وقف الأنبا يؤانس والأنبا بيمن في كنيسة “مارجرجس والأنبا شنودة” في نيويورك أمام حشد من المسيحيين المقيمين بالمدينة، واصفين السيسي بـ «مبعوث المسيح إلى مصر» وناعتين الشباب المسيحيين بالـ «الشباب الأحمق المتهور الذي يضيع كل ما تحققه الكنيسة».

فلماذا ترى الكنيسة في مصر أن السيسي مرسل من المسيح اليهم؟ وما هي مكتسبات الكنيسة ومخططاتها التي يضيعها شبابهم بحماقتهم؟

أجاب الأنبا يؤانس والأنبا بيمن و كذلك الأنبا بولا والعديد من رجال الكنيسة غيرهم على هذا التساؤل في العديد من المناسبات المسيحية التي يجتمعون فيها داخل و خارج مصر، و في اللقاءات التليفزيونية المختلفة أيضًا.

  • فبجانب قيام الجيش ببناء كنيسة جديدة على نفقته في “الفرافرة”.
  • وبجانب أعمال إصلاح وترميم الكنائس التي تجري على نفقة الدولة في جميع أنحاء الجمهورية بتكلفة وصلت الى 169 مليون جنيه حسب تصريح الأنبا يؤانس.
  • وبجانب تصريح الأنبا بيمن أن السيسي أخبره أن العاصمة الإدارية الجديدة سوف تُبنى فيها كنيسة على مساحة 6000 متر.
  • بجانب كل ذلك فقد صدر قانون بناء الكنائس والذي عدوه أهم شيء قامت الكنيسة في مصر بتحقيقه على الإطلاق.
فرحة النواب بقانون بناء الكنائس، وسط هتاف "عاش الهلال مع الصليب"

فرحة النواب بقانون بناء الكنائس، وسط هتاف “عاش الهلال مع الصليب”

فيما يلي سنستعرض مواد القانون المُلغَّمة وشرح كل مادة منهم على لسان رجال الكنيسة أنفسهم، وسنستعرض كذلك تصريحاتهم عن ما ستقوم به الكنيسة خلال السنوات المقبلة بناءً على هذا القانون. ولكن أولًا يجب أن نتعرف على أوضاع المسيحيين في مصر قبل هذا القانون لنفهم أثره عليهم و سعيهم نحوَه.

بناء الكنائس في الإسلام و في مصر:

الحُكْم الشرعي:

يَحرُم في الإسلام بناء كنائس جديدة في بلد أو معابد يُعبد فيها غير الله، طالما أن المسلمين فتحوا هذا البلد بسيوفهم و ملكوها أو عاهدوا أهلها على أن الأرض للمسلمين وأهلها مقيمون فيها فقط. ولعل أدل شيء على هذا هو ما فعله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب حين فتح بيت المقدس وأخذ الجزية من النصارى فيها وأعطاهم عهده على شرط :

” ألا يُحدِثوا في مدينتهم ولا فيما حولها ديرًا ولا كنيسة ولا قَلِيَّة ولا صومعة راهب، ولا يجدِّدوا ما خَرِب، ولا يمنعوا كنائسهم من أن ينزلها أحدٌ من المسلمين ثلاث ليالٍ يطعمونهم”

من كتاب عبدالرحمن بن غنم. ولا يُعلَمُ خلافٌ على هذا بين علماء المسلمين على مدار الـ 1400 عام.

واقع بناء الكنائس قديمًا

ولَمْ يحق للنصارى قط إحداثُ كنائس جديدة لهم في البلاد التي فتحها المسلمون إلى أن أتى وقت ضعف الدولة العثمانية وانتشار الفساد والضعف فيها وتدخل الدول غير المسلمة في أمور حكمها. في عام 1856 بضغط من القوى العظمى حينها–فرنسا وإنجلترا وألمانيا–أُلغيَت الجزية المفروضة على غير المسلمين، و سُمح لهم ببناء دور عبادة خاصة بهم، ولكن تحت شروط منها أنه يجب تقديم طلب التماس إلى السلطان العثماني شخصيًا ليوافق على البناء.

