Want create site? Find Free WordPress Themes and plugins.

سبع سنوات مرّت منذ اندلاع الرّبيع العربي، الذي كانت بدايته من تونس، لتمتدّ موجة المطالبة بالتّغيير فيما يشبه تسونامي لتشمل ليبيا ومصر وسوريا واليمن، وتهتزّ لها أركان الأنظمة المستبدّة، حتّى تلك التي لم تعرف فيها الاحتجاجات زخماً شعبيّاً، ولم يرتفع فيها سقف المطالب عالياً، استشعرت الخطر، وكانت ردّة فعلها عنيفة؛ فاقت في خساستها ولا أخلاقيّتها كل التّوقعات، برزت على وجه الخصوص دولتان، هما المملكة السّعودية والإمارات المتّحدة، لتشكِّلا معول هدم وتخريب لكلّ محاولات البناء التي بذل في سبيلها أبناء الأمّة الإسلامية الغالي والنّفيس، لتعمل الدّولتان، تحت قيادة مبعوثي الخراب، ابن زايد وابن سلمان، مدفوعين بأوامر النظام الدولي، على ثلاث واجهات رئيسيّة: وأد الرّبيع العربي، ومحاربة الصحوة الإسلاميّة، وقيادة الأمّة نحو التّطبيع العلني مع الكيان الصّهيوني، الأمر الذي دفعت الأمّة ولا تزال ثمنه غاليًا.

دور السّعودية والإمارات في محاربة الرّبيع العربي

شكّل الربيع العربي بما مثله من ثورة ضد الظلم والاستبداد ومطالبة بتغييرات حقيقية وجذرية في طبيعة الأنظمة السياسية الحاكمة في الدول العربية صدمة كبيرة ومفاجأة مرعبة للحكام العرب، لتأتي بعدها الانتخابات والتجمعات السياسية والعسكرية التي برز فيها الإسلاميون كممثل أوحد لغالبية الشعوب الثائرة، مع ما حظَوْا به من تعاطف من قبل باقي الشعوب العربية، لتدق ناقوس الخطر لدى الأنظمة التي اعتبرت نفسها الضحية القادمة ما لم تتحرك لكبح جماح هذا التغيير، برزت هنا المملكة العربية السعودية التي تستمد بقائها أساساً من تحالف قبلي ديني تستمد منه شرعيتها الوجودية كمستهدف أول؛ فالمملكة التي نشأت من تحالف بين قبيلة آل سعود القوية، ودعوة محمد بن عبد الوهاب الدينية، أنفقت أموالاً طائلة للترويج لثقافة دينية مدخلية، تشكل انحرافاً عن جوهر الدعوة الإصلاحية لابن عبد الوهاب، تقوم على تقديس ولاة الأمور واتباع منهج الإرجاء لاستدامة طاعتهم، وهي بذلك لا تستطيع الصمود أمام منهج إسلامي ثوري قد يغري الشباب الذي يشكل أكثر من 50 بالمائة من سكان المملكة، والذي سئِم سياسة الخنوع والذل، أما الإمارات فيعرفها البعض بقاعدة استخباراتية صهيونية ترعى سياسة الإفساد في المنطقة العربية، مما حول بعض مدنها كدبي إلى عاصمة للدعارة العالمية، بالإضافة إلى طموحها في قيادة المنطقة، وعلى رأسها السعودية، نحو العلمانية وتبني وجهة نظر دينية منحرفة، فقد استشعرت نفس الخطر وجنّدت كل مقدَّراتها لمحاربة الثورات العربية.

