Want create site? Find Free WordPress Themes and plugins.

من أهمّ المشاكل التي نعاني منها اليوم هي مشكلة الانشغال بالسلوكيات بعيدًا عن القيمة الرئيسية أو المنهج أو الفكر الحاكم. في آخر الأخبار هذا الأسبوع مثلًا، قامت الدنيا ولم تقعد بسبب قيام وزير العدل في تنظيم الدولة المصرية “أحمد الزند” بالقول – وفي بثّ تلفزيوني مباشر – أنّه “مستعد لسجن أيّ شخص ولو كان نبي” وإذا بالمواقع والصفحات الاجتماعية تثور نخوتها وشهامتها كرجلٍ واحد، وتنقض لتهجم على الرجل من كلّ حدبٍ وصوب، وتطالب بإقالته من منصبه حفظًا لـ”كرامة مقام النبوة”.

“إنت إزاي تتطاول على مقام النبوة كدا”؟ “إلّا الرسول يا ولاد الـ..”، “هو وصلت فيكم حتى للإساءة للأديان”؟ جمل تلخص انسياق الجماهير وراء لعبة بسيطة تصنعها لهم السلطات كلّ فترة وفترة لامتصاص غضبهم وتحويله إلى مادة إعلامية يتهاوشون فيها على فيسبوك وتويتر كالمخطط لهم تمامًا.

  • اقتل؟ * صوت صرصور الحقل *.
  • اعتقل وعذّب الناس في السجون؟ * صوت صرصور الحقل *.
  • لفّق قضايا لطفل في الخامسة من عمره؟ * صوت صرصور الحقل *.
  • انهب خيرات البلاد والعباد، وأطلق ضبّاط شرطتك ليقتلوا الناس كما يشاؤون؟ * صوت صرصور الحقل *.
  • احكم بدولة كفرية لا تقيم لشرع الله أصلًا لا قيمةً ولا اعتبارًا، وحارب الدين صباح مساء وجهارًا نهارًا؟ * صوت الحقل بذات نفسه *.

ولكن تتجرأ على مقام النبوة؟ معاذ الله! ما يزال في الناس ضميرٌ حيّ!

لا يفهمنّ أحدهم أننّا نؤيد ترك الزند وأمثاله يقولون ما يشاؤون عن ديننا ورسلنا، ولكن النقطة هي أنّ هذا فعليًا “هراء” بجانب سفك الدماء واعتقال الناس وتعذيبهم واغتصابهم في السجون، لديك دولة طاغوتية كفرية تحارب دين الله ورسوله صباح مساء أمام عينك، وفي النهاية لا تثور ثائرتك سوى عندما يتطاولون على مقام النبوة..؟

سرعان ما استجابت السلطات إلى مطالب هذا الهيجان الجماعي، ليخرج علينا المتحدث باسم الحكومة بعد ساعات من الحادثة معلنًا إقالة وزير العدل المصري “أحمد الزند”.. وهكذا عاد الجميع إلى العمل فرحين مستبشرين انّ “مصر لسا فيها خير”.. وهكذا نسي الجميع أوضاع البلاد والعباد والظلم والقهر اليومي الذي يعاني منه الناس، هللوا وفرحوا وعادوا إلى ما كانوا عليه.

فتاوى جمعة

على جمعة كان لا يزال يطلّ علينا من فترةٍ لأخرى بفتاوى غريبة أو باطلة، طبعًا لا شيء مستغرب حتّى الآن فمن يدعم نظامًا إجراميًا دمويًا ويشري الآخرة بالدنيا لا تتوقع منه الكثير، ولكن المثير للاهتمام هنا هو كمية الانشغال الإعلامي في كلّ مرّة يأتي فيها جمعة بفتاواه.

عبقريته هي أنّه يأتي بها وفيها “نكشة”، فيها شيء مستند من القرآن أو السنّة – بطريقةٍ صحيحة أو خاطئة – يمكن أن يدل على صحّة فتاواه التي في الوهلة الأولى لا يقبلها عقل. بسبب هذا، ترى نخبة “الإسلاميين” أو ممن نحسبهم كذلك ينشغلون بها وبالحديث عنها أو تأكيدها ونفيها في كلّ مرة. مدهش حقًا، كيف يتلاعب النظام بنا جميعًا دون أن ندري.

حديثه عن أصل الملكة إليزابيث وأنّها من سلالة الرسول (ص)، وفتواه عن الشهيد “العاشق” الذي مات وهو كاتمٌ حبّه بسبب التعفف، هي أمثلة على ما ضجّت به صفحات “النخبة المثقفة” ما بين مؤيدٍ ومعارض، نسينا كلّ شيء وانشغلنا بالشهيد العاشق وفتاوى جمعة.

