تأملت طويلا في حال ثورات الربيع العربي الذي تعلقت به آمال الملايين من المسلمين، ونظرت في حال كل ثورة على حدى فوجدت من الظلم أن نجمع الثورات كلها في سلة واحدة ثم نسدد عليها أحكامنا ونصمها بالفشل، ذلك أن لكل ثورة مقومات ومعطيات وخط سير وعوامل مؤثرة فيها أدت بالضرورة إلى تشخيص مختلف، وإن شئنا أن نصفها بوصف مشترك فلا أرى أنسب لها من قول، إن ثوراتنا الآن تقاوم لأجل البقاء مع اختلاف درجات المقاومة من ثورة لأخرى.

إننا اليوم نعيش مرحلة التدافع بين ثوارنا أنفسهم وبين الثوار وأنظمة الطغاة وحكومات الغرب بثوراتهم المضادة، هذه هي المرحلة التي تمر بها ثوراتنا.

نعم فقد أثبتت التجارب والخبرات بعالم الثورات في سفر التاريخ أن لكل ثورة انطلاقة قوية تعقبها مرحلة ثورة مضادة قد تطول وقد تقصر بحسب خصوصية كل شعب ونظام الحكم الظالم، تخمد فيها أعراض الثورة إلى حين من وقع التدافع بين الثوار أنفسهم وبينهم وبين الثورة المضادة، ثم تأتي بعدها مرحلة جني الثمار وقطف أهداف الثورةالتي غالبا ما تنجح إن أصر أصحابها عليها.

لكن هذا لا يعني أن ثوراتنا كلها ستنجح، بل للأسف بعضها قد وطأ محيط دائرة الفشل فعليا لأنه افتقد للكثير من المقومات التي تقوم عليها ثورة شعب عازم على الانتصار.

وقبل أن نتعمق في تشخيص حال ثوراتنا ونخمن مآلاتها، لابد أن نتفق على مفاهيم واقعية نبني عليها استنتاجاتنا.

أولها: أن هذه الأنظمة ليست مختصرة في شخص الرئيس الحاكم، ولا مجرد أنظمة جثمت على صدور المسلمين من نفسها، بل هي أنظمة وظيفية أوجدت بعمد وبتخطيط غربي لإحكام الهيمنة على الشعوب المسلمة، فهي أنظمة أنشأت خصيصا لتتغلغل في بلداننا ولتحكم قبضتها علينا بقوة القمع والاستبداد وبمكر الغرب يمتد عمقهما إلى تاريخ سقوط الخلافة الإسلامية.

ثانيا: أن أي ثورة بحاجة لقيادة، تكون واعية مدركة تتمتع بوضوح الرؤيا وبالخطط والعبقرية التي تمكنها من قيادة جماهير المسلمين الثائرة والغاضبة وتوجهها لأفضل توظيف لهذا الغضب، فلا تتشتت معها القوى ولا تفقد البوصلة ولا تنشغل بنزاعات داخلية مجهضة.

ثالثا: أن المبادئ التي تنطلق منها الثورة لابد أن تكون مبادئ راسخة بإيمان عميق بها، وإن لم تأتي من منطلق الإيمان القوي بها فلن تحقق تغييرا، ولهذا الغضب لمجرد الغضب الذي يزول مع أول صدمة، فهذا لن يقتلع ظالما، نحن بحاجة أن ننطلق من شريعتنا من مبادئ عقيدتنا التي تنهى عن المنكر وتأمر بالمعروف، لابد أن يكون منطلق غضبنا إيماننا أننا خير أمة أخرجت للناس لا نركع لغير الله.

رابعا: لابد من الأخذ بعين الاعتبار تدخل أطراف غير متوقعين وغير مرحب بهم في خارطة الثورة في مرحلة ما أو في موقع محدد، فأعدا ء هذه الأمة كثر والمتربصون بها لا يسأمون من ملاحقة أحلامنا وتحويلها لكوابيس، وأن نتحرر دون تدخل منهم يضبط حرياتنا ويقيم الطاغية الجديد الذي يخدم مصالحهم!، فتوهم ذلك سذاجة لا تليق بحجم الطغيان الذي عرفه المسلمون وحجم القمع الذي عايشوه وحجم التضحيات والضرائب التي دفعوها.

