عندما فقد الإسلاميون البوصلة… مسار التصحيح وإعادة البناء

Want create site? Find Free WordPress Themes and plugins.

ناقشنا في الجزء الأول كيف شكَّل انقلاب الثالث من يوليو للعام 2013 قصة جديدة في تاريخ التيار الإسلامي في مصر، قصة تنوعت فصولها بين القتل والاعتقال والتشريد والتضييق والإعدامات والمطاردات… قصة لا بد من إعادة قراءة فصولها بإمعان؛ للوقوف على مواطن القوة والضعف ورسم مسارٍ منهجي واضح للتصحيح.

وفي الجزء الثاني  رأينا أن المعركة ضد الطغاة قائمة مشتعلة، ما استوجب علينا النظر في الأحداث وإبراز ما انطوت عليه من نجاحات والتنبيه على الانحرافات التي اعتلت المنهج والطريق.

مسار التصحيح

ولسنا هنا بصدد وضع مخطط تفصيلي للتحديات التي تواجه التيار الإسلامي اليوم، إذْ أنّ هذا يحتاج إلى عمل مركز بحثي متكامل يجمع الخبرات على جميع الأصعدة والمستويات، ابتداءً من الوضع الاجتماعي مرورًا بالسياسي والأمني وقبل هذا الشرعي. بل نحن في هذا نضع خطوطًا عريضة لما ينبغي أن يكون عليه مسار التصحيح.

إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ

ومن هذه الآية العظيمة تتشكَّل لدينا ملامح المسار وهويته التي تحفظه من الزيغ والانحراف، فقبل الخوض في الحديث عن الاستراتيجيات وطرح الخطط التفصيلية يجب أولًا إدراك الحقيقة التي من أجلها خلقنا الله، والواجبات التي كلَّفنا بها في المقام الأول. لنضع ونؤسس للقاعدة التي ستنبني عليها جميع الحلول والتكتيكات والاستراتيجيات.

فوظيفة الإنسان هي «العبودية» بامتثال أمر الله واجتناب نهيه، والوقوف عند حده. يقول تعالى «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ» ولسنا في هذا نركن إلى كلمات وعظية جوفاء لا تكاد تتجاوز الحناجر، بل نُقِرّ أهم قضية سينبني عليها أي حراك، وتوضع على أساسها الخطط وتُرسم الاستراتيجيات تبعًا لها، إنها قضية وظيفة الإنسان في الكون.

يمكنك الاطلاع على: سبيل صلاح الأمّة وأولويات نهضتها

ولإن كان تقديم التنازلات ومحاولة التخفف من النص الشرعي سياق يأباه النص الشرعي وطبيعة المنهج الإسلامي الذي يُقرِّر المفاصلة في قضاياه الرئيسة بما لا يدع مجالًا للتأول على هذا المنهج الذي يأبى أن يُطوّع ليُلائم غير المنهج الذي أُنزل له. كذلك ترفض السنن الكونية والشرعية أن يتواجد من يقرر المراوغة والتلاعب بتعاليم وحقائق ومقررات هذا الدين لأنه ببساطة لم يعد هناك موضعًا للخيارات المميعة، فتأبى إلا أن تضعنا في مواجهة حاسمة أنْ هذا صراط الله المستقيم وهذه ما دونه من السبل!

الحل الثوري الجذري والعودة إلى 11 فبراير

لذا كانت أولى خطوات التصحيح أن يُقِرّ التيار الإسلامي في مصر أحد أمرين: إما أن يقبلوا واقع الهوان والذل والمطاردات والتصفيات والتعذيب والتنكيل والقمع الذي نعيشه، وأن نحيا مُهمّشين منزوعة حقوقنا وكرامتنا، ونحيا في ضوء الإطار الذي لا يُزعج الحكام ويسمحون بوجوده. وإما أن نعمل على إيجاد الحل الجذري للتخلص من هذا الواقع وموروثاته ونستكمل ثورة ابتدأت منذ سبعة أعوام، لتستكمل مسارها وفق نهج ثوري لا يقبل التمييع ولا أنصاف الحلول ولا مهادنة من عانينا على أيديهم.