أحيانًا لزيادة براعة الخدعة، يأتي بالفتوى بشكلٍ صحيح وتكون مستندة لدليل صحيح بالواقع، ولكنها غير مقبولة لعموم الناس لكونهم يسمعونها لأوّل مرّة، فتجدهم يحفّلون عليه في الواقع رغم أنّ كلامه – عن جزئية محددة مثلًا – قد يكون صحيحًا، فتجده بهذه الطريقة أجبر “النخبة” على دخول حلبة الصراع وتبيان صحّة قوله بل وتأكيده.

برافو يا جمعة، برافو، أنت في الواقع أبرع شخص مرّ على هذه الصنعة.

مآزق السيسي.. قصة أخرى

29_02_16_05_24_3

السيسي يتعرّض لمواقف محرجة متعددة بالآونة الأخيرة، من تجاهل رئيس الوزراء الياباني مصافحته أمام البرلمان، مرورًا بسقطته عن “صبّح على مصر بجنيه” والتي اقتصاديًا لا تعني أيّ شيء، وصولًا إلى انفعاله في خطابه الأخير أمام المصريين.

هذه وغيرها من المواقف، كانت – ولا تزال – مادة إعلامية للسخرية الشبه يومية على صفحات فيسبوك المعارضة لما يسمّى “الانقلاب”، تجد صفحة حزب الحرية والعدالة تخصص هاشتاج #إبداع_الاحتجاج للمنشورات الساخرة من السيسي، وكأنهم يحررون معتقلًا أو يهدمون صنمًا أو يغيرون شيئًا من الواقع.

برامج إعلامية وقنوات تلفزيونية ومسلسلات وربّما أفلام، وصفحات اجتماعية على فيسبوك وتويتر.. كلّها تتناقل كلّ يومٍ تقريبًا صورًا للسيسي إمّا وهو يرقص أو يبكي أو يُحرج أو يظهر بموقف “المغفّل”، ويظنون أنّهم يحققون “ثورة” أو ما شابه في هذه البلاد عبر ما ينشرونه.

هم – وغيرهم كثير – تحولوا إلى “ممتصّات” للغضب الشعبي اليومي من سوء الأحوال والظلم والقتل والقهر ليروّحوا عن “الشعب الغلبان”، يظنون أنهم وعبر النكات والسخرية المتواصلة أو المواقف المحرجة للسيسي أو إبراز مدى غبائه اقتصاديًا أو عسكريًا أو التحفيل عليه في كل منشور، يظنون أنّ هذا سيسقط ما يسمّى” الانقلاب”، وأنّه سوف يعجّل من شعار “مرسي راجع”، وها هم هؤلاء، تقترب الذكرى الرابعة للانقلاب وما يزالون في الوضع الذي كانوا عليه، لا شيء حصل، حرفيًا، لا شيء حصل.

لكي لا نبقى لعبةً بأيديهم

182n8u0ce8lxgjpg

علينا أن نتذكّر أنّ هؤلاء لا يشكّلون دولة أصلًا، لا يصحّ أن تأتي وتقارن لنا كل حدثٍ يحصل مع واحدٍ من أبواقهم لكي تحفّل عليه طوال اليوم وتبرز مدى تخلّف وغباء الشرذمة الحاكمة، كلّنا نعلم ذلك، ولكنك تعلم أيضًا أنّ السلاح هو من يفرض بقاءهم، ووحده السلاح يومًا من قد يفني وجودهم.

علينا أن نتعلم أنّ كلّ هذه الأحداث الصغيرة التي تجري حولنا يوميًا ما هي إلّا “سلوكيات” يفتعلها النظام – عمدًا أو جهلًا – لامتصاص جزء من الغضب الشعبي اليومي لكي لا ينفجر في وجهه، تخيل الآن عدم وجود أيٍّ من برامج السخرية والنكات المشهورة حاليًا، وبدلًا عنها كان هناك برامج أكثر فعالية لتطبيق بعض الأمور على الأرض، ألم يكن بالمقدور أن يتجه غضب الناس نحو شيء مؤثر وحقيقي ربّما؟ ألم يكن ممكنًا أن نركّز على جوهر القضية والمشكلة، بدلًا من أن ننشغل بركوع السيسي والزند وفتاوى جمعة وغيرهم وغيرهم..؟

لهذا لا تقم بمتابعة كلّ خبر وكل تحليل وكل مناسبة، هذه أمور لا تستحق التعليق حتّى ولا تستحق اقتطاع جزء من انتباهك لتحليلها ومتابعتها، ابقى يقظًا وإلّا أكلتك الذئاب وأنت تنظر ضوء القمر الجميل بالليل.

274

Did you find apk for android? You can find new Free Android Games and apps.
الكاتب

ضيوف تبيان

يمكن للكتّاب والمدونين الضيوف إرسال مقالاتهم إلى موقع تبيان ليتم نشرها باسمهم في حال موافقة شروط النشر، راسلنا على البريد: tipyanmedia@gmail.com ،مقالات الرأي تُعبر عن رأي الكتاب ولا تُعبر بالضرورة عن تبيان.

التعليقات

  • xsameer منذ سنتين

    اصبت وربي … شكر الله لك قولك وفهمك

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    مشاركة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.