فإن من نوازل العصر، وقواصم الظهر، انتشار الفكر الذي يقصي الدين في الجملة، ويستغني به الإنسان عن خالقه ومولاه، ويتخذ له إلهًا آخر من عقله أو هواه. وقد انتشرت هذه الأفكار في بلاد الغربيين، ثم تسللت إلى بلاد المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله رب العالمين. وتصديًا لظاهرة عداء الدين وإقصائه، فقد صنف الدكتور سلطان العميري -حفظه الله- بحثه الجامع ظاهرة نقد الدين في الفكر الغربي الحديث. وعمدت إلى تلخيصه واستخلاص جمله، حتى يكون مرجعًا مفيدًا، يختصر أوقات من يطلب جل أفكاره وفوائده. وتجدر الإشارة إلى أن هذا الملخص لا يغني عن قراءة البحث، وإنما هي محاولة تساعد من قرأه أن يسترجع الأفكار التي درسها وتعرض لها. ونظرًا لطول البحث، فسأفرد كل فصل من فصوله بمقال -إن شاء الله تعالى-. واستطردت استطرادات يسيرة، صدرتها بقولي: قلت. والله الموفق والمستعان، وعليه التكلان.

خارطة البحث ومساراته

نقد الدين

أهمية دراسة ظاهرة نقد الدين في الفكر الغربي الحديث

أرجع المصنف أهمية هذا البحث وضرورته في هذا العصر إلى ثلاثة أسباب:

  • السبب الأول: أن هذه الظاهرة مرتبطة بأعظم قضية في حياة الإنسان وهي تدينه.
  • السبب الثاني: أن من تلقفوا المواقف الناقدة للدين، لم يقصروا هجومهم على الدين النصراني الفاسد الذي حركهم لهذا الهجوم، وإنما نقلوا هذا الأمر لمهاجمة كل الأديان والملل -بما فيها الإسلام-.
  • السبب الثالث: التوسع الجغرافي لظاهرة نقد الدين في كثير من البلاد -حتى بعض البلاد الإسلامية-، خاصة مع هيمنة الثقافة الغربية الملحدة.

ثم بين المصنف أن هذا البحث ينقسم إلى قسمين أساسيين: جانب وصفي وجانب نقدي. ففي القسم الأول يذكر مكونات الظاهرة، وتشكلاتها، وتياراتها. وفي القسم الثاني نقد أهم المرتكزات المنهجية التي تبناها الناقدون للأديان وفندها وأوضح عوارها وبين خطأها. وذكر أن عدد المرتكزات المنهجية التي تعرض لها هذا البحث ثمانية مرتكزات أساسية. كما شمل هذا البحث التعرض لأكثر من خمسة وثمانين اعتراضًا تفصيليًا.

الباب الأول: مكونات ظاهرة نقد الدين في الفكر الغربي الحديث.

الفصل الأول: أسباب تشكل ظاهرة نقد الدين

عند دراسة أسباب ظاهرة نقد الدين في الفكر الغربي الحديث نتعرف على مقدار الفرق الهائل بين ما وقع في التاريخ النصراني من أمور شنيعة توجب على الغرب النفرة من الدين، ويتبين الخطأ المنهجي للعلمانيين والحداثيين العرب في تنزيل المواقف الأوروبية من النصرانية على الإسلام.

السبب الأول: تحريف الدين النصراني وخروج مكوناته عن العقل

نقد الدين

دخل التحريف إلى الدين النصراني حتى في القرون الأولى له، وتضمن تحريف لب العقيدة عندهم. وفي عام 1977 م قام أساتذة في جامعات بريطانية بإصدار كتاب “أسطورة تجسد الإله”؛ قرروا فيه أن الدين النصراني حُرِّف كثيرًا، وأن عددًا لا بأس به من عقائده وثنيةُ الأصل والمصدر. وحين تحدث المؤرخ الإنجليزي ويلز عن انحراف العقيدة النصرانية قال:

من الضروري أن نستلفت نظر القارئ إلى الفروق العميقة بين مسيحية نيقية التامة التطور وبين تعاليم يسوع الناصري.