إيجاد حل صالح للواقع المصري وليس تقليدًا لواقع غيرنا

لذا نعتقد أنه قد آن الأوان للمخلصين من المسلمين ليقفوا مُتّحدين مُفكِّرين في تجاربنا وتجارب غيرنا، لمحاولة إيجاد حل لهذا الانفصال النَّكِد بين التنظير والتطبيق، لاستخلاص تصورات عملية تستند إلى تصورات شرعية، تتسم بالديناميكية في التطبيق والانحياز التام إلى المنهج، متناسبة مع واقعنا وعرفنا وثقافتنا وتركيبتنا السكانية والجغرافية والتاريخية. فقد يتناسب حل من الحلول مع واقع ما، فيما يتخلف ذات الحل عند تطبيقه على واقع آخر، فيصير من الإجرام تطبيقه على الواقع الجديد.

التخطيط الاستراتيجي الشامل وفهم معطيات الواقع

ومن هنا تنبع ضرورة التخطيط الاستراتيجي الشامل وفهم معطيات الواقع وامتلاك المبادرة ومحاولة إيجاد أنجع الوسائل والحلول، فغياب النظرة الاستراتيجية والرؤية الشمولية المنطلقة من الواقع كلَّفنا الكثير، فمن يزعم أنّه بإمكانه تغيير الواقع دون أخذ بالأسباب؛ فإنه يهزأ بنفسه وبمسؤوليته وبالأمانة التي أُوكِلت إليه.

ولا يكفي أن تكون الخطط الاستراتيجية والتنظيرات موجودة يمكن تطبيقها على أرض الواقع، بل يجب كذلك أن تتسم بالمرونة، فتُرسم مخططات معتمدة على سلسلة من الاحتمالات والحلول البديلة المعدة مسبقًا تحسُّبًا للعديد من التغييرات المفاجئة التي يشهدها الواقع وتفرضها الأحداث.

الإعداد للتخلص من الضرورة التي ألجأتنا لأكل الميتة

ومن هنا يتوجب على العاملين الإعداد والتَّجهز في ظل واقع يفرض علينا المواجهة أو دفن الرؤوس في الرمال، يقول تعالى: «وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ». ولإن لم يكن هذا الإعداد في الوقت الحاضر على سبيل المبادرة، فليكن على سبيل الردع ليُفكِّر الجميع ألف مرة قبل ترويعنا واستنفارنا.

الاهتمام بالقضايا الاقتصادية وإعطاؤها بعدها الشرعي

كذلك ضرورة الالتفات إلى قضايا الناس الاقتصادية، في ظل هذا التردي الاقتصادي الذي لم يحط أوزاره إلا على رقاب الفقراء والمتعففين، فهذا القهر ولإن كان سبيلًا لتثوير الشعوب ضد جلاديهم إلا أنه مِن أول ما يجب الالتفات إليه لإزالته، لأنه ينال من كرامة الإنسان، فعجز الإنسان عن القيام بمسئولياته يفت في عضده وينتزع كرامته ويكسر نفسه.

وليس ملف الموارد المُستنزَفَة بأقل من سابقيه، فنهر النيل قُيّد منبعه، والزراعات فُرضت عليها القيود والعقوبات، والموارد الطبيعة لا نعلم كم بقي منها في ظل عمليات النهب والسرقة الممنهجة. والمُحزن أنّ كثيرًا من فقهاء الجهاد والعاملون يرون في الجهاد دون المال خدشًا في العقيدة، مما يعكس ضيقًا في رؤية كامل المعركة، وعدم استيعاب لكامل الخطوات التي يتخذها المحتلون لأرضنا وأتبعاهم من الحكام.

وللوقوف على مزيد من التفصيل يمكن الاطلاع على: تجفيف منابع النفقة: كيف ساهمت الشعوب في حصار حركات الجهاد والمقاومة؟

التكامل وإيجاد خط عمل موحد

ضرورة إيجاد خط عمل موحد لجميع المؤمنين بالعمل الثوري وإشراك الناس في معاركهم، ولا نقصد أن ينبري الجميع في ذات الثغر، ولكن يتشارك الجميع بطريقة متكاملة وفق منهجية واحدة واضحة جلية.