بطاقة بريدية عثمانية من أوائل القرن العشرين تُظهر كنيسة القديس أسطفان البلغارية في الآستانة- نقلًا عن ويكيبيديا

بطاقة بريدية عثمانية من أوائل القرن العشرين تُظهر كنيسة القديس أسطفان البلغارية في الآستانة- نقلًا عن ويكيبيديا

وظل هذا الفرمان ساريًا حتى بعد احتلال بريطانيا لمصر وإعلان استقلال مصر عن الخلافة العثمانية. حتى صدر عام 1934  قانون جديد يضع عشرة شروط على بناء الكنائس الجديدة من ضمنها موافقة السكان المسلمين على بناء الكنيسة وألا تقل المسافة بين الكنيسة المزمع بناؤها وأقرب مسجد عن حد معين.

بناء الكنائس في العصر الحديث في مصر

ظل هذا الوضع قائمًا حتى أصدر الطاغية مبارك قرارًا جمهوريًا في 1998 يسمح بـ(ترميم و إصلاح) الكنائس القائمة، لكن دون السماح ببناء كنائس جديدة. أثناء حكم مبارك بالطبع لم تلتزم الكنيسة في مصر بالقانون، فقد عملت على إنشاء كنائس في جميع أنحاء مصر تحت مسميات مختلفة وتراخيص مختلفة. وكان الأمن المصري يغض الطرف عن هذا الأمر.وقد صرح الأنبا يؤانس أن 80% من الكنائس في مصر غير مرخصة وأنها مبنية على أراضٍ غير مملوكة لهم، ومبنية على أراضٍ بوضع اليد وعلى أراضٍ زراعية يجب هدمها بموجب القانون.

من الدقيقة 1:00 إلى 1:28

 وقد صرّح القس رفعت فتحي، السكرتير العام لسنودس النيل الإنجيلي وأحد ممثلى الكنيسة الإنجيلية، برقم أقل من هذا فقال أن 50% فقط من الكنائس في مصر غير مرخصة وبناؤها مخالف للقانون. وأكّد على أن قانون بناء الكنائس الجديد نقلة نوعية في حياة الأقباط والكنيسة المصرية.

تحليل لقانون بناء الكنائس

الآن نتعرض لبعض مواد هذا القانون وبيان ما فيها من مصائب وكيف سيستغل النصارى هذه المواد حسب تصريحاتهم هم:-

مادة (1): وهي مادة تشمل تعريف بعض المصطلحات التي ستُستخدم في القانون، وهي أهم مواد القانون إذ أن الألغام جُلُّها موجودة في تلك التعريفات. شملت المادة تعريف كل من: الكنيسة، مُلحق الكنيسة، مبنى الخدمات، بيت الخلوة، مكان صناعة القربان.

نصوص التعريفات:

1- الكنيسة

«مبنى مستقل قد تعلوه قبة أو أكثر تُمارَس فيه الصلاة والشعائر الدينية للطوائف المسيحية على نحو منتظم ولها الشكل التقليدي، يتكون من (طابق واحد أو أكثر وله سقف واحد أو أكثر)، على أن يُحاط المبنى بسور إذا زادت مساحة الأرض على 300 متر ويشمل منارة: جزء مرتفع من مبنى الكنيسة، يكون متصلًا بمبنى الكنيسة أو منفصلًا عنه، وفق التقاليد الدينية كالجرس والصليب، مع مراعاة (الارتفاع المناسب) والتصميم الهندسي.»

المادة لا تضع حدًّا على عدد الطوابق المسموح به أو ارتفاع الكنيسة، و يعني هذا أنه يمكن بناء بُرج كامل يتألف من أي عدد ممكن من الطوابق تحت مسمى أنه كنيسة. وكذلك لم يضع أي حد على ارتفاع المنارة. وقد تحدث الأنبا بيمن عن المنارة فقال إنه قديمًا كانت المنارة يبلغ ارتفاعها 29 مترًا، أما الآن فبإمكانهم بناؤها حتى 52 مترًا و وضع صليب طوله حتى 7 أمتار، وسط تصفيق و تهليل حاد من المسيحيين حوله.

 (من الدقيقة 7:18 حتى الدقيقة 8:00 )

2- ملحق الكنيسة

«مبنى للكنيسة يشتمل بحسب الاحتياج على الأماكن اللازمة لإدارة الكنيسة وقيامها بخدماتها الدينية والاجتماعية والثقافية.»