ونيقية هو اسم أول مَجمَع كنسي وعقد عام 325 م. وكان من أهم أسبابه الخلاف الذي نشأ بين النصارى في ألوهية المسيح أو عدمها. قلت: عقدهم لهذا المجمع لهذا السبب يشير إلى جذرية الخلاف عندهم في القرن الرابع الميلادي، وهذا الخلاف لم يكن ليحدث لولا التحريف الذي مس قلب العقيدة وصُلبها.

ومن الشخصيات التي لعبت دورًا ضخمًا في تحريف النصرانية بولس. يشير هيم ماكبي -أحد مؤرخي الأديان- إلى أن اعتناق بولس للمسيحية على طريق دمشق هو الذي حول المسيحية من استمرار للديانات اليهودية إلى الأصلية إلى دين مختلف جديد ذي أساطير جديدة لا علاقة لها بالأصل. ونسبة التحريف لبولس متوافرة متواترة في كتب الباحثين والدارسين الغربيين.

ولا شك أن هذا التحريف للدين النصراني كان كبير الأثر في فتح أفواه القدح والطعن في دينهم ورجاله. ومن أبرز مظاهر التحريف للنصرانية ما يلي:

المظهر الأول: التشبع بسمات الأديان الوثنية

فقد تسرب للدين النصراني عدد كبير جدًا من عقائد عباد الأصنام والأوثان. وحين تطورت مناهج الدراسات التاريخية في الفكر الغربي، وآليات البحث والتنقيب، وتيسر للعلماء دراسة الأديان القديمة كالهندية، والصينية، والمصرية، والبابلية، واليونانية وغيرها، استطاعوا أن يروا حجم المعتقدات المتسللة كما هي إلى عقيدة النصارى!

المظهر الثاني: الرضوخ للتطور والتعديل

أضحى النصارى -نتيجة لتحريف عقائدهم- يقيمون المجامع الكنسية لتقرير العقيدة الرسمية المناسبة لهم. وهذه العقيدة تتغير بمرور الزمن كلما أقيم مَجمَع كنسي جديد. ومن هذا قانون الإيمان الذي تعده أغلب طوائف المسيحية أساسًا لإيمانها، فقد مر بمراحل متعددة مرورًا بمجمع نيقية (325 م)، ثم مجمع القسطنطينية (381 م)، ثم مجمع أفسس (431 م).

المظهر الثالث: كثافة المناقضة لمقتضيات العقول

وأبرز مثال قضية التثليث، ولا يكون النصراني مؤمنًا بالنصرانية إلا إذا آمن بها. وتفرض على العقل الإيمان بإله واحد، ومع ذلك يجعلون الأقانيم ثلاثة وكل منهم يطلق عليه اسم الله. قلت: تعالى الله عن هذا علوا كبيرًا!

المظهر الرابع: الانقطاع التاريخي

إن الكتاب المقدس لدى النصارى منقطع السند، فلا يعرف لبداية كتابته تاريخ محدد، ولم يكتب في زمن المسيح عليه السلام، ولا في زمن تلاميذه. فإن أول إنجيل هو إنجيل مرقس وقد كتب بعد رفع المسيح عليه السلام بخمس وثلاثين سنة. وقد كتب عدد كثير من الأناجيل حتى قيل إنها بلغت مئة إنجيل. فسارع الرهبان لاختيار أربعة منها، وهي: مرقس، ومتى، ولوقا، ويوحنا. ولم تعتمد هذه الأربعة إلا في القرن الرابع في مَجمَع نيقية (325 م). وظل الإنجيل فترة طويلة حكرًا على الكنيسة لا يطلع عليه إلا رجالها.

