Want create site? Find Free WordPress Themes and plugins.

 

«مثير للجدل» .. من أشد العبارات المعاصرة غرابة ودهاء ومواراة ونفاقا .. إنها محاولة لغوية وتعبيرية ماكرة لتلطيف الأجواء وتخفيف الاحتقان وتقليل الخصوم .. عبارة لو تدخلت في تفاصيلها لا تجد إلا الإلحاد أو الشذوذ أو الإباحية أو الخراب أو الفرقة والتشرذم .. أي لا تجد إلا كل خروج عن الدين أو جنوح عن العرف والتقاليد الرصينة أو شرود عن منطق العقل والحكمة أو السير الأحمق عكس الاتجاه البشري وناموس الفطرة والكون.

عندما تسمع عن شخصية مثيرة للجدل، أو تصريح مثير للجدل، أو برنامج أو فيلم مثير للجدل .. فأعلم يقينا أنه تجاوز للخطوط الحمراء، وجنوح عن الفطرة، واعوجاج في المسيرة البشرية، وتفلت عن ركب الطهارة.

إنها عبارة تذكرني بعبارة «النكسة» التي ابتكرها الصحفي المصري محمد حسين هيكل –ظل النظام الحاكم- إبان هزيمة يونيو 1967 لتخيف الاحتقان الجماهيري بموت الآلاف من جنودنا البواسل وتدمير آليات الجيش المصري عن بكرة أبيه، نتيجة حماقات السلطة السياسية العسكرية وقتها بقيادة عبد الناصر والمشير عامر.

إنها عبارة تذكرني بعبارة «الاستعمار» التي وصفوا بها المحتل الفرنسي والبريطاني لمنطقة الشرق الإسلامي والتي كانت فترة استخراب ونهب ثروات وقلب المفاهيم.

إنها عبارة تذكرني بعبارة «الشرق الأوسط» التي استعاض بها الغربيون والعلمانيون والليبراليون عن عبارة «الشرق الإسلامي» لأن الإسلام كان وما زال غصة في حلوقهم، ولا يرونه إلا رجعية وتحجر وتخلف.
إنها عبارة تذكرني بعبارة «تحرير المرأة» وما هي إلا دعوة لتفلت المرأة المسلمة من حجابها وسترها وعفتها، ولقد نجحوا في ذلك إلى حد كبير -إلا من عصمها وثبتها الله العزيز الجبار- في الوقت التي رأت المرأة المسلمة في ظل دعواتهم التهميش والتحرش والضياع، وكان حظها من الإنجازات أن جعلوا لها يوما عالميا يتحدثون فيه عن معاناتها وسبل تكريمها، والواقع على الأرض عكس هذا تماما، ومأساوي لأبعد الحدود.

 

الأمثال للإفهام

قالوا عن الشاعر (أمل دنقل) أنه مثير للجدل، وتبحث في إنتاجه تجد طفح عقائدي قذر من أمثال قوله:

المجد للشيطان .. معبود الرياح

من قال ” لا ” في وجه من قالوا ” نعم “

من علّم الإنسان تمزيق العدم

من قال ” لا ” .. فلم يمت،

وظلّ روحا أبديّة الألم !

وقالوا عن الشاعر نزار قباني أنه مثير للجدل، فتجد ماخور من المجون والفجور فاق الوصف، وقد بلغ قمم العري في أشعاره الفاضحة، فيتحدث -مثلا- عن نهدين مغرورين فيقول:

أنا الذي أنقذت نهدك من تسكعه لأجعله أميرا

وأدرته لولا يداي أكان نهدك مستديرا؟

وأنا دللت على أنوثتك المراكب والطيورا
حسبي غرورا أنني
علمت نهديك الغرورا
فلتشكري المولى كثيرا.

ومن الكتاب المثيرين للجدل (هاشم صالح) المتخصص في ترجمة وتسويق المشروع الحداثي للدكتور الراحل (محمد أركون) .. فلقد كتب عقب قارعة سبتمبر داعياً إلى انتهاز فرصة الهجمة الغربية على الإسلام، لتبني الحداثة الغربية التي أحلت وتحل «الدين الطبيعي» محل «الدين الإلهي»!! ,, فقال:

“إننا يجب أن نلتحق بفولتير وتصوره الطبيعي عن الدين والأخلاق، فالدين الحقيقي هو الدين الطبيعي، وإن العبرة هي بأعمال الإنسان وليست بمعتقداته، أو حتى صلواته وعباداته، ولابد من تأويل جديد لتراثنا يختلف عن تأويل الأصولية، بل وينقضه، تأويل يكشف عن تاريخية النصوص التأسيسية، ويحل القراءة التاريخية محل القراءة التبجيلية لهذا التراث”!.