خامسا: إن إرهاصات عقود من الزمن تحت قبضة حكام خونة ظلمة فجرة، لا يعني أبدا أننا لن نتفاجأ بمضاعفات جانبية لثوراتنا، فليس تباين ردات الفعل الثورية إلا نتيجة طبيعية لاختلاف أنفسنا البشرية ومفاهيمنا وطرق نظرتنا لواقعنا، لهذا فلا نعتبر أي تعقيد يعرقل سير ثوراتنا من الداخل إلا عرضا طبيعيا لدرجة احتقان هذه الشعوب ردحا من الزمن ولدرجة تباين مستوى الوعي والإدراك بين أفرادها وجماعاتها، فما أن أبصرت الشعوب بصيص النور أصيب بعضها بنوع من الزلزال كيف يستوعب هذا التغيير وكيف يتجاوب معه وقد يفقد البوصلة من شدة الاضطراب.

سادسا: أن الحكم على ثورة لا يعتمد على فئة معينة أو شريحة بذاتها فيه، إنما نركزعلى القوى الفعالة فيها والمؤثرة بحق والتي يمكنها أن تحقق الفارق، هنا تختلف معايير التقييم بلا شك.

سابعا: لقد زرعت مفاهيم فاسدة في المجتمعات المسلمة خلال العقود المنصرمة أوهمت المسلمين أن السبيل الأفضل لإقامة الحكم الرشيد هو طريق الديمقراطية، ففزع قومنا ينادون بها بجهل أو بغفلة، يحسبونها خيرا لهم في حين هي محض شر.

ولعل أسوأ ما في هذا المشهد هو تلك الجماعات الإسلامية التي اتخذت من نهج الديمقراطية شعارا لها وعمدت لأسلمتها رغم تنافيها ومعالم الإسلام، وأوهمت أتباعها أنها الحل العبقري للخروج من عنق الزجاجة. بينما في الواقع لا تعدو الديمقراطية أكبر فشل متكرر أقرّت به تجارب هؤلاء الإسلاميين. ولكن قوة الضخ الإعلامي لترسيخ المفاهيم الفاسدة في ذهن المسلم، وقوة الدعاوى الدولية التي تسعى للعولمة والديمقراطية في العالم الإسلاميكان لها تأثيرا سلبيا كبيرا في تشتيت الرؤى وتبديد العزم وضياع الهمةما ظهر أعراضه بوضوح خلال ثورات الربيع العربي.

دعونا الآن نسلط الضوء على كل ثورة لوحدها كي نشخص حالها وندرس مآلاتها:

ثورة تونس

Embed from Getty Images

كانت الثورة القدوة التي ألهبت مشاعر المسلمين وأوقدت فيهم نار الجرأةوالشجاعة على كسر حاجز الخوف، انطلقت بعفوية وبدون أي تنظيم يقودها الغضب والغضب فقط، من شدة حرارتها فرّ الطاغية الجبان زين العابدين بن علي في خلسة وأخفى رأسه في أرض أخرى وكأنه لم يجرم بحق أحد.

فسقطت آمال الثورة في شباك النظام العميق الذي بقي متقنعا مستفيدا من انشغال الشعب في صبّ جلّ حنقه على شخص الرئيس الراحل وبعض حاشيته المشردين، فعمد لامتصاص هذه الثورة بطريقة ذكية و أخرج لهم نموذجا يناسبه بمقاييس غربية محببة هدأ من روع الشعب الثائر وأسكنه بحقن التخدير الخبيث وتمّ ترويضه من جديد.

وإن كنت أرى أملا في ثورة تونس فأعتقد أنه لا زال بعيدا، ربما بسبب افتقاد الثورة التونسية لقيادة قوية راشدة ولحاجتها لرسم خريطة أهداف حقيقية محددة واستراتيجية لتحقيقها ثم لتعبئة الأمة على أسس عقدية دينية بحتة لا أسس اقتصادية وديمقراطية لا تصب إلا لمصلحة الهيمنة الغربية. وهذا يعني أن الشعب التونسي لا زال بحاجة لجهد الدعاة والمصلحين في تقويم المفاهيم وتصحيحها لأجل انطلاقة أكثر انتظاما وبرؤية واضحة ولا يزال هناك أمل.

