لا يمكن تفسير أية ظاهرة إلا بعد استكشاف الأطر التي خرجت من خلالها، والظروف الاجتماعية والسياسية والأمنية المحيطة بها. فلقد نشأت روابط الألتراس كما التيار الإسلامي في ظل حكومة قمعية فاشلة وفاسدة، اتخذت من تزاوج السلطة بالمال شعارًا لها، ومن العسكر حاميًا لمصالحها؛ فخلفت حالة من الفراغ السياسي والديني والتنظيمي. كما كرَّست جهود تابعيها من الجلادين ومتملقي السلطة للحفاظ على حالة من الجمود التشريعي والمؤسسي.

غياب العدل

ولضمان هذا كان لابد من إفراغ الساحة السياسية من كل الأحزاب والجماعات والحركات القادرة على إحداث تغيير حقيقي في البنى والنظم السياسية للدولة. والقضاء على صوت الشارع، وقطع علاقته بأصحاب الفكر ورموز المقاومة. فكان المجتمع أمام ثلاثة خيارات:

  1. تَسرِق وتبطش وتنفذ الأوامر دون الرجوع إلى ذلك العدو المسمى بالضمير.
  2. تعتزل هذا كله، وتُعوِّد نفسك على المساحة والحدود التي رسمها لك النظام.
  3. الثورة على النظام ومؤسساته، وبالطبع مصيرك معروف.

«خلَّفت تلك الظروف تقاربات عدَّة بين مختلف الحالمين بحياة غير الحياة، لا سيما هؤلاء الذين اتخذوا خطوات فعلية للتغير، وبدأوا صدامهم المبكر مع النظام.»

التقاربات بين الألتراس والتيار الإسلامي

  • تجاوزات وجرائم الداخلية والعسكر

لم يختلف القمع والبطش الأمني، ولم يفرق بين عضو جماعة إسلامية وفرد أولترا، فكل ما كان يشغل بال النظام هو القضاء على كل صوت سوى صوت النظام. فبين اتهام بالإرهاب للتيار الإسلامي، ومرتزقة ومثيري شغب وعبدة للشيطان للأولتراس وجد النظام ضالته لمواجهة الفريقين.[1]

«وهو ما عبر عنه أولتراس أهلاوي بأغنية: حرية، وكذلك الغراب، والغراب 2، أما الوايت نايتس فكان لهم باع مع ذلك بدايةً من أسلوب حياة، وعقيدة الفرسان، وشمس الحرية، وفك قيود الحرية، وحكاية ثورة، وأصل الحكاية، يا تيشرت العمر يا أبيض، وغيرها…»

ألتراس

  • التشويه الإعلامي المستمر

كعادة النظم القمعية والفاشيات السلطوية لا بد وأن يجد النظام سبيلًا للاغتيال الاجتماعي لتلك المؤسسات والحركات والأحزاب التي تقف بعيدًا عن صف النظام، فضلًا عن تلك التي تصطف لمواجهته. ودائمًا ما يتطوع الإعلام بالقيام بتلك المهمة نيابة عن النظام، فلا يجد المواطن البسيط بُدًا من أن يُكِنَّ العداء لهؤلاء الذين دأب الإعلام على تشويههم.

بدأ الإعلام لعبته القذرة تلك مع الأولتراس منذ نشأة المجموعات في مصر، وخاصة بعد أن استطاعوا تحويل كرة القدم التي اتخذها النظام ذريعة لتخدير الشعب إلى متعة للجماهير، وشاهدٍ على فساد النظام وبطش أذرعه من الأمن المركزي والداخلية.[2] وتحفل أهازيج الألتراس بتلك الحقيقة فمن إعلام السبوبة لألتراس أهلاوي، وحلم البداية، والكورة للجماهير للوايت نايتس، عبَّر شباب الألتراس عن استهجان الذراع الإعلامي للنظام ومحاولته الدؤوب لتشويه فكرتهم.

أما عن التيار الإسلامي: فلم يكتفِ النظام بالتشويه الإعلامي من خلال البرامج الحوارية، بل كانت السينما هي الشريك ذو الحصة الأكبر في الجريمة، وهو ما ناقشناه في “الفن من زاوية أخرى”.

  • العزلة المجتمعية

في ظل التشويه الإعلامي المستمر، والصدى الذي أحدثه لدى الناس، لجأ أفراد الألتراس وكذلك التيار الإسلامي إلى خلق مجتمعهم الخاص المنعزل عن المجتمع والدولة.