شكّلت مصر ساحة ملائمة للسعودية والإمارات، اللّتين أنفقتا مليارات الدولارات على إنشاء مؤسسات إعلامية معادية للإسلاميين، في الوقت الذي رفضتا فيه دعم الدولة أثناء حكم الإخوان لمساعدتهم في الخروج من الأزمة المالية، بالتوازي مع ذلك، كان العمل جارياً للإعداد لانقلاب عسكري، وهوما حصل فعلاً بقيادة عبد الفتاح السيسي، لم يكن خفياً حينها ملاحظة الدعم السخي الذي حظي به الجنرال المنقلب لقاء انقلابه ذاك؛ حيث بلغ مجموع المساعدات التي قدمتها له الإمارات حوالي 12 مليار دولار، وهوما يوازي مجموع ما قدمته الإمارات لمصر بين عامي 1971 و2014، منها 3 مليار دولار أودعتها الإمارات بالبنك المركزي المصري بعد الانقلاب مباشرة، السعودية أيضاً لم تبخل على رجلها السيسي بالمليارات، وسارعت برفقة حليفتها الإمارات للقيام بحملة خارجية وضغوطات مكثفة من أجل إقناع الرأي العام الدولي بمشروعية الانقلاب، والتغطية على جرائم العسكر، وتصوير السيسي في صورة الرجل الذي يحارب الإرهاب نيابة عن العالم.

لم يختلف الأمر كثيراً في ليبيا، حيث حاولت الدولتان استنساخ سيسي آخر، ممثلاً في الجنرال المتقاعد خليفة حفتر، الذي أقام سنوات عديدة في الولايات المتحدة الأمريكية تحت رعاية الCIA، وتلقى حفتر الدعم المادي الذي ساعده في كسب ولاء عديد من قبائل الشرق الليبي، كما تحصّل على أسلحة ثقيلة ومتطورة، ومساعدة مباشرة من القوات المصرية والطيران المصري والإماراتي، بالإضافة إلى مساهمة المرجعية الدينية السعودية التي ضمنت له ولاء التيار المدخلي في ليبيا، وهوما ساعده في السيطرة على مدينة بنغازي، وارتكاب جرائم في عدة مناطق أخرى أبرزها درنة، ومد سيطرته على بعض الموانئ النفطية، لكن أماكن مثل العاصمة طرابلس والغرب الليبي بقيت عصية عليه.

شكّلت تونس استثناء، حيث لم تحقّق الدّولتان ما كانتا تطمحان إليه، إلّا أنّ مساهمتهما كانت واضحة في الدّفع بتكوين حزب نداء تونس بقيادة الباجي قائد السبسي، والذي يعدّ خليطًا متناقضًا يجمع بين بقايا النّظام السّابق، ومجموعة نقابيين، ونخبة يسارية استئصالية معادية للهوية الإسلامية، تكرّرت زيارات مسؤولين رفيعين في حزب نداء تونس للإمارات، ولا يُعلم على وجه التحديد حجم المبالغ التي أنفقتها الدّولتان في تونس، لكن التّونسيون يذكرون جيداً إهداء الإمارات الباجي سيّارتين مصفّحتين عبرتا الحدود التّونسية دون تفتيش، كان ذلك قبل انتخابات 2014 التي أنفق فيها الحزب أموالاً باهظة لشراء ذمم النّاخبين، وهو ما مكّنه من الفوز بالانتخابات التّشريعية، كما فاز مؤسِّسه الباجي قائد السّبسي برئاسة الجمهوريّة، غير أنّ موازين القوى الداخلية والخارجية، والتّوجس الأوروبي من تكرار السِّيناريو المصري في تونس، حالت دون تحقيق أماني دول التّخريب، لتنطلق بعدها سياسة إماراتية استفزازية، لعل أبرزها قرار الإمارات في فترة من الفترات رفض منح التأشيرات للنّساء التّونسيّات لدخول أراضيها، ويتّهم البعض دولة الإمارات أيضًا بالوقوف وراء الاغتيالات التي حصلت في تونس أثناء حكم حركة النّهضة الإسلاميّة.