صناعة قادة وكوادر داخل التيار الإسلامي

ضرورة الاهتمام بإنشاء الكوادر اللازمة حسب أهميتها أولًا بأول، وأرى أن أكثر تلك الكوادر أهمية هي تلك التي تستطيع قراءة الواقع، واستقراء التجارب، عن طريق الاهتمام بإنشاء المراكز البحثية التي تضمن الحساب لخطواتنا قبل الإقدام عليها، ما يحفظ مواردنا ولا يُبدِّد الطاقات فيما لا يفيد.

الالتصاق بالجماهير والتحرك من خلالها، وتجسيد أهدافها العادلة

ولإن كان جميع ما سبق لا يمكن الحراك بدونه، إلا أن الجماهير تبقى هي الحكم الفصل في اللعبة، فالعناية والاهتمام بالعنصر البشري وإشراك كافة أطياف الشعب في معركة التغيير، وضرورة الالتصاق بالجماهير المسلمة والتحرك من خلالها، وتجسيد أهدافها العادلة، لا تقل أهميته بحال عن أيٍّ مما سبق. ومع التأكيد على أهمية تثوير الجماهير، إلا أنه يتعين تجنب إثارة الجماهير دون إمكانية لضبطها والمحافظة عليها وصيانتها.

يقول أبو مصعب السوري، مستحضرًا أهمية الاعتناء بالعنصر البشري: «فليس كافيًا أن ترفع الحركة مبادئ الإسلام والحاكمية بتعميم مبهم. فالجماهير العادية من المسلمين لن يأكلوا في النهاية مبادئ وشعارات عريضة. وعلى الحركة أن تفهمهم أنها تهدف إلى إعمار دينهم ودنياهم وأن مصلحتهم العاجلة فضلا عن الآجلة متعلقة بمدى تضحياتهم ومشاركتهم. فالدين والمبادئ هي الأساس ولا شك وهي التي تحفز المسلم العادي على الإقدام والتضحية ولكن لابد من مخاطبته بمشاكله اليومية. ولابد من التقدم إليه بتحليل شاف عن أسباب شقائه وعن البدائل التي أعدتها الحركة لمشاكله على الصعيد الشخصي وعلى صعيد المجموع وفي كل المجالات من أمنه إلى اقتصاده إلى أمور حاضره ومستقبله.»

الاعتماد على القوى الذاتية وعدم التورط في تحالفات مشروطة

ضرورة الاعتماد على القوى الذاتية وتجنب الركون إلى المساعدات الخارجية، لذا يتعين عدم التورط في تحالفات مباشرة ومشروطة مع أي جهة أيًّا ما كانت. فما الثورة السورية عنا ببعيد ولا ما آلات إليه بعض الفصائل نتيجة للدعم المشروط. وعلى صعيد آخر يتبين ضرورة التعاون بين جميع أبناء التيار الإسلامي على صعيد تبادل الخبرات والكوادر والتجارب والمساندة الإعلامية والدعم والإرشاد والنصح.

إدراك حقيقة الثورات وسبل استكمال أهدافها

فما من ثورة إلا وحسمتها قوة ما في النهاية، ولا بد من ضريبة لتُدفع من أجل التخلص من سطوة القمع الذي يقتل فينا دون شفقة أو هوادة. فلماذا يفرق الناس بين المتساويات؟ أوليست الانقلابات العسكرية المنحازة للشعوب والحروب الدفاعية هي حروب نزيهة مقدسة يتسابق الشجعان لخوض غمارها؟ أوليست التدخلات لدحر هجوم يستهدف الأبرياء، يُعدّها الناس تدخلات ذات أهداف نبيلة؟ ولماذا يصبر الناس على رؤساء وحكومات قمعية طمعًا في أمان أو استقرار هما أبعد ما يكون عن الحكومات القمعية، ولا يصبرون في سبيل تحقيق ما تعبَّدنا الله به؟