وكانت وجهة نظر الألتراس في ذلك: أن فرد الأولترا يختلف عن المشجع النورمال[3]. ويظهر هذا الأمر واضحًا جدًا في السرية التي تخلقها روابط الألتراس حول نفسها، حتى إن مصطلحاتهم لا تبدو مألوفة أبدًا لمن يسمعها مِن مَن هو خارج الروابط.

أما أبناء التيار الإسلامي: فكان لديهم العديد من العوامل التي أدت بهم إلى تلك الحالة:

  1. نتيجة التشويه الإعلامي والملاحقة الأمنية؛ لجأ بعض أصدقائهم وذويهم للبعد عنهم خوفًا من نفس المصير.
  2. حاجتهم للعمل التنظيمي السري خوفًا من بطش النظام ومخابراته.
  3. لفظ المجتمع لهم، ومعاملتهم كفئة مهمشة دونية.
  4. رغبتهم الشديدة في التمايز عن باقي أفراد المجتمع والتي وصلت إلى حد النفور المجتمعي، حيث أنشأوا مصطلحاتهم وجملهم الخاصة والتي تعرفهم بها فور أن يبدأوا حديثهم، فضلًا عن الرغبة في التمايز الظاهري في الملبس.[4]
  • القوة التنظيمية

لم يكن عمل تنظيمات الألتراس ولا التيار الإسلامي في مجموعات منعزلة عن المجتمع أمرًا سيئًا في مجمله، بل كان فيه بعض الفوائد: حيث منحتهم تلك الحالة من العزلة الاجتماعية بناءً تنظيميًا قويًا؛ مكنهم من مواجهة القبضة الأمنية والتضييقات التي فرضتها.

  • التمويل الذاتي

كان لا بد لتلك المجموعات المتمردة على المجتمع والمنعزلة عنه إيجاد مصدر تمويل لا يتحكم فيه أعداؤهم، فلجأوا إلى التمويل الذاتي:

في الألتراس: كانت حاجتهم للتمويل كبيرة في ظل النفقات الخاصة بالترحال والدخلات والسنانير والبانر وأدوات التشجيع بشكل عام؛ فاعتمدوا على الاشتراكات الشهرية، وبيع منتجات المجموعة من: تيشرتات واسكارفات وبيسبول وسويت شيرت وشماريخ وبرشوتات،وغيرها… بالإضافات إلى ألبومات تحمل أغاني المجموعة.

631643047

أما التيار الإسلامي لم يكن بحاجة لكبير تمويل كالأتراس: فاكتفى باشتراكات شهرية أو بعض التبرعات من المؤيدين.

  • الحدود تراب

برغم اختلافهم الفكري والأيديولوجي والتعليمي والطبقي، نشر أبناء التالتة يمين مصطلحًا وثقافة بعيدة كل البعد عن ثقافات المجتمع، فتحدثوا عن عقيدة الحدود تراب وتمردوا على سايكس بيكو. كما شكَّلت القضية الفلسطينية أولى التصادمات الكبيرة بين الألتراس والأمن، حين قام ألتراس أهلاوي بعمل دخلة علم فسطين داخل استاد برج العرب تنديدًا بالاعتداء الإسرائيلي على غزة، والصمت الحكومي من الجانب المصري. كما تكرر نفس الأمر قبل الديربي الأسود في يناير 2009 حين قامت قوات الأمن باعتقال عدد كبير من مشجعي الأهلي والزمالك، بعد علمهم بأنهم يستعدُّون لعمل دخلة لفلسطين.[5]

وتشهد حرب نهاية الزمان، وعربي ثوري، وأسلوب حياة، وفلسطين-الأرض العربية على حضور القضايا العربية والقضية الفلسطينية بشكل خاص داخل عقلية وكيان الألتراس، كما تشهد بعض تلك الأهازيج على حضور تلك القضايا من خلال بعدها العقدي وليس فقط العربي أو القومي.