أمّا في اليمن، فقد وضعت السّعودية على رأس أولوياتها منع الإسلاميين من الوصول إلى السّلطة، وعرفت سياساتها في سبيل ذلك تخبُّطاً واضحاً؛ فآوت في بادئ الأمر علي عبد اللّه صالح، وساعدته في العودة إلى اليمن، قبل أن تتغافل عن تنامي قوّة الحوثيّين، بل اعتبرت الإمارات أن الحوثيين قوة مهمة يمكن استعمالها في القضاء على إسلاميي اليمن، حتى بعد أن كشر الحوثيون عن أنيابهم واستدعى الأمر تشكيل تحالف عربي لمواجهتهم، واصلت الإمارات سياساتها التخريبية؛ حيث سعت إلى تشكيل ميليشيات موالية لها في المناطق اليمنية المحررة، ميليشيات طالما دخلت في مواجهات مسلحة مع السلطات الشرعية بقيادة عبد ربه منصور هادي، وأنشأت السجون والمعتقلات، ولاحقت كل من له نفس إسلامي، واعتبرت أولى أولوياتها محاربة القاعدة والإخوان رغم عواقب ذلك الوخيمة من تشرذم وتشتت في مواجهة عدو حوثي موحد وقوي، الأمر الذي أفشل جهود استعادة اليمن وتخليصه من القبضة الإيرانية.

أما الوضع السوري فيبدو الأكثر كارثية، فلم تكتفِ الدولتان بالإحجام عن دعم المعارضة السورية بأسلحة نوعية وثقيلة ومضادات الطائرات، وذلك استجابة لأوامر أمريكية، بل ساعدتا في تشتيت صفوف المعارضة عبر دعم ميليشيات موالية لها مثل جيش الإسلام الموالي للسعودية، وحرضتا على تصنيف بعض المجموعات المسلحة كتنظيمات إرهابية وقتالها، وهوما منح النظام السوري وحلفاءه دعماً مباشراً تمكن بفضله من استعادة السيطرة على مناطق شاسعة من سوريا، كما مارست روسيا جرائم لا حصر لها في سوريا أمام صمت سعودي إماراتي، وعجز حتى عن إدانة هذه المجازر، وقد ساهمت الإمارات، عبر أذرعها الإعلامية، في الترويج للنظرية القائلة إن الثورات العربية مؤامرة، الأمر الذي يضع النظام السوري بقيادة بشار الأسد موضع البطل المقاوم، واستضافت الإمارات ولا تزال مجموعة من الفنانين والمفكرين الموالين للأسد، الأمر الذي يدعونا للتفكير ملياً في تصريح بشّار الأسد لصحيفة “فيسيرجني ليست” الكرواتية، عندما قال “إن دولة خليجية أخبرته أنها تدعمه، لكنها لا تستطيع التصريح بذلك” (1).

 