المظهر الخامس: الاضطراب والغموض

يتجلى الاضطراب في تغيير عقيدتهم من مجمع إلى آخر في شأن ألوهية المسيح عليه السلام حتى أن مجمع خلقيدونية (451 م) كان للبحث في طبيعة المسيح؛ هل هو ذو طبيعة واحدة أم طبيعتين؟

السبب الثاني: ضخامة فساد الكنيسة وظلام تاريخها

اعتقد النصارى أن الكنيسة تمثل البعد الروحي والتشريعي لرسالة النصراني، وهي المعبر الوحيد عما يقوله المسيح والمصدر المعصوم في تبليغ رسالته المنزلة عليه، وكل ما خالفها باطل فاسد.

وزاد من سطوتها وسلطتها تشكل النظام البابوي في القرن الرابع الميلادي الذي يعتقد العصمة في البابا -المنزلة العليا في الكنيسة الكاثوليكية- ويعدونه خليفة القديس بطرس الأكبر الذي كان أول أسقف لروما، وأول رسل الكنيسة لديهم.

وظهرت البابوية بشكل واضح في العصور الوسطى، وكانت قضية عصمة البابا من القضايا المشكلة في الكنيسة؛ فالكاثوليك يقولون بعصمته، بينما يخالفهم في ذلك الأرثوذكس والبروتستانت.

ومما تواتر في أخبار التاريخ الغربي فساد الكنيسة، وأنها كانت أبعد ما تكون عن أخلاق العبادة والورع، وأفردت في الحديث عنها المؤلفات والكتب، ومنها: “الجانب المظلم في التاريخ المسيحي” للكاتبة هيلين إيليربي، وكتاب “التاريخ الأسود للكنيسة” للقديس دي روزا.

يقول المؤرخ الإنجليزي أندرو ملر: “إنه لا توجد لغة، مهما كانت خطيرة وسامية، تستطيع أن تعبر تعبيرًا كافيًا ودقيقًا عن أعماق الشر الذي كانت تنطوي عليه السياسة البابوية … إن المؤرخين جميعًا، من كاثوليك وبروتستانت، قد أجمعوا على أن الأديرة وجميع البيوتات الدينية، كانت عشًا للخرافة والخمول، ثم انقلبت بعد ذلك أوكارًا للفجور والفسق”.

ويقول الباحث النصراني جاد المنفلوطي: “إن غالبية رجال الدين في تلك الأيام، كانوا من مدمني الخمر، مستعدين للعديد من الخطايا، كخطيئة الزنا، وكانوا يعيشون في بحبوحة من العيش، يسعون وراء المتع العالية، ومهملين القيام بواجبات الخدمة الموكولة إليهم”.

والنقول في هذا الباب كثيرة جدًا.

ولا شك أن لهذا التاريخ المظلم للكنيسة الأوروبية دورًا في توطئة أرض خصبة لنقد الدين النصراني، حتى قال ول ديورانت -صاحب قصة الحضارة-: “لقد كانت الكنائس التي أنبتت الإلحاد”. إضافة لما عُرفت به الكنيسة من دموية وقسوة مع المخالفين والهراطقة، واصطفاف رجال الكنيسة مع الأمراء الظلمة الفاجرين. كل هذا كان له بليغ الأثر في جعل الشعوب الأوروبية تعد الثواني لإزالة الكنيسة ودينها.

السبب الثالث: تطور الوعي الأوروبي وتوسع مداركه وتجاوزه الكنيسة

نقد الدين

في عصر النهضة -القرنين الخامس عشر والسادس عشر- حدثت عدة تطورات ساهمت في إخراج الأوروبيين -قدرًا ما- من قبضة الكنيسة، ومنها: اكتشاف البوصلة واستخدامها في أغراض الملاحة البحرية، وما لحق ذلك من اكتشافات جغرافية للقارة الأمريكية والقارة الهندية، اكتشاف البارود وما تبعه من صناعة آلات القتال.

وتطور الفكر الأوروبي حتى ألف ميكافيللي الإيطالي كتابه الأشهر “الأمير” في القرن السادس عشر، وحمل على الكنيسة، وخط الخطوط الأولى في الاستقلال السياسي عنها، وانتشر بين الناس جدًا، ووصف روبرت داونز مؤلفه ميكافيللي بأنه مؤسس علم السياسة حقًا. واخترعت الطابعة، وانتشر الكتاب المقدس في أيدي العامة.