 

ثورة مصر

Embed from Getty Images

إن الثورة المصرية التي سطرت أروع المشاهد لإباء المسلمين أمام طاغية لا يرحم لحريّ بتوثيقها في سجلات التاريخ الناصع لهذه الأمة إلا أن دراسة أسباب تثبيطها وتسكينها رغم استمرار مسبباتها ورغم تحلي الشعب المصري بدرجة وعي مقبول لهي من أهم الدراسات التي يجب على المسلمين وأبناء مصر خاصة العناية بها.

ذلك أنني أرى في ثورة مصر أملا عظيما لبقية الثورات نظرا لموقعها الاستراتيجي من جهة ونظرا للمقومات التي يمتلكها هذا الشعب المسلم، ثم إن ما صدم ثورة مصر كان حكم العسكر الذي يقف عصيا أمام طموحات هذا الشعب المسلم، وهو حكم أقيم منذ عقود لحماية أمن إسرائيل وبمباركة أمريكية.

فلا يظن عاقل أن اجتثاثه سيكون بهذه السهولة، هذا يعني أن معركة المصريين مع نظامهم الظالم ستطول بلا شك، ولست أرى ثورة مصر وأدت بل أراها تشتعل كالجمر تحت الرماد، فكل الأسباب لازالت تحرض المصريين لتغيير واقعهم وكلما تحتاجه ثورتهم هو بعض الثقة والصبر وبلا شك التنظيم على مراحل.

لأن ثورة مصر هي في قلب ثورات الأمة، وأي تغيير تحققه يعني تغيير واقع الأمة كلها، وهو ما قد يحتاج بعض الوقت ربما لنضوج الفكر الثوري في أذهان جيرانها وبقية الشعوب التي لا زالت تقبع تحت سلطة القهر وربما أيضا لسد ثغرات الثورة.

من جهة أخرى أرى أن ثورة مصر تنتظر الريح المواتية لاقتلاع حصون وعروش النظام المتسلط والمستبد، وهذه الفرصة إذا ما حلّت بديار المصريين لا أتخيل أحدا سيتخلف عنها ، بل ستكون نتائجها مبهرة كما أبهرتنا تلك الجموع الجريئة في ساحات التحدي أمام جبروت الطاغية.

ويمكنني تلخيص وضع ثورة مصر بأنها تستجمع أنفاسها لتثور من جديد في وقت لا يعلمه أحد إلا الله لكنها لم ولن تخمد لأنها تمتلك كل عوامل الثورات وتواجه ثورة مضادة قوية جدا تعكس بالضرورة طول أمد مرحلة التدافع هذه، والتي خلالها أرى أن على الثوار أن يستدركوا أخطاءهم فيها بحكمة لجني ثمار صبرهم عاجلا أم آجلا.

 

ثورة اليمن

Embed from Getty Images

ثورة تفاجأ شعبها بحجم المكر الذي دبر بليل لسرقتها، إنها ثورة تمثل واقع الأمة كلها لا واقع اليمنيين فحسب، من جهة فإن اليمن قريبة جغرافيا من مركز الأمة الإسلامية بلاد الحرمين وهي أرض لا زالت تعاني من تسلط حكومة لا تمثل إلا نفسها، ومن جهة أخرى فإن أطماع الحوثيين أبت إلا أن تغير من خط سير سيناريو الثورة اليمنية، أضف لذلك قدرة الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح على اللعب مع أوراق اليمن المبعثرة وتحصين نفسه رغم بشاعة صنيعه بحق الشعب اليمني، كل هذا وغيره أمد من عمر الصراع في تلك الأرض وأضفاها لمسات تعقيد جديدة.

ولم تتفاجأ الثورة اليمنية فقط بهذا التطور غير المتوقع بل زادها فجيعة تلك العاصفة التي عصفت بآمالها وطموحاتها وأمعنت في تعقيد الوضع على أرضها، حينما قصفت طائرات التحالف العربي الشعب اليمني بكل عمد ولا مبالاة لدرجة استهجنها الغرب ومنظمات حقوق الإنسان ووصفوا هذا التحالف لأجلها بالمتهور وطالبوا بإدراجه في قائمة العار لجرائم الإنسانية فضلا عن حظر الأسلحة عنه.