دور السّعودية والإمارات في محاربة الجماعات الإسلاميّة

تاريخيًا، عرفت علاقة المملكة العربية السعودية بالتيارات الإسلامية مداً وجزراً، حيث شهدت فترات من الدّعم والإيواء مثلما حصل مع جماعة الإخوان المسلمين أثناء الصراع مع عبد الناصر في مصر، أو بتبنّي المملكة للجهاد الأفغاني ضد الرُّوس في التّسعينات، لكنّها تحوّلت بعد ذلك إلى علاقة عَداء على خلفيّة تضارب المواقف خلال حرب الخليج الثانية؛ حيث شكّل موقف المملكة الدَّاعم للتّدخل الأجنبي في العراق والكويت، وفتح قواعد أمريكية في المنطقة، انخراطاً مفضوحاً ومباشراً في خدمة المشروع الأمريكي، الأمر الذي أثار حفيظة الإسلاميّين، فسارعت المملكة بتصنيفهم كإرهابيّين، وشنّت حملة اعتقالات ضدّهم، ودعمت خصومهم، خاصّة في الجزائر، إذ ساعدت الجيش المنقلب على نتائج الانتخابات آنذاك في محاربة خصومه الإسلاميين، وأصدرت عبر مجموعة من العلماء الفتاوى لبيان خطأ المجموعات الإسلامية المسلحة في الجزائر، لم تقف الأمور عند هذا الحد، بل شكّل بروز الشّاب الثّلاثيني محمّد بن سلمان، وليّ العهد السعودي، مرحلة جديدة في علاقة المملكة بالتيارات الإسلامية، أو رؤيتها المستقبلية لعلاقة الإسلام بالمملكة، فمنذ ظهوره سعى ابن سلمان لتقويض سلطة رجال الدّين، فقام بمحاصرة (هيئة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر) وتقويض صلاحياتها، ثمّ شنّ حملة اعتقالات واسعة في صفوف الدّعاة وأئِمّة المساجد، وذلك باستغلال الموقف من الأزمة مع قطر، حتّى طالت حملته اعتقال رموز في الفكر الإسلامي، أمثال الشّيخ سلمان العودة، والشّيخ سفر الحوالي، هذه الحملة تأتي استباقاً لجملة تغييرات مزلزلة يسعى ابن سلمان لإحداثها في المجتمع السّعودي المحافظ، وهي تغييرات يروِّج لها الإعلام السعودي ضمن ما يُسمّى برؤية 2030، وهي استراتيجية يقودها ابن سلمان تهدف حسب المعلن إلى بناء اقتصاد سعودي قويّ ومتنوّع، ينهي اعتماد المملكة الكلّي على النّفط، لكن المتأمِّل البسيط يدرك أنّ الأمر أعمق من ذلك بكثير، فالمشاريع الاقتصادية المعلنة لم يرَ المختصّون جدوى كبيرة منها، إلّا انها تشمل فيما تشمل إقامة مدن سياحيّة ومنتجعات ترفيهيّة تلغى فيها القيود على اللباس والشّرب والأكل، ويسمح فيها بالاختلاط، الأمر الذي يتمّ إعداد المجتمع السّعودي لتقبُّله عبر أنشطة الهيئة العامّة للتّرفيه التي نظّمت حفلات غنائية، وحفلات رقص وباليه، واستعراضات مصارعة أمريكية، بالإضافة إلى افتتاح دور سينما مختلطة، في الوقت نفسه أعلنت السّعودية الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، أكبر هيئة علمية إسلامية، كياناً إرهابياً، وصنَّفت رموزه وقياداته في خانة المطلوبين، ومنعتهم من الحج، ودعت إلى تجميد أرصدتهم، وحاولت إقناع الدول الغربية بأن تحذو حذوها فيما فعلت.

عرفت الإمارات ظهور حركات الإسلام السياسي على أرضها حتى قبل توحدها، وكان ذلك عبر جمعية الإصلاح والتوجيه الاجتماعي التي أسسها طلبة عائدون من مصر، سرعان ما أدرك حكام الإمارات المتحدة، الذين أقاموا وحدتهم على تحالف معقد، خطورة ذلك على استمرار حكمهم، إلا أن دولتهم النّاشئة لم تكن قادرة بعد على تحمّل تكلفة صراع محتمل؛ فوجد الإسلاميون موطأ قدم لهم في الحكومتين الأولى والثانية، وعرفت أوْجها عندما أُسند لرئيس سابق لأحد فروع جمعية الإصلاح إدارة المناهج الدراسية في الدولة.

وقد بدأت الدولة باستهداف الجماعة شيئاً فشيئاً، حتى بروز رجل الإمارات الأوّل محمد بن زايد إلى الواجهة، الرجل الذي وصفه السفير البريطاني السابق في الإمارات السير جون جينكز بقوله: “إن ولي العهد الإماراتي محمد بن زايد قد يكون أكثر من يكره الإخوان المسلمين في العالم” (2). استغل ابن زايد إصدار 133 أكاديمياً إماراتياً لوثيقة الإصلاح مطلع العام 2011، حيث طالب الموقعون على الوثيقة بانتخابات مباشرة للمجلس الوطني الاتحادي ومنحه سلطات تشريعية، لتشن بعدها السلطات الإماراتية حملة اعتقالات واسعة في صفوف المعارضين، أعقب ذلك صدور القانون الاتحادي رقم 2 لسنة 2015 الذي يعطي الدولة الحق في حل الجمعيات واعتقال مؤسسيها وفق معايير فضفاضة تملك الحكومة لوحدها حقّ تأويلها، وامتدت حملات التّعسف لتشهد الإمارات 15 حالة سحب جنسية، أغلبهم من الإسلاميين حسب المرصد الدولي للعدالة وحقوق الإنسان.