وقال (عزيز عظمة) السوري المقيم في باريس لقرابة الثلاثين سنة: “إن الحركة الحداثية العربية لم تترك أثرا يذكر في الحياة، لأنها ربطت نفسها بالتراث والنص القرآني بشكل خاص، ولم تنظر إليه على أنه أساطير وخرافات بالإمكان تجاوزها”.

 

ومن السياسيين المثيرين للجدل، الفلسطيني (محمد دحلان)، الذي أشتهر بالرحلات المكوكية السرية لمقابلة الدبلوماسيين الصهاينة والساسة العرب المشبوهين من بني جلدتنا، من أجل الكيد المستمر لقضايا الأمة العربية عامة والفلسطينية خاصة.

ففي حديث عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ المشهور .. فثاب رجال من أهل الدار حولنا حتى اجتمع في البيت ذو عدد، فقال قائل منهم: أين مالك بن الدخشم؟ فقال بعضهم: ذلك منافق لا يحب الله ورسوله. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تقل ذلك، ألا تراه قد قال لا إله إلا الله يريد بذلك وجه الله» قالوا: الله ورسوله أعلم، فإنما نرى وجهه ونصيحته للمنافقين.

 

ولا ننسى يوم حضر الرئيس الأمريكي (بوش) إلى قمّة العقبة في يونيو 2003، فرحاً بالنصر الذي حقّقه قبل شهرين في بغداد، عاقداً العزم على خلق أنظمة جديدة في المنطقة تتساوق مع الفكر الصهيوني وتتعاون معه، وإخماد ما تبقّى من حركات أو دول تقاوم المشروع الأمريكي في المنطقة .. جاء هذا التصريح بعد تقديم دحلان تقريراً مفصلاً عن الوضع الأمني في الضفة وغزة، عرضه أمام بوش وشارون وعقّب عليه قائلاً: “إن هناك أشياء نستطيع القيام بها”، طالباً المساعدة الأمنية الأمريكية لأجهزته.

وليس بعيداً عن ذاكرة التاريخ ما فعله (دحلان) بعد أوسلو حين تسلّم مهمة قيادة جهاز الأمن الوقائي، وكيف كان وفياً بطريقة خرافية للاتفاقات الأمنية، وكيف تعاون مع الصهاينة من أجل الفتك بالمقاومة عبر التنسيق المذهل مع الأجهزة الأمنية الصهيونية .. هذا التنسيق دفعه -عبر الرسائل والتقارير واللقاءات والمصالح الأمنية والاقتصادية- إلى أعلى المراتب في سلطة الحكم الذاتي. من قائد لجهاز الأمن الوقائي، إلى مستشار عرفات للشؤون الأمنية إلى وزير للداخلية.

 

والقائمة تطول، ولو ذهبنا نستقصي هؤلاء لطال المقال بما لا يستوعبه مقال ولا مقالات، بل الأمر يحتاج لمجلد بل ومجلدات.

أعلمتم يا دعاة الحرية الكاذبة من أين أتتنا الهزائم، وأيقنتم يا من غٌرر بكم مدى الحال المقززة لثلة من مثقفينا وفنانينا ومبدعينا وسياسينا الذين عمقوا في الأمة الجرح، وهدموا الصرح، وعبثوا بالعقائد، وأججوا الغرائز، وشيطنوا الأبرار، ونفروا السذج من الأطهار.

 

350

Did you find apk for android? You can find new Free Android Games and apps.
الكاتب

د. خالد النجار

طبيب وكاتب، أعمل كاتبا منذ عشرين عاما في مختلف المجلات والصحف العربية والإسلامية، ولي مجموعة من الكتب المطبوعة، والآن أحرر العديد من المقالات في مواقع بالإنترنت.

التعليقات

  • xsameer منذ سنتين

    مقال نافع

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    مشاركة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.