ما يعكس فعليا درجة التهور التي امتاز بها هذا التحالف الذي لم يحقق شيئا من أهدافه المعلنة منذ انطلاقه سوى الإمعان في تعقيد المشهد اليمني وتأكيد ضعفه كتحالف عسكري، ثم أطماع الإمارات التي باتت تتغلغل بشكل خطير ومثير للتعجب في جسد اليمن حتى أضحت الشرعية اليمنية تشتكي من حلفاء أمس، وتندد بالتعديات الصارخة بحق قواتها التي بدأت تنسحب ذليلة كذلة رئيسها الذي لا يمكنه أن يدخل قصره في عدن إذا رفضت ذلك قيادة الإمارات.

دون أن ننسى تنديد اليمنيين بسياسات الاحتلال الإماراتي واختطافه لأبنائهم والزج بهم في سجون الغدر والعدوان التي رصدت مآسيها منظمات حقوق الإنسان الدولية ونشرت حولها التقارير الطويلة .

إنني أرى اليمن تتنازعها الأيدي الطامعة من كل جهة وأرى شعبها منهك بسبب المؤامرات من جهة وبسبب الوضع المعيشي المزرى والأوبئة والفقر الذي أثقل كاهله.

دون أن ننسى دور المجتمع الدولي السيء والذي بدل أن يهاجم الحوثي ويقطع طرق إمداداه كما يعلن ذلك مع كل تنظيم يصنفه بإرهابي خارج عن القانون الدولي، نراه يرخي الحبل، ويستعمل لغة السياسة وضبط النفس.

مستفيدا من هذا الوضع الذي كشف عورة التحالف العربي وقلة كفاءته أمام ثلة من المتمردين الحوثيين يتحدون دول الخليج في كل يوم ويجمعون الصواريخ الإيرانية من كل نوع ولا يستحيون من المجاهرة بأهدافهم الخطيرة!.

إذاً ثورة اليمن لم توأد ولم تنتهي بل فصولها تدور بعسر ولا زالت في مرحلة التدافع، ولن تنتهي في وقت قريب لأن قوات كثيرة تدخلت لتطغى على واجهتها ولتعكس أهمية هذه الأرض، ولن تخرج منها هذه القوى إلا بعد أن يصمد الشعب اليمني معتزا بدينه وصامدا بمطالبه وإن طال ليل الظالمين ليعلن انتصار ثورته.

 

 ثورة ليبيا

Embed from Getty Images

إن ما شد انتباهي لثورة ليبيا هو أمرين اثنين، أولهما قدرة الشعب الليبي على خلع الطاغية القذافي وتأديبه بشكل لم يتوقعه أحد وبسرعة رهيبة تعكس حجم الألم والظلم الذي عاشه هذا الشعب المسلم في ظل حكم رئيس مصاب بجنون العظمة وقوة العزم والجد التي يتميز بها الشعب الليبي في ذات الوقت، وثانيهما درجة الاهتمام التي أظهرتها الدول الأوروبية وعلى رأسها إيطاليا وبريطانيا وفرنسا بليبيا، ولو أن التاريخ ينطق لقال: إن ليبيا لا زالت في أعين الأوروبيين مستعمرة أوربية.

كذلك ثورة الشعب الليبي تفاجأت بلاعبين لم يكونوا في حسبانها، ولا أوضح من مشهد دولة بحكومات ثلاث، كلها تحظى برضا ودعم خارجي، ثم خليفة حفتر اللواء المتقاعد الذي يحمل في حقائبه ميراث حكم طاغية سابق وإن زعم غير ذلك، هذا ما عكسته سيرته وسياسته وطريقته وعلاقاته في معالجة الأزمة الليبية.

نعم تدخلت أطراف أخرى في ثورة ليبيا كما كل الثورات المجاورة، ولا شك أن الإسلاميين كانت لهم ردودهم وطرقهم التي تباينت بحسب مراحل الثورة، إلا أن حجم المكر الدولي وسوء الإدارة الداخلية للثورة قسم الشعب الليبي على مخاوفه، ربما من جهة لفقدانه الثقة بهؤلاء الإسلاميين ومن جهة لخشيته من صعود طاغية جديد بدعم المجتمع الدولي المتربص بثورته.

