قمنا في التقرير الماضي ” الإسلام السياسي بعيون كارنيغي” بتلخيص أهم ما جاء في التقرير الذي أعده مركز كارنيغي حول تصاعد التمرد الإسلامي، ولقد حان دورنا لنبدي رأينا كما فعل كاتبي التقرير، ولكن يجب أن يكون ذلك الرد عقلانيا بحيث يوضح الحقائق بدون ذكر المزيد من المعلومات المجانية والتي ستكون محل دراسة لهم.

تحليل لأهم ما ورد في دراسة كارنيغي حول التمرد الإسلامي

كما أنهينا تقرير “تاريخ الإسلام السياسي في مصر” بجملة “احفظوا التاريخ لا للمعايرة بل لكي لا تتكرر المآسي” أود أن أوضح أن هذه المرحلة ليست جديدة فلقد مرت بها الأمة قبلًا في عهد فاروق، عبد الناصر، السادات، ومبارك. فإذا قمنا بإلقاء نظرة على كراتنا البلورية وأمعنا النظر فيها وأعدنا قراءة الأحداث والتقارير والتوصيات بإحكام سنوفر الكثير من الوقت الذي سنقضيه فيما هو مجرب بالفعل.

1- بداية أود أن أوضح بعض النقاط مثل تلك المتعلقة بالباحثين صاحبا الدراسة: ليس من الحكمة الخوض كثيرًا في ذكر انتمائها ومحاولة تتبع مواقفهما السياسية، ولكن من الطبيعي الحرص على إظهار أفكارهما في الإطار الخاص بها.

بالطبع يجب قراءة ما يصدر من تقارير وتحليل ما جاء بها، ولكن وفقًا لمقياس؛ فليس كل ما يقال يصدق، ولا كل ما يظهر هو الحقيقة الكاملة.

اقرأ أيضا: أعداؤنا يستخدمون ردور أفعالنا

2- مهما حدث من خلاف في المرجعيات والأيديولوجيات فالإخوان كجماعة ستظل أقرب للتيار الإسلامي منه إلى النظام، هذه بالطبع ليست دعوة للتيارات الإسلامية المختلفة للاصطفاف على حساب المنهج والقيم والأيديولوجيات، ولكن نوعًا من وضع الأمور في نصابها الطبيعي.

3- هناك قانون فيزيائي يقول” الضغط =القوة / المساحة” –أي أنه كلما قلت المساحة زاد الضغط-فمن مصلحة أعدائك وخصومك أن تبقى مُفتّت فتقل المساحة التي تمثلها نتيجة خروج البعض من تحالفك؛ فيزداد تأثير الضغط عليك وتحس به أكثر.

4- كل ما جاء في التقرير يدل على أن المقاومة الموجودة على الأراضي المصرية يحركها الإسلاميون وحدهم، أعلم أن التقرير في الأساس يتحدث عن الإسلام السياسي ولكن هل رأينا خلال التقرير وأثناء الحديث عن تجنيد الشباب أن أحد الشباب من أصحاب المنهج الليبرالي أو الاشتراكي قد انضم للمقاومة؟، فدورهم لم يحن بعد. وأعتقد أن تلك النقطة خصيصًا لم توضع هباءًا، بل وجدت عن قصد وعمد، وهذا يعتبر مدخل للملاحظة التالية:

5- اختيار طرفين فقط للحل من بين كل أطياف الصراع ليس أمرًا عابرًا أو محض صدفة. فالعالم لا يقف ساكنًا أمام التهديدات الجديدة، فبعد أحداث 11 سبتمبر أُجريت العديد من الأبحاث عن الإسلام السياسي، ومن وجهة نظري استند هذا البحث على واحدة من تلك الدراسات وانطلق منها، وعلى حسب التوصيات في تلك الدراسة قام الباحثان هنا باختيار طرفين فقط وجها لهما التوصيات للخروج من هذه الأزمة المصرية، وأرى أن تلك الدراسة هي تقرير مؤسسة راند لعام 2005 بعنوان ” الإسلام المدني الديمقراطي: الشركاء والموارد والاستراتيجيات

ذُكِر في التقرير بالنسبة للأصوليين –الجهاديين- يجب محاربتهم واستئصالهم والقضاء عليهم وأفضلهم هو ميتهم وتأتي محاربتهم عن طريق ضربهم بالتقليديين واثارة الصوفيين ضدهم ثم استخدام الحداثيين لضرب التقليديين واخيرا استخدام العلمانيين للقضاء على التقليديين[1]

تبعًا لرأي الباحثين فالأزمة المصرية تتمثل في لجوء بعض المصريين للفكر الجهادي وإمكانية انضمام فئات أخرى إليهم، وبالتالي نحن أمام حالة من الراديكاليين الذين نريد القضاء عليهم، وطبقًا للدراسة التي أشرت إليها-تقرير راند- فإن أفضل الطرