الحيرى أليس المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص، أليس المؤمنون إخوة؟! بقيت التساؤلات بداخلي ولم أجد نفسي إلا أقول: أخي ضربني!
تذكرت هذا حين علمت نبأ أختي المسلمة الفلسطينية إيمان كنجو. وطاف بذهني قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

” المسلم أخو المسلم لا يظلمه و لا يُسلمه. و من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته و من فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة و من ستر مسلما ستره الله يوم القيامة”

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رد امرأة في صلح الحديبية قط. فما بالك بمن يسلم نساء المسلمين لبني يهود وليس بينه وبينهم عهد. الكارثة أن تخفت بشاعة هذا الجرم ( تسليم امرأة مسلمة لأعداء الله ) لأن المسلمين منشغلون بمهاترات غبية، فريقٌ تناسى أن امرأة مسلمة في يد الأعداء وبقي يردد: باقية وتتمدد، وفريق يبرر بعمى لا بل بخنوع وذلة.. وأي تبرير بقي في الأمر ؟!
إن المسلمين حين كنا حقًا بالإسلام أعزة سيروا الجيوش وفتحوا البلاد وأقاموا فيها الإسلام حفاظًا على أعراض النساء، وتلبيةً لندائهن. وكما يقول الكاتب أحمد عبد الحافظ:

فلا تعجب فما جيَّش رسول الله صلى الله عليه وسلم جيش المدينة إلا ثأرًا لمسلمة انتُهك عرضها من يهودي، وما فُتحت الهند والسند إلا استجابة لنداءات مسلمات يتامى صرخن (وا حجاجاه)!! وما فُتحت عمورية أقدس بقاع النصارى إلا بكلمة (وا معتصماه)!! وما وصلت جيوش ابن أبي عامر أقصى جنوب فرنسا (مملكة نافار) إلا استجابة لثلاث مسلمات أُسِرن في كنيسة، واستغثن (وا عامراه)!! فيا الله، كيف هان ديننا، وهانت أعراضنا، وماتت فينا أخلاق الإسلام، وحميته؟!

 

اقرأ أيضًا: تعرّف على الوجه الدنيء لتركيا!

 
ما بالنا لا نقبل السيسي وأنصاره، ثم نحن نقبل أردوغان بأفعاله؟ أليس هذا يقاتل المسلمين، وهذا الآن أعان عليهم، وسمح بتسليم امرأة مسلمة لبني يهود؟! لسان حالك يقول إنه قد قدم العون للمجاهدين، وفعل وفعل، أخبرك أنه وما الفرق بين المسلمين هنا وهناك؟ كلهم لهم نفس الحقوق علينا أمام الله عز وجل. إنك إذ تغضب، تغضب لدين الله عز وجل، لا تنتظر أن تصنف الناس حتى تنفعل وتأخذك الحمية! والله لو أن كل أفعال أردوغان طاهرة شريفة، فما تشفع له في تسليم امرأة مسلمة لغاصبين أرضها وأرض المسلمين!
فهنا تتجلى المصيبة العُظمى، ليس التبرير نفسه لكن هذا فسادٌ وخلل في العقيدة، وفهم القضية. كيف نرنو للتحرير وتعلو هتافاتنا بكلامٍ لا نطبقه في الواقع، كيف نرنو لنحيا بـ لا إله إلا الله، ونحن غارقون في وحل التعصب والولاء للحزب والجماعة والتنظيم؟! أما والله إن الحزبية ليست مقبرة للأفكار فحسب، بل إنها لوثت العقيدة.
متى تصفو نفوسنا لـ لا إلا الله إلا الله صدقًا، متى تكون غضبتنا للإسلام حقًا ولانتهاك حرمات الله؟ علمنا يا ربنا أن نغضب لدينك، وألا تكون غضبة زائفة لتنظيم أو جماعة. وماتت أخوة الإسلام فينا، وماتت النخوة، وحمية الإسلام. ولم تخفت المرارة في نفوسنا حتى كان نبأ أختي هديل التي آثرت أن تقضي نحبها وتنتقل إلى رحاب ربها، عن أن تكشف وجهها ليهودي حقير، أو أن تخضع للتفتيش الذاتي على يد يهودي نجس. فأفرغ غضبته عليها خمسة عشر طلقة في مفترق جسدها، وما فعل إلا لتمسكها بدينها، وموت الحمية والنخوة فينا. أبت إلا أن تموت دون عرضها، وبقي الرجال يهتفون!

اقرأ أيضًا: أمة (ساجدة)

سبحان الله العظيم، كل هذا يتزامن مع تلك الأيام العظيمة التي جعل الله فيها فريضة الحج، تلك التي نتعلم فيها تعظيم شعائر الله.. يا لهول المفارقة يا أخي! لأي مدى صار بيننا وبين المناسك التي نؤدي تلك الفجوة الهائلة؟
لعلك الآن بان لك طرف ولو قليل، من إجابة تساؤلك عن تأخر النصر، إنا يا أخي لم نعلنها بداخلنا إسلامية حقًا، لم نعلنها خالصة لله بعد.

أما يا أبي قد كبرت، ووجدت الكافرين يحرقون، ويقتلون ويفعلون بالمسلمين ما يفعلون، وأمتي غارقة في وحل التبعية، والتعايش، ذلك الوهم ظاهره الاستغفال، وباطنه الذلة والهوان. وأمتي ممزقة الكيان هكذا، كلٌ يُهلل لفريقه، قام المشايخ يمسكون زمام الأمور، ليقودوا الأمة إلى قاع الهاوية! فاعلم أمور دينك جيدًا، وقد نفسك لتأخذ بيد أمتك، ولتعلم أن عزنا في الجهاد، لا الهتافات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، غير أنها تفرغ غضبتك هباءا. فما عاد أمامنا سوى طريق واحد: المقاومة الفعالة، ليس الهتافات والسير في الشوارع بلا هدفٍ أو مخطط، ونشر الوعي لتحيا الأمة كريمةً أبية، وتدرك أي وحلٍ نحن فيه!

1160

الكاتب

خديجة يوسف

كاتبة مهتمة بالشـأن الإسلامي.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.