تُخصص هذه المادة مبنًى كاملًا منفصلًا عن مبنى الكنيسة مخصصًا للإدارة، في حين أن إدارة الكنيسة لا تحتاج لمبنًى منفصل خاص بها، فالكنائس كانت دائمًا تُدار من غُرف داخل الكنيسة ولا تحتاج إلى مبانٍ منفصلة، وكذلك كانت دومًا المساجد، ولم يُخصص لأي مسجد مبنى منفصل للإدارة حتى الآن. كما أن المادة تنص على أن الكنيسة لها خدمات(اجتماعية وثقافية)! وسوف تُوضَّح هذه الخدمات في السطرين القادمين.

3- بيت الخلوة

«مبنى تابع للكنيسة يشتمل على أماكن للإقامة وأماكن لممارسة الأنشطة الروحية والثقافية والترفيهية.»

يُخصِّص هذا التعريف مباني تابعة للكنيسة منفصلة عنها، مخصصة تحديدًا للأنشطة الثقافية والترفيهية، كممارسة الرياضة وإقامة المسارح والنوادي! ونترك للقارئ شرح الأنبا بولا (أحد واضعي مواد القانون وهو واضع هذه المادة)  وما ستقوم الكنيسة ببنائه وفقًا لهذه المادة، في لقائه التلفزيوني مع أحد مذيعي النظام:

(من الدقيقة 6:09 حتى 7:17)

4- مبنى الخدمات

«مبنى تملكه الطائفة يُخصَّص لأغراض الخدمة المتنوعة و(يشمل إقامة المغتربين والمسنين والمرضى وذوي الحاجة.»

تتيح هذه المادة للكنيسة بناء عمارات سكنية للنصارى المغتربين حول الكنيسة، فيمكن على سبيل المثال وضع كنيسة في أحد المناطق وبناء عمارات سكنية خاصة بالنصارى فقط على “حس” هذه الكنيسة. فيسكن فيها الطلاب المسيحيون الجامعيون القادمون من مختلف المحافظات للدراسة، وكذلك العمال المسيحيون… إلخ.

مما ينتج عنه مجتمعات مسيحية نقية خالصة للمسيحيين فقط تحوي عمارات سكنية ونوادي ترفيهية ومسارح و ملاعب وغيرها. كما أنها تسمح لهم كما هو ظاهر في نص المادة بناء دور للمسنين ومستشفيات ودور رعاية للمرضى وذوي الحاجة.

تنصير فقراء المسلمين.

وتجدر الإشارة هنا إلى حياة المسنين والمرضى وذوي الحاجة في مصر في ظل حكومات الانقلاب. فقد ضيَّقت الحكومة على الجمعيات الإسلامية و أغلقت منشآتها بما يشمل دور المسنين ودور الرعاية الصحية الخاصة بها، وكذلك صادرت أموالها والتي كانت تنفق جزءًا كبيرًا منها على علاج مرضى المسلمين و رعاية مسنيهم والإنفاق على فقرائهم.

فأصبح لا مكان في مصر لإيواء فقراء المسلمين أو علاج مرضاهم. و سمحت للنصارى ببناء مستشفيات ودور رعاية بناءً على هذا القانون، يبدو أنه لا ملجأ أمام فقراء المسلمين ومرضاهم سوى الاتجاه إلى الكنيسة لتلقي الرعاية والأموال، وَضَعْ هذا بجانب الدور المعروف للكنيسة في تنصير فقراء المسلمين.

Embed from Getty Images

مادة (7):

«لا يجوز تغيير الغرض من الكنيسة المرخصة أو ملحق الكنيسة المرخص إلى أي غرض آخر، ولو توقفت إقامة الصلاة والشعائر الدينية بها، ويقع باطلًا كل تصرف يجري على خلاف ذلك.»

تمنع المادة تغيير الغرض من الكنيسة، ولو تغير ما يجري بداخلها حقًا. فمثلًا إذا كان ثمة مبنى قائم مرخص ككنيسة وتوقفت فيه صلاتهم و حُوِّلَ الى ملهى ليلي أو مخزن أو أي شيء آخر، فبموجب هذه المادة يظل المبنى مُرخصًا ككنيسة، وتتعامل معه الدولة وفقًا لهذا.