ولا تكف الإمارات عن اعتبار الإسلاميّين حجر عثرة أمام المشروع التّحديثي الذي يتبنّاه أبناء زايد، المشروع الذي حوّل دبي إلى عاصمة الخمور والاتِّجار بالبشر، صاحبة الحداثة الإسمنتيّة التي تجسدها ناطحات السّحاب العملاقة المليئة بالفجور والفسق، ولا يزال ذلك دافع تحركّات الإماراتيين الذين أخذوا على عاتقهم مهمة نشر الفكر العلماني.

وليس أدل على ذلك من تصريح السّفير الإماراتي بواشنطن، يوسف العتيبة، في تعليقه على الحصار المفروض على دولة قطر حيث قال: “الخلاف مع قطر ليس ديبلوماسيًا بقدر ما هو خلاف فلسفي بشأن رؤية الإمارات والسّعودية والأردن ومصر والبحرين لمستقبل الشرق الأوسط”. ليضيف: “إن رؤية الدول الثلاث لحكومات الشرق الأوسط بعد عشر سنوات هي حكومات علمانية”(3)، حمّلت الإمارات التيارات الإسلامية مسؤولية التطرف والإرهاب في العالم، وعملت على محاربتها في كل مكان. ولم تكتفِ بذلك، بل تآمرت ضد المنظّمات الإسلامية العاملة في أوروبا وأمريكا، واتّهمت المساجد هناك بالتّرويج للإرهاب ورعاية خطابات التّحريض والكراهية، حيث قال وزير التّسامح الإماراتي الشّيخ نهيان مبارك آل نهيان: “إن إهمال مراقبة المساجد في أوروبا هو السّبب في الهجمات الإرهابية هناك”، ودعا الدول الأوروبية إلى تشديد القوانين في منح الرُّخص لبناء مساجد، وطرد الكثير من الأئمّة، واقترح أن تصنع الإمارات أئمّة لإرسالهم للإشراف على المساجد في أوروبا(4)، كما احتضنت الإمارات مؤسسات إسلامية مشبوهة مثل مؤسسة طيبة، ذات التوجه الصوفي.

ويأتي ذلك استجابة لاستراتيجية أمريكية في مواجهة الإرهاب الإسلامي، تعتمد على خلق إسلام بديل يقوده علمانيون وليبراليون وإسلاميون تقليديون منهم الصوفيّون، فنشطت في الإمارات رموز للصوفيّة مثل الجفري، وبعض دعاة العقلانيّة والأنسنة الإسلامية، مثل عدنان إبراهيم ومحمد شحرور، الأدهى من ذلك هو افتتاح معبد بوذي في الإمارات، في الوقت الذي يمارس فيه البوذيون أبشع الجرائم بحق المسلمين في بورما.

لم يقتصر التآمر الإماراتي على أمّة الإسلام حدّ التّمويل والتّخطيط والطّرق الدبلوماسية، بل تجاوزها للتّدخل العسكري المباشر، حيث كشفت تقارير تورط الإمارات في عمليات القتل والإبادة التي تشنّها القوّات الفرنسيّة ضدّ مسلمي مالي وإفريقيا الوسطى، وذلك باعتراف الرّئيس الفرنسيّ السّابق فرنسوا هولند، الذي أكد أن وليّ عهد الإمارات قدّم مساعدات مالية للقوّات الفرنسيّة في تدخّلها لقتال إسلاميي مالي، وقد أرجع بعض المحلّلين ذلك لخشية قادة الإمارات على خطوط تجارة المخدّرات التي يرعونها، والتي هدّد الإسلاميّون استمرارها. كما أعربت الإمارات لفرنسا عن قلقها إثر وصول الإسلاميين إلى سدّة الحكم في إفريقيا الوسطى، وأكدت أنّها على استعداد لتمويل عمليّة إزاحته عن الحكم؛ ذلك أنّه يعتبر عقديّاً قريباً من التّيّارات الإسلامية الجهاديّة، الأمر الذي أدى لتدخّل فرنسي ارْتُكِبَتْ على إثره مجازر بشعة في حق مسلمي إفريقيا الوسطى من قبل المسيحيّين المدعومين من القوات الفرنسية، كما يحفل سجل الإمارات بتاريخ دمويّ من التدخّلات العسكريّة في أفغانستان والباكستان خدمة للمشروع الصليبي الاستعماري، الأمر الذي دفع الجنرال الأمريكي السابق ديفيد باتريوس للتصريح بأن الإمارات هي الدولة الأقدر على قتل الإسلاميين المتشدّدين نظرًا لتاريخها الحافل بذلك في أفغانستان.