دخلة علم فسطين داخل استاد برج العرب

دخلة علم فسطين داخل استاد برج العرب-مبارة الأهلي والاتحاد

لم يختلف الأمر كثيرًا لدى أبناء التيار الإسلامي فلقد حملوا على عاتقهم تحرير المقدسات، حتى صار حلم النشء فيهم هو تحرير الأقصى. وانطلاقًا من عقيدة الولاء والبراء أعلنت حركات محسوبة على التيار الإسلامي تمردهم على قومية سايكس بيكو، وظهر هذا في الاهتمام الكبير بالقضيتين السورية والفلسطينية، ولم يقفوا عند الحد الإقليمي فلقد نظمت حركة أحرار وقفة للتذكير بسقوط الأندلس، والفظائع التي ارتُكِبت فيها، وبخاصة محاكم التفتيش.[6]

وقفة لحركة أحرار في ذكرى سقوط الأندلس

وقفة لحركة أحرار في ذكرى سقوط الأندلس

  • الصدام الأيديولوجي مع النظام الحاكم

فرضت المعتقدات والأيديولوجية الفكرية وطبيعة الحياة الخاصة لأفراد الألتراس والتيار الإسلامي تصادمًا مع الأنظمة الحاكمة، ومواجهةً كان لا بد من خوضها. فأبناء التيار الإسلامي-وحديثنا هنا عن التيار الإسلامي الثوري وليس عن أصحاب المناهج الإصلاحية-كانوا يرددون دائمًا أنهم بحاجة إلى دولة يُقام فيها الشرع، وتسقط فيها الهيمنة الفكرية، وألا يتحكم عدو في قرارات الشعوب ومقدراتها. وكان هذا بالطبع يتنافى مع وجود هؤلاء الحكام خادمي مصالح أمريكا والغرب على رأس السلطة.

لن تحكمنا أمريكا

ورغم اختلاف الأهداف الخاصة بروابط ومجموعات الألتراس عن تلك التي تبناها أبناء التيار الإسلامي إلا أنهم اتفقوا على أن تلك النظم هي حائط صدٍ في وجه تلك التغييرات والأهداف. فرغم كون الألتراس في مصر مجموعات غير مُسيّسة نتيجة لعدم توافقية أفرادها على اتجاه سياسي مُحدَّد[7]؛ إلا أنهم يعتبرون أن عداءهم هو للمثلث متساوي الأضلاع:

«كل رجال الأمن أوغاد A.C.A.B – ضد الميديا Anti-media– ضد الكرة الحديثة Against modern football.[8]»

جزء فعليتي مفهمهوش الطغاة

التباعدات بين الألتراس والتيار الإسلامي

  • الأيديولوجية الفكرية

تُعد الأيديولوجية السياسية من نقاط التباين الأولى بين شباب الألتراس والتيار الإسلامي:

«الألتراس مجموعات غير مُسيّسة نتيجة لعدم توافقية أفرادها على اتجاه سياسي مُحدَّد، وهو ذلك النوع الذي تنتمي إليه أغلب مجموعات الألتراس المصرية، والذي يمنعها من المشاركة سياسيًا.»[9]

أما جماعات التيار الإسلامي: فيرون في السياسة [10]بابًا لا بد من خوضه، لإعادة الوضع إلى صورته المكلفون بها من إقامة الشرع، ونشر الدين. ولكنهم يختلفون فيما بينهم في طريقة لعب الدور السياسي.

  • أهداف خوض معاركهم ضد النظام

من خلال قراءة في عقلية الألتراس يظهر أن أسباب معاركهم مع النظام تنحصر في:

  1. سيطرة رأس المال على كرة القدم.
  2. دوري الشركات الذي منع متعة التشجيع.
  3. فرق المؤسسات كفرق الجيش والشرطة، والتي تخلق حالة من عدم تكافؤ الفرص بين تلك الفرق والمنافسين.

انسحابهم من البلاد

4. التحكم في تواجدهم في المدرج، والتضييق عليهم في استخدام أدوات التشجيع.

5. التعالي والبطش الذي يتعامل به جهاز الأمن معهم، ومحاولة فرض قوانين الأمن عليهم، فهم يرفضون كافة أنواع السيطرة.

أما التيار الإسلامي الثوري فيرى في معاركه مع النظام أنها معارك وجودية لا تقبل الطرفين، فإما نحن أو هم. وينتج ذلك من رؤيتهم أن النظم الحاكمة نظم عميلة لا تخدم إلا مصالح أسيادها، كما أنها تحارب وجود الدين بشكله الحقيقي المدافع عن الحقوق والمُطالب بالواجبات.

  • الانتماء والولاء

تعقد مجموعات الألتراس انتمائها للكيان الذي نشأت لتشجيعه، وكذلك يكون ولاء الأفراد داخل المجموعة إلى روح المجموعة، فهم يرون أنهم إخوة في الدم لا يفرقهم شيء طالما أنهم اتفقوا في ولائهم للكيان.

أما في التيار الإسلامي: فالأصل أن الولاء والانتماء يكون للدين والمنهج، والشرع هو الحكم في إقامة الولاء أو البراء. ولكن بعض المجموعات تحولت إلى ما يشبه مجموعات الألتراس في عقد الولاء على الانضمام إلى الجماعة أو تأييد لكيان.