فكيف لعاقل أن يفكر أنَّ مَن يتسابق على قتله، سيترك له فرصة في ظل نظامه تسمح له بإزاحته؟ ولنفرض أن التظاهرات تُجدي نفعًا، أليس من العقل والحكمة ترك الطرق التي سُدّت؟ فالتظاهرات قد جُرِّمت بموجب قانون تنظيم التظاهر 2013، فكل مساحات الفعل السياسي السلمي أُغلقت ولحين إزاحة النظام. فلماذا يُصِّر البعض على انتهاج مسلك لا مخرج له؟

يمكنك أن تقرأ أيضًا: تداعت علينا الأمم فماذا نفعل؟

ختامًا

وعندما نسأل عن البدائل والحلول هل يكون سؤالنا لمجرد الترف الفكري ودربًا من دروب الثقافة، أم هو محض سؤال عابر شغلتنا الإجابة عنه فأردنا فقط أن نعرف إجابته؟ وقفة صادقة مع النفس تكشف خبايا ذواتنا وأهدافنا، فإن كنا صادقين في البحث ومحاولة معرفة الطريق فإننا إذًا نبحث عن دورنا وواجب الوقت في حقنا، ولسنا كبني إسرائيل عندما سألوا نبيُّهم القتالَ فقالوا: «وَمَا لَنَا أَلا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا» ولكن بعد أن جاءهم ما سألوا «تولوا إلا قليلًا منهم». ولئن صدقنا النية وأخلصناها لله، وأردنا حقًا الخلاص والفوز بنعيم الدنيا والآخرة فسبيلنا معلوم: «وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ».

وعلينا أن ندرك أنّ ما تحياه أمتنا اليوم لهو من صناعة الله لها؛ ليميز الخبيث من الطيب ويُنقّى الصف، وتُصقل النفوس وتُعدُّ لحمل أمانتها، والقيام بدورها، انطلاقًا من خيرية هذه الأمة ووعد الله بالنصر لمن اتبع السبيل ثم أدى دوره في حمل الأمانة وتبليغها. وما لنا أن نيأس من طول الأمد، فأمتنا لها باع مديد في ممارسة النفس الطويل.

«وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ».

371

Did you find apk for android? You can find new Free Android Games and apps.
المصادر
الكاتب

مي محمد

طالبة علم، أرجو أن أكون مِن الذين تُسدُّ بهم الثغور.

التعليقات

  • محمد منذ أسبوعين

    الحل يكمن في اتباع استراتيجية حرب اﻷسراب مثل عندما يتحدى النمل الصرصار النمل يكون بدون قيادة ولكن يستطيع هزيمة قوة مركزة كصرصار بواسطة تتابع اﻷسراب و وجود نوع من التزامن بين اﻷفراد و يكون ذلك عن طريق صنع منصة للتواصل المجهول لصنع عمليات عسكرية يجهل حتى اﻷفراد المشاركين فيها بعضهم البعض ولكن يكون هناك اجراءات و علامات و قواعد لكي يعرف كل دوره دون معرفة بعضهم البعض و مع تقسيم العمل عليهم جميعا يمكن تقسيم التكلفة العسكرية من مجرد فداء بالنفس إلى مجرد تضحية بالجهد أو الوقت أو المال و هذا أكثر جدوى لأن العدو لا يدفع تكلفة كبيرة في حين يدفع المجاهد تكلفة باهظة و قليل من سيفعل ذلك اما إذا كانت التكلفة قليلة فسيشارك الجميع لتنفيذ العمليات و عندها يسقط الحكم المركزي بسهولة و سرعة ولكن الصعوبة في التزامن بين اﻷفراد و تنسيقهم بحيث نحصل منهم على قوة كبيرة متزامنة بكل تأكيد لو جمعت و ركزت للتناسق فيما بينها و يعتبر ثورة 25 يناير مثال سريع لإسقاط قوة مركزة من الشرطة و لكن التزمن أخذ و قت طويل 30 سنة أما مع التواصل و تقليل تكلفة الحرب على اﻷفراد عن طريق تقسيم المهام يمكن تقليل هذا الوقت بشكل كبير و هذه طريقة عمل النمل و أسراب الطيور يمكن إستخدام منصة التواصل diaspora ﻷنها غير مركزية ولا يمكن إغلاق شئ منها كنواة لبدء حراك حرب الأسراب swarm war

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    مشاركة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.