 

السّعوديّة والإمارات تدفعان نحو التّطبيع مع الكيان الصّهيوني

ظلّت العلاقات الإسرائيلية العربية طيّ الكتمان لمدّة طويلة، واكتنف الغموض الكثير منها، لكنّ الجانب الصهيوني كان دائمًا سبّاقًا للإشارة إلى أي تقارب يحصل بينه وبين دولة عربية. فعلى عكس وسائل الإعلام العربية الخاضعة لرقابة السلطات الرسمية، احتفى الإعلام الصهيوني بالتقارب الحاصل مع دول مثل السعودية والإمارات.

إقرأ أيضاً: التطبيع السعودي الإسرائيلي .. أُزيح الستار- الجزء الثاني

شهدت العلاقات الإماراتية الصّهيونية تطوراً ملحوظًا وصل حد التّعاون الوثيق الذي تُوِّج بتعيين محمّد دحلان مستشاراً أمنياً لولي عهد الإمارات محمّد بن زايد، دحلان متّهمٌ فلسطينيًّا بالتّخابر لمصلحة الكيان الصهيوني، واغتيال ياسر عرفات، كما عُرف دحلان بوصفه رجل فتح داخل قطاع غزّة، حيث أنشأ المعتقلات واستهدف نشطاء حركة حماس بالاعتقال والتصفية والتجسس لمصلحة إسرائيل.

شهدت سنة 2004 افتتاح بورصة دبي للألماس، ومن الواضح لدى الجميع أن تجارة الألماس خاضعة لسيطرة اللّوبي اليهودي، ولم تعترض إسرائيل على انضمام دبي للاتحاد العالمي لبورصات الألماس. وقد كان ثمن ذلك واضحاً؛ حيث رفعت الإمارات القيود على حركة التجار الإسرائيليين على أراضيها، وسمحت بزيارات متبادلة بين رجال أعمال البلدين، أهمها زيارات عدّة أداها أحمد بن سليم رئيس بورصة دبي إلى إسرائيل. وعقب ذلك، شهدت الإمارات افتتاح سلسلة محلات مجوهرات يقف خلفها الصهاينة في دبي، لعل أشهرها سلسلة ليفانت لصاحبها الفلسطيني عارف بن خضرا. ولم يكن ابن خضرا سوى شريك لأحد أكبر رجال الأعمال الصهاينة ليف لفيف، أحد أهم المستثمرين في بناء المستوطنات على أنقاض ييوت الفلسطينيين المهدومة. هذه الحركة تُوِّجت بخط جوي سري يربط بين مطاري بن غوريون وأبو ظبي، تديره شركة طيران خاصة تدعى «برايفت آير»، بطائرة مسجلة تحت رقم دي-أبتا، وفق ما ذكره موقع ميدل إيست آي، الذي حدد نوع الطائرة آيرباص آي 319.

إمبراطور الماس الإسرائيلي الآخر بيني شتاينميتز يملك سلسلة متاجر في دبي، وتجمع شتاينمتز شراكة مع شركة موانئ دبي؛ حيث جمعهما عقد وُقِّع سنة 2008 لإنشاء فنادق ومجموعات عقارية في جمهورية الجبل الأسود.

