تناقلت وسائل الإعلام تصريحات وزير الإعلام السوداني «أحمد بلال» التي قال فيها بأن فرعون الذي ذكره الله في القرآن الكريم كان سودانيا، وأن الأهرامات السودانية أقدم من الأهرامات المصرية، وقد ضج لهذا الخبر سفهاء الإعلام المصري أصحاب الصحافة الصفراء، ممن أعطوا لأنفسهم الحق في التكلم في كل شيء وانتقاد كل شيء وكأنهم حازوا علوم الدنيا والآخرة، فنادوا نحن الأحق بفرعون المتكبر الجبار!

كيف لا يفعلون وهم الذين ساندوا فراعنة عصرنا ضد الشعب المصري المسلم الشقيق، وهذا الحدث من أعجب العجاب حيث يتقاتل الناس في كافر طاغية متكبر جبار أجمع العالم على جوره وعتوه، فكل يحاول أن ينسب نفسه إليه فيتخذه جدا يتفاخر به أمام العالم، وهذه هي أثار تعظيم الآثار القديمة والغلو فيها وفي أصحابها.

نسب فرعون واسمه الحقيقي

اختلف علماء الإسلام وعلماء التاريخ في اسم فرعون ونسبه على عدة أقوال، قال المسعودي: (ثم ملك بعده «الوليد بن مصعب» وهو فرعون موسى، وقد تنوزع فيه: فمن الناس من رأى أنه من العماليق، ومنهم من رأى أنه من لخم من بلاد الشام، ومنهم من رأى أنه من الأقباط من ولد مصر بن بيصر)[1]، وفيه أقوال أخرى وسنسرد أهم قولين بين هذه الأقوال.

القول الأول:

قالوا أن اسمه «الوليد بن مصعب» وأنه عربي من العماليق وهم أحد القبائل العربية التي هاجمت الأقباط واستولت على ملك مصر، وقد تكلم العلماء في هذا وقالوا أنه ينسب إلى قحطان، وهذا هو دليلهم إضافة إلى أقوال العلماء فقد قال شهاب الدين النويري: (فأما فرعون، فهو الوليد بن مصعب. قال وهب: كان «مصعب بن نسيم» بمصر يرعى البقر لقومه، وله امرأة يقال لها: «راعونة»، وهما من العمالقة)[2]، قلت وأعتقد أن العمالقة هؤلاء هم من يطلق عليهم في الكتب الأثرية والتاريخية الحالية اسم “الهكسوس”، لأن المسعودي ذكر أنهم أتوا من الشام فقال: (ومن ملوك بابل -وهم العماليق الذين طرأوا إليها من بلاد الشام- أربعة)[3]، يعني أربع من العماليق حكموا مصرا، وذكر محمود شاكر كلاما شبيها بكلام المسعودي وسمى القوم بالهكسوس فقال: (فقد ثار النّاس على حكامهم، وعمت الفوضى، وعادت التجزئة إلى البلاد، الأمر الذي ساعد الرعاة من البلاد الشامية أن يأتوا إلى المنطقة، وأن يصبحوا فيها ملوكا، وقد عرفوا باسم “الهكسوس”)[4]، ويوسف عليه السلام كان في مصر زمن حكم هؤلاء الهكسوس (العماليق)، وأكد عاطف عزت في كتابه “فرعون موسى من قوم موسى” أن فرعون من الهكسوس، ولكن ذهب إلى أن الهكسوس خليط من العرب والعبرانيين، وفرعون من العبرانيين، وهذا كلام روج له بعض الباحثين اليهود قديما للتفاخر بنسبتهم لفرعون كما يريد أن يفعل الآن هؤلاء.

القول الثاني:

قالوا أنه من الأقباط وهو اختيار المسعودي كما نقله عنه ابن خلدون وهو ظاهر كلام محمود شاكر وقيل أن اسمه رمسيس الثاني وقيل أنه منفتاح ابن هذا الأخير، قال ابن خلدون: (وقال المسعودي: بل كان فرعون موسى من الأقباط)[5]، وقال محمود شاكر: (ولما لم يرعوا ملوك الرعاة، ويقبلوا الحق الذي جاءهم به يوسف عليه السلام، سلط الله عليهم جماعات أكثر منهم ظلما فأذاقوهم مرّ العذاب، فأذلوهم، واستضعفوهم، وبدأوا يقتلون الرجال منهم، ويستحيون النساء، هؤلاء الطغاة هم من سكان وادي النيل الأصليين)[6].