مادة (9):

«يعتبر مرخصًا ككنيسة كل مبنى قائم في تاريخ العمل بأحكام هذا القانون تُقام به الشعائر الدينية المسيحية بشرط ثبوت سلامته الإنشائية وفق تقرير من مهندس استشاري معتمد من نقابة المهندسين، وإقامته وفقًا للاشتراطات البنائية المعتمدة، والتزامه بالضوابط والقواعد التي تتطلبها شؤون الدفاع عن الدولة والقوانين المنظمة لأملاك الدولة العامة و الخاصة، وصدر قرار من مجلس الوزراء بتوفيق أوضاعه وفق حكم المادة (8) من هذا القانون.»

مادة (10):

«يُعد مرخصًا كل مبنى يُستخدم كملحق كنيسة أو مبنى خدمات أو بيت خلوة قائم في تاريخ العمل بهذا القانون، متى كان مملوكًا أو تابعًا للطائفة وتوفرت فيه الشروط والضوابط المنصوص عليها في المادة (9) من هذا القانون، وصدر قرار من مجلس الوزراء بتوفيق أوضاعه وفق حكم المادة (8) من هذا القانون.»

ذكرنا أن الكنيسة في مصر قامت ببناء العديد من الكنائس خلال عهد مبارك، ضاربةً القوانين والتشريعات بعرض الحائط، كما أوضح القس رفعت فتحي، وأيضًا قد صرّح الأنبا بيمن بذلك قائلًا:

“نحن نعمل بالقانون ونعمل بغير القانون أيضًا”.

Embed from Getty Images

ولعل هاتين المادتين من أهم مواد القانون بالنسبة لهم، إذ تنص المادتان على أن كل مبنى مخالف للقانون قام النصارى ببنائه ككنيسة أو كمُلحق للكنيسة يجري ترخيصه لهم وتقنين أوضاعه. وكما ذكرنا، فإن ما يزيد على 50% من الكنائس المبنية في مصر غير مرخصة وغير قانونية.

ملخص ما جاء في القانون

إذًا فالقانون يتيح للنصارى بناء العديد من المباني تحت مسمى الكنيسة وملحقاتها وبيوت الخلوة، فيعطيهم الحق في كنائس جديدة ،ومسارح، ونوادٍ، وملاعب، وسينمات ،ومستشفيات، ،ومبانٍ للمسنين، ومبانٍ للمرضى وذوي الحاجة، وعمارات سكنية للطلبة والعمال المسيحيين المغتربين.

ولسنا نشطح بالخيال في هذا، فالمسارح والنوادي وغيرها كل ذلك ذُكرَ على لسان قساوستهم وعلى لسان الأنبا بولا، أحد أبرز واضعي هذا القانون. فقط تخيل كم كيلومترًا سوف يُبنى كل ذلك عليها؟ ولا تنسَ أن المادة الثانية تنص على أن هذه المباني ستُحاط بسور إذا زادت المساحة عن 300 متر.

تخيل أن الكنيسة تسعى لبناء مُدُن كاملة مسيحية فقط. وهذا ما سنتناوله في مقالنا القادم: ما تفعله الكنيسة في الصحراء الغربية الآن وشريط الأديرة الذي يجري بناؤه وما قد يكون تمهيدًا لمجتمعات مسيحية منفصلة في مصر. ولعلنا نكون قد أجبنا على السؤال الذي طرحه الأنبا بيمن على المسيحيين حين قال «إذا كنا نبني الكنائس في وقت عدم وجود القانون، فما بالكم ماذا سنفعل ومعنا القانون؟!»

 


المصادر:

1-  تسريب خطير جدا .. لقطات لم تعرض من قبل من الفيديو المسرب للقاء الأنبا يؤانس والانبا بيمين

2- نص قانون بناء الكنائس_بعد موافقة مجلس النواب عليه

3-  لقاء الأنبا يؤانس والأنبا بيمن بأقباط امريكا لحثهم على استقبال السيسي 

4-  تراخيص بناء الكنائس_بدأت بفرمان السلطان العثمانى و«مبارك» جعلها حكراً على رئيس الجمهورية

5-   أقوال العلماء في شأن الكنائس.

6- A New Law Aims to Make Building Churches in Egypt Easier – but Will It Work

1779

الكاتب

خالد أحمد

كاتب مهتم بقضايا الأمة الإسلامية والسياسة الدولية والشأن الخليجي، أكتب وأسعى من أجل الحرية.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.