هذا التّقارب الغريب تعزز باستقبال الإمارات لبعثة دبلوماسيّة صهيونيّة سنة 2015، حيث أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية عن افتتاح ممثلية دبلوماسية لدى وكالة الأمم المتحدة للطاقة المتجددة «إيرينا» التي تتخذ من أبو ظبي مقرًا لها. التعاون العسكري سجل حضوره أيضًا، حيث شاركت الإمارات جنبًا إلى جنب مع إسرائيل في مناورات عسكرية جوية، كانت الأولى في مناورة بعنوان “ريد فلاغ” في الولايات المتحدة الأمريكية، شاركت فيها جيوش من باكستان وإسبانيا وإسرائيل والإمارات بالإضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وتمت الثانية في قاعدة جوية يونانية.

بدورها عرفت السّعودية علاقات تاريخية سرية مع إسرائيل، ففي سنة 1962 اندلعت ثورة في اليمن قادها ضباط من الجيش اليمني، تلقى الثوار دعمًا من جمال عبد الناصر الذي أرسل قرابة 70 ألف جندي مصري لدعمهم. في المقابل، دعمت السعودية القبائل الموالية للملك، ولم تجد حرجًا آنذاك في الاستعانة بسلاح الجو الصّهيوني الذي نسق 14 رحلة جوية مرت بالأراضي السعودية، بالتنسيق مع كمال أدهم مدير الاستخبارات السعودية وقتها، ليستمر التنسيق فيما بعد حسب التغيرات التي تشهدها المنطقة، مرورًا بحرب الخليج الأولى، وصولًا إلى التعاون الأمني في مكافحة القاعدة والتنظيمات الجهادية الأخرى عبر تبادل المعلومات ونظم الاتصال والتجسّس، بقيادة السفير السعودي في أمريكا آنذاك، بندر بن سلطان.

أعطى ظهور وليّ العهد محمّد بن سلمان على ساحة الأحداث تحوّلًا غير مسبوق في تاريخ العلاقات بين البلدين، حيث لم يجد السّعوديون حرجًا في إظهارها للعلن. فالمملكة التي خلصت إلى اعتبار إيران الخطر الأكبر الذي يستهدفها -خاصة بعد الاتفاق النووي سنة 2015، والذي رُفع بموجبه الحظر عن إيران، واستعادت بفضله أموالًا مجمدة- لم تسعَ إلى بناء طوق إقليمي من أشقائها لحمايتها والتصدّي للمشروع الصفوي الطّائفي. وبدلًا من ذلك، اختارت الاستمرار في الارتماء داخل الحضن الأمريكي الصّهيوني؛ حيث سلمان الأنصاري، رئيس مجموعة ضغط سعودية بالولايات المتحدة الأمريكية تسمى «سابراك»، أسسها محمّد بن سلمان. نشر الأنصاري مقالًا في صحيفة «ذا هيل» الأمريكية قال فيه: “إن وجود إيران كعدو مشترك يحتّم على إسرائيل والسعودية أن تعجِّلا بتطبيع العلاقات، وتأسيس رابطة متينة وقوية بينهما”. مؤكداً استعداد وليّ العهد شخصيًا لإقامة علاقات دائمة مع إسرائيل. واستمر التغازل المتبادل بين مسؤولي البلدين، وشهدنا ظهور مسؤولين سعوديين في وسائل إعلام عبرية؛ إذ قال وزير العدل السّعودي السّابق محمّد بن عبد السّلام العيسى لصحيفة معاريف: “إن الإرهاب باسم الإسلام غير مبرر أينما كان، بما في ذلك إسرائيل”(5). كذلك الشأن بالنسبة لمسؤولين إسرائيليين حظوا بصفحات في صحف رسميّة سعوديّة.