 وأشار بعدها إلى أن موسى بعث لهؤلاء الفراعنة الأصليين وأقوامهم،  كما ذكر أن القرآن الكريم فرق بين الهكسوس (العماليق ) وبين الحكام الآخرين فوصف الحكام الهكسوس بالملوك ووصف الآخرين بالفراعنة، كما في قوله تعالى: (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) [يوسف: 43]، وقال تعالى: (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ) [يوسف: 50]، وقال تعالى: (قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ) [يوسف: 52]، وقال تعالى: (فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاء أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) [يوسف: 76]، ومن جهة أخرى قال الله تعالى: ( ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُواْ بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) [الأعراف: 103]، وقال تعلى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الزخرف: 46].

صفوة القول:

إن القلوب لترتاح لقول محمود شاكر، ولكن لا نجزم بصحة أحد الأقوال لعدم ظهور الأدلة القاطعة سواء العلمية الشرعية أو العلمية الدنيوية، خاصة وأن الأقوال كثرت وتعددت ولا سبيل لذكرها الآن، ورغم كثرة الأقوال إلا أننا لم نجد في كتب أحد من السادة العلماء الكبار ولا المؤرخين المعروفين المشهود لهم بالتبحر في التاريخ، أن فرعون كان من السودان (الحضارة النوبية قديما)، ومن قال بهذا فعليه أن يبين ذلك بحجج واضحة تؤيد كلامه.

 ولكن الذي لا شك فيه أن استدلال «أحمد بلال» خاطئ، حيث قال أن في مصر نهر واحد والله تعالى قال: (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ) [الزخرف: 51]، قلت: هذا دليل على عدم معرفة الرجل بتفسير الآية ولا بحقيقة نهر النيل، لأن نهر النيل كما هو معلوم نهر عظيم كبير جدا حتى أنه سمي بحرا، وكانت المجاري المائية التي تتفرع منه كأنها أنهار مستقلة، ولهذا عبر فرعون عنها بقوله (وهذه الأنهار تجري من تحتي).

 قال المسعودي: ( ومصر من سادات القرى، ورؤساء المدن، قال الله تعالى حاكيا عن فرعون: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ، وقال عزّ وجل حاكيا عن يوسف عليه السلام: اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ، [وهي مصر]، وليس في أنهار الدنيا نهر يسمى بحرا ويمّا غير نيل مصر لكبره واستبحاره)[7].

 وقال السعدي: (وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي، أي: الأنهار المنسحبة من النيل، في وسط القصور والبساتين)[8]، وقال ابن عاشور: (فالأنهار: فروع النيل وترعه، لأنها لعظمها جعل كل واحد منها مثل نهر فجمعت على أنهار وإنما هي لنهر واحد هو النيل)[9].

من المعلوم أن فرعون ذمه الله سبحانه وتعالى في القرآن وأكد أن مصيره نار جهنم خالدا فيها أبدا لكفره بالله، ونحن نبغضه ونمقته ونلعنه ونتبرأ منه كما تبرأ إبراهيم الخليل من أبيه وقومه لما أشركوا بالله، سواء كان مصريا أم سودانيا أو عربيا أم عبرانيا، ونحن ندرس التاريخ لنأخذ العبر من سير الصالحين فنسلك طريقهم، ومن سير الطالحين فنبتعك عن سبيلهم، ولم يمنعنا يوما هذا الطريق القويم في تعلم العلوم والامتياز فيها فنحن المسلمين أسياد العلوم، فانبشوا عن مؤلفات واختراعات آبائنا وأجدادنا في شتى العلوم النافعة.

أولئك آبائي فجئني بمثلهم *** إذا جمعتنا يا جرير المجامع

يتبع…


المصادر

[1] – الإمام المسعودي، مروج الذهب، ج1، المكتبة العصرية، بيروت، 2005م، ص.268.

[2] – شهاب الدين النويري، نهاية الأرب في فنون الأدب، ج13، دار الكتب العلمية، بيروت، 2004م، ص.150.

[3]– الإمام المسعودي، مروج الذهب، المرجع نفسه، ص.274.

[4]– محمود شاكر، التاريخ الإسلامي، ج1، المكتب الإسلامي، بيروت، 2000م، ص.66-67.

[5]– ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، بيت الأفكار الدولية، عمان، ص.363.

[6]– محمود شاكر، التاريخ الإسلامي، المرجع نفسه، ص.67.

[7]– الإمام المسعودي، مروج الذهب، المرجع السابق، ص.257.

[8]– الإمام السعدي، تيسير الكريم الرحمن، الطبعة الأولى، دار ابن حزم، بيروت، 2003، ص. 734.

[9]– محمد الطاهر ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج25، الدار التونسية للنشر، ص.229.

399

الكاتب

أبو ذر القصراوي

كاتبٌ صحفيٌ وباحثٌ إسلاميٌ مستقلٌ، كاتب صحفي لعدد من المواقع والمدونات والصُحُف المطبوعة. وكذلك حاصل على ليسانس في الهندسة المعمارية والعمران من جامعة بجاية كلية العلوم والتكنولوجيا.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.