ولا زالت ثورة ليبيا لم توأد ولا زالت تصارع قوى الشر وأخطبوط أطماع الغرب ولا زالت آمال الشعب الليبي تحيا بحياة إيمانه وعزيمته وإصراره على تغيير وضعه مهما طال الزمن فقط ننتظر أن ينجلي ظلام التدخلات الغربية في أرض عمر المختار بمعجزة من الله أو بأيدينا.

 

ثورة سوريا

Embed from Getty Images

هي الثورة الأكثر تعقيدا في كل الثورات وإن كانت أسرعها لامتشاق السلاح إلا أنها في ذات الوقت أسهل الثورات في التقاط طعم الأعداء! ذلك أنها الثورة الوحيدة التي رضيت بمفاوضات مع طاغيتها الذي ثارت لاقتلاعه، والذي لا زال رئيسا معترفا به في مجتمع دولي منافق ولا زال بفضل تنازلها للتفاوض، يحظى بمكانة عند رؤساء الدول الغربية.

ولو نظرنا الآن لأي حال وصلت لها الثورة الشامية لعجبنا من شدة التمكن الذي حققه بشار الأسد رغم المراحل الرائعة والإنجازات المبهرة للثورة الشامية والتي شدت لها أنظار الأمة الإسلامية قاطبة وعقدت عليها الآمال العظيمة وأصبح الجميع يرى فيها المخرج لأزمة الأمة كاملة لا سوريا فحسب.

للأسف اليوم أضحى بشارالأسد يحكم 60% من سوريا التي تضج أرضها بقواعد الروس والإيرانيين وميليشيات حزب الله ومرتزقة الرافضة الذين غزوها في زمن غفلة.

أما قوى المعارضة فأتقنت التنازع والاقتتال ولا زالوا يتراشقون الاتهامات في حين استغل الوضع أولئك الدهاة واتجهوا لتوقيع الاتفاقات وبيع ثورة الشام تحت ستار الحنكة السياسية.

فأصبحنا نشاهد اليوم نتائج الأستانا تجعل من القوى الغازية، أس البلاء في سوريا،تجعل منها قوات حفظ للسلام شرعية كحال روسيا وإيران، وبدأنا نسمع الحديث عن تقسيم البلاد بطريقة لا ترضي إلا بشار الأسد وحزبه وبدأنا نسمع عن مرحلة ما بعد الثورة وكأنهم حققوا الانتصار!.

في الواقع لا يمكننا تخمين درجة نجاح الغرب في تثبيط ثورة الشام وتخديرها لأنني لا زلت أرى أن عنصر المفاجأة قد يكون لا زال في أيدي الثوار إن استدركوا ما فاتهم ووحدوا صفوفهم وأجبروا العالم لسماع كلمتهم وأيديهم قابضة على الزناد ولأنهم سبق وأن أثبتوا قدرتهم على قهر هذا النظام.

ذلك أن العالم لا يفقه إلا قوة السلاح ولأن بشار الأسد بنفسه أتقن هذه اللغة فحقق معها نجاحا يؤلمنا رغم أنه كاد يهلك في الهاوية بفعل دفع الثورة القوي في يوم مضى، فرغم كم الاتفاقيات والهدن التي وقّع عليها باسم السياسة، لم يغير من واقع قصفه المتواصل وهجماته المستمرة وسيطرته المتمددة بقوة السلاح، وكأنه يلهي خصمه بالسياسة في حين يجني ثمار عزمه بالعمل العسكري في الميدان.

لهذا فإن ثورة الشام ظاهرها بيعت على موائد اللئام ولكنها عوّدتنا طيلة خط سيرها على المفاجآت، فلا زال الأمل كبيرا في تجاوز هذه الثورة كل العراقيل والمكائد والوقوف على تلة الانتصار بعزة وإن طال الزمن ، فلننتظر معا نتائج التدافع فيها ونجتهد في الدعاء.