  • ردود الفعل تجاه الظلم الواقع عليهم

يبلغ حد الاختلاف بين الألتراس والتيار الإسلامي في هذه النقطة مداه، حيث ترفض حركات الألتراس وبشكل قاطع أن تتنازل عن حق مشجع من أفراد المجموعة، بل يكون رد فعلها عنيفًا تجاه المعتدي عليهم، ولا يستكينون ولا يهدأون إلا بعد استرداد الحقوق. وتشهد أغاني المجموعات وأهازيجها فضلًا عن مواقفهم على ذلك، فهم لا يخجلون من مطالبتهم بالقصاص ولا استرداد الحقوق.

من قتل يقتل

بين خوفٍ من اتهامٍ بالإرهاب، ورغبة في البعد عن الصدامات المباشرة أضاع التيار الإسلامي كثيرًا من الحقوق، بداية من حقوقهم هم قبل الثورة والتي ضاعت أثناء المحاكمات الهزلية لرموز النظام، وحقوق الآلاف من مصابي وشهداء-نحسبهم كذلك-يناير والفترة الانتقالية والتي أُهدرت أثناء صعود التيار الإسلامي للحكم، وحصولهم على أغلبية البرلمان، ورغم ذلك لم يتخذوا أي إجراءٍ ثوري يشفع لهم عند الشعب.

ختامًا

تطورت الصراعات وسادت حالة من التوتر بين مختلف القوى، ودخل الشارع المصري في الكثير من الصدامات والمعارك الجانبية؛ والتي انتجت تحالفات جديدة طبقًا للأوضاع الراهنة، كما حملت معها تغيرات جذرية في البنية الحركية والتنظيمية لكثير من الأحزاب والحركات والمجموعات.

ويبقى السؤال: في ظل تلك التقاربات بين الألتراس والتيار الإسلامي، هل بقيت مجموعات الألتراس في منأى عن المجتمع ومشكلاته، أم أن روح الألتراس وعقلية الفرسان أوجبت عليها التدخل؟! هذا ما سنجيب عنه في الجزء الثاني من التقرير بعنوان “كيف كان لحركات الألتراس دور مهم في التيار الإسلامي الثوري في الشارع المصري؟”


المصادر

[1] حظر _الألتراس… جدل القانون والسياسة بمصر.

[2] رحلة الاشتباك مع «رصاصات» الإعلام و«قبضة» الأمن.

[3] المشجع النورمال: هم جمهور الفريق الذين لا ينتمون إلى روابط الألتراس.

[4] نحن بالتأكيد لا نتحدث عن الحد الذي شرعه الإسلام من التمايز في الملبس من عدم تشبه النساء بالرجال ولا الرجال بالنساء، ولا نتحدث كذلك عما أمرنا به شرعًا كالحجاب واللحى، ولكن حديثنا هنا عما وصفه أحمد سمير في معركة الأحرار بـ: “إلا أن بعض التيارات والجماعات والتنظيمات “الإسلامية” صارت تتوغل في مخالفة الناس شكليا أكثر مما جاء به الشرع بكثير، كإصرار بعضهم على الثوب الأفغاني أو على العمامة أو على تطويل الشعر في مجتمعات لم تعتد على ذلك بما يجعل الشعوب تعتقد أنهم غريبو الأطوار”.

[5] رحلة الاشتباك مع «رصاصات» الإعلام و«قبضة» الأمن.

[6] بيان وقفة إحياء ذكرى سقوط الأندلس 2/1/2012

[7] وهو ما ذكره محمد جمال بشير في كتابه “الألتراس: عندما تتعدى الجماهير الطبيعة”، دار دَوِّن، الطبعة الخامسة، ص 75.

[8]  المرجع السابق ص 96.

[9] محمد جمال بشير، الألتراس: عندما تتعدى الجماهير الطبيعة، دار دَوِّن، الطبعة الخامسة، ص 75.

[10] يجدر الإشارة هنا أننا نتحدث عن السياسة بمفهومها الواسع، وليس عن الديمقراطية والوصول إلى الحكم من خلالها.

448

الكاتب

دينا راغب

مهندسة حاسبات ونظم تحكم، كاتبة لمقالات رأي، ومحررة للأخبار، أهتم بقضايا المسلمين والمستضعفين، وأهوى القراءة والتدوين. ببساطة: أحلم خارج المسارات.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.