هذه المسيرة الحافلة والمتجددة من التطبيع كان لا بد أن تتوّج بحدث مزلزل، ألا وهو صفقة القرن، تلك التي بشر بها دونالد ترامب في حملته الانتخابية، وكان واضحًا حينها أن حلفاء أمريكا، وعلى رأسهم السعودية والإمارات، على علم بكل تفاصيلها. تهدّد صفقة القرن بتصفية القضية الفلسطينية نهائيًا، فالصفقة لا تتبنى أي اعتراف بدولة فلسطينيّة إلا في حدود قطاع غزّة وأجزاء من الضفّة، بل تطالب فقط بالاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الكيان، وتثبيت الاستيطان، والتخلّي عن حق عودة اللّاجئين الفلسطينيّين. وجدت الصّفقة دعماً غير مشروط من السعوديين الذين ضغطوا على الفلسطينيّين وهدّدوهم بقطع المساعدات حال رفضها، مقابل ذلك، وقع إغراء الفلسطينيين بما قيمته 10 مليارات دولار استثمارات في حال قبول صفقة القرن، تشمل استثمارات في البنية التحتية، وإنشاء ميناء مصري فلسطيني مشترك في قطاع غزة تشرف عليه السلطات المصرية ويشغل عمالة فلسطينية، ومطار شمال سيناء لخدمة أهالي القطاع، وإنشاء منطقة صناعية كبرى بين مصر وغزة.

عواقب سياسة السّعودية والإمارات على واقع الأمة

يقول اللّه سبحانه وتعالى في الآية 36 من سورة الأنفال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إلىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾.

ويقول في الآية 120 من سورة البقرة: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ﴾

هذا القدر الإلهي يتجلى بوضوح في واقع ابن سلمان وابن زايد؛ فالرجلان اللذان اتخذا أعداء الأمة أولياء من دون المؤمنين، ضاربين عرض الحائط بقول الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، يبدوان أبعد ما يكون عن تحقيق أهدافهما، الأمر الذي يقودهما إلى سياسة الهروب إلى الأمام، واتخاذ قرارات اعتباطية غير مدروسة، مُنِيَا فيها بهزيمة ساحقة؛ فهذا ترامب الذي لا يكف أبدًا عن تحقيرهم وابتزازهم يغنم منهم أكثر من 400 مليار دولار محققاً انتعاشه اقتصادية قادرة على خلق ملايين الوظائف للشباب الأمريكي، في الوقت الذي يعاني فيه السعوديون من وجود أكثر من مليون عاطل عن العمل، وارتفاع الضرائب وأسعار المحروقات. كما شكل حصار قطر نكسة كبرى للاقتصاد الخليجي؛ إذ تعد قطر من أكبر المستثمرين العقاريين في الإمارات، كما خسرت السعودية سوقًا اقتصادية قطرية هامة شكلت فيما مضى جزء كبيرًا من صادرات المملكة في مجال الألبان والعصائر. وقد دفع الحصار قطر للبحث عن منافذ جديدة، الأمر الذي استغلته إيران على أكمل وجه لمزيد اختراق الصف الخليجي، بعد أن حاصرته باستيلائها على عواصم كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن، مستغلّة في ذلك ضعف المقاومة السنّية بسبب سياسات دولتي الخراب. مُنِيت الإمارات بهزيمة قاسية إثر طردها من منطقة القرن الإفريقي، بعد ان اكتشفت الصومال وجيبوتي نزعاتها الاستعمارية؛ فشكل ذلك هزيمة أخرى في سلسلة الهزائم المتلاحقة التي حاقت بها.

في زمن الهزيمة والانحطاط، يكثر أمثال ابن زايد وابن سلمان ليقودا الشعوب الغافلة نحو الهاوية، مستغلين حالة الغثائيّة، تصديقًا لقول الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم: (يوشك الأمم أن تداعى عليكم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومِن قلَّةٍ نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السَّيل، ولينزعنَّ الله مِن صدور عدوِّكم المهابة منكم، وليقذفنَّ الله في قلوبكم الوَهَن. فقال قائل: يا رسول الله، وما الوَهْن؟ قال: حبُّ الدُّنيا، وكراهية الموت). لكن الله يأبى إلا أن يتمّ نوره ويصدق وعده، وهوالقائل في الآية 8 من سورة الصف: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوكَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾.

248

Did you find apk for android? You can find new Free Android Games and apps.
الكاتب

جمال الدين جلال

مهندس اتّصالات و شبكات.

اترك تعليقًا

*
*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.