دعونا نتخطى مرحلة إحصاء المشاكل لنقدم حلولا لهذه المشاكل فنخرج من دائرة التنظير لمجرد التنظير:

فلكي نخرج من حالة التشنج التي تعيشها الثورات الآن لابد من معالجة نقاط الضعف التي كشفتها لنا مرحلة الثورة المضادة والتي على رأسهاكانت تشتت قيادة الثورات وضعفها، ذلك لاستدراك هذا الخطأ وتقوية جسم القيادة الثورية بالنظر في كل السقطات التي وقعت فيها الثورات كلها في بلاد المسلمين لا مجرد ثورة واحدة.

لابد من خوض معركةالوعي وإحياء المفاهيم الصحيحة والسلمية على أعلى المستويات، وعدم الاستهانة بهذا الميدان وقطع الطريق على الماكرين والمتسلقين فلا تعددية حزبية ولا ديمقراطية ستخرج الشعوب من مصابها إنما عودة الإسلام كاملا هي الحل الأمثل لكل مشاكلنا حتى نقف على أرضية صلبة مشتركة تنطلق منها ثوراتنا وتتوحد معها مطالبنا وأهدافنا وكذا نوعية وسائلنا.

لابد من تعبئة وإعداد للإطاحة بالأنظمة العميقة لا التي تظهر على الواجهة وذلك بالأخذ بعين الاعتبار قضائها وإعلامها وعسكرها، وفي هذا يدخل الإعداد النفسي والشرعي والعسكري.

فلا يمكن لثورة أن تقوم بدون إعداد وبدون أن تكون متحصنة بقوة السلاح، هذا ما أثبتته التجارب في عصرنا الحالي عندما نواجه الطغاة.

لابد من إعادة الثقة بالنفس وببعضنا البعض، ومن ترابط الثوراتبينها وتوحيد صفوف الأمة من جديد حول الإسلام مطلبا شرعيا وضرورة حياتية لكل مسلم ومسلمة، للثبات في هذه المرحلة وعدم النزول لمستنقع الإحباط واليأس أبدا، فإذا صح العزم وضحت السبيل.

ولن نخذل إن كان شعارنا أمة واحدة وجسد واحد. وهنا يتجلى أكثر دور العلماء والدعاة والمصلحين في هذه الأمة.

لابد من ثورة مع النفس قبل أي ثورة، تجدد فيها النوايا وتوقد فيها الهمم وتحدد فيها الأهداف ويتزود فيها بالصبر والحكمة واليقين. ثم إن أضعف الإيمان أن تبقى تلك الحرقة والرغبة في التغيير مشتعلة وتنتظر تهيأ الفرص والأسباب لتنتزع حقوقها بلا تسويف.

ويقال إن الثورة يخطط لها الأذكياء ويقوم بها الشجعان ويستفيد منها الانتهازيون فلا أسوء من عدو يقف معك في الصف في حين يرموا بعينيه التسلق عليك وعلى دمائك وتضحياتك، هؤلاء هم العدو فاحذروهم وتحسسوا الصادقين فقط لتبنوا معهم أعمدة الثورة إن أردتم لها النجاح.

ويجدر الإشارة إلى أن السبب في طول أمد مرحلة التشنج التي تمر بها ثوراتنا هو ذلك التجاذب بين تيارات فكرية وسياسية ودينية متعارضة، ونحن الآن أمام مرحلة تدافع بين هذه التيارات ولا شك أن التيار الفائز في الأخير والأكثر رسوخا وموائمة ومعتقدات هذه الأمة ودينها، هو الذي سيقود مشعل الثورات إلى خط النهاية وهو الذي سيحقق التغيير المنشود.

ومن هنا يمكننا الجزم بأن الثورات لم تنتهي بعد وإنما ننتظر ما ستخرج به مرحلة التدافع  والتمايز ولن يضيع الله تلك التضحيات والدماء وحرقة القلوب المؤمنة إن أخلصنا الطلب وأحسنا الظن بالله وهذا ما يجعل فرص إزهار الربيع العربي أكثر من فرص ذبوله وإلا فإن سنة الاستبدال لنا بالمرصاد.

 

219

الكاتب

د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفٌة بالإعلام وصناعة الوعي، صدر لي ستة كُتب حتى الآن (نجوم على الطريق، وصفحات من دفتر الالتزام، وإليكِ أنتِ، وقبس من خاطر، وأمريكا التي رأيت، وقراءات مختصرات).

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.