وظهر الفيلسوف برونو (1600م) الذي قرأ كتب اليونانيين وتبنى نظرية ديمقريطس الذرية، وخالف الكنيسة حين تبنى نظرية كوبرنيكس في دوران الأرض وأن الشمس مركز العالم، وحكم عليه بالإعدام حرقًا بالنار. وكذلك الأمر مع جاليلو (1616م)، غير أن جاليلو اضطر إلى التراجع عن أقواله خوفًا من بطش الكنيسة.

ولا شك أن نظرية كوبرنيكوس من أكثر النظريات التي عارضتها الكنيسة، حيث دمرت الرؤية القديمة للكون في أن الأرض هي المركز، وكشفت أن الشمس هي المركز، وحاربتها الكنيسة بكل ما أوتيت من قوة وبطش، ومارست التعذيب والتنكيل في حق كل من تبنى نظريات مخالفة للرؤية الكنسية.

السبب الرابع: فشل الإصلاح الديني وتلبسه بالأخطاء

ما قام به مارتن لوثر (1546م) في القرن السادس عشر يعد من أشهر محاولات الإصلاح الديني، والثورة على الكنيسة الأوروبية. فأسس مذهب البروتستانتية، غير أن مذهبه الجديد لم يسلم من الأخطاء، بل كان في بعض سياساته مكررًا لأخطاء السياسة الكنسية التي ثار عليها. كان مارتن لوثر منتميًا للكنيسة، ثم كان نقطة البداية حين اعترض على الكنيسة أخذ الأموال من الناس مقابل بيع صكوك الغفران، ثم لم يلبث أن أنكر عصمة البابا، وعصمة المجامع الكنسية، وأنكر احتكار البابا لتفسير الكتاب المقدس. ثم قام لوثر بالانشقاق عن الكنيسة وتأسيس المذهب البروتستانتي الذي لاقى رواجًا في السويد، والدنمارك، وهولندا، وسويسرا، وبلجيكا، وإيطاليا، وإسبانيا، وفرنسا، وتوسمت فيه شعوب هذه الممالك الخير والخلاص من الطغيان الكنسي.

غير أن مفاسدها فاقت مصالحها، ومن ذلك:

الإبقاء على كثير من الانحراف الكنسي، ومن ذلك عقيدة التثليث، وعقيدة الصلب، وأبقت على الكتاب المقدس مع ما فيه من انقطاع تاريخي. وتبني عقيدة الجبر، والنظرة التشاؤمية للمرأة. ومحاربة التطور العلمي وخاصة نظرية كوبرنيكوس، لدرجة أن نظرية كوبرنيكوس كانت أكثر قابلية للانتشار في البلاد الكاثوليكية منها في البلاد البروتستانتية. ومعاداة العقل والفكر، بل وصف لوثر العقل بأنه من الشيطان.

وطغيان البروتستانتية وعدم تسامحهم مع الآخرين. وفي هذا يقول جوستاف لوبون: “كالفن -أحد شخصيات التيار البروتستانتي- قسم الناس إلى أخيار وضالين، فقال: يجب على أولئك أن يضطهدوا هؤلاء، وعندما أصبح سيد مدينة جنيف، سامها سوء العذاب، وأقام فيها محكمة ضاهت محكمة التفتيش في ميلها إلى سفك الدماء”.

وتسببها في الحروب الدينية، وأشهرها حرب الثلاثين عامًا من 1618 م إلى 1648 م. وتعزيز نزعة التمرد والفردية، فمع أن طابعها كان دينيًا، إلا أن ريتشارد تارناس يقول: “كانت معلمِنة بعمق…”. وفتحت الأبواب أمام التعددية الدينية فانتعش الشك الديني، والتداخل والتعاون مع الحكومات الأرضية الظالمة كما كان الكاثوليك يفعلون.

وبهذا انتهى الفصل الأول من الباب الأول، والحمد لله.

111

الكاتب

براء اليافي

طالب هندسة مهتم بالعلم الشرعي والقضايا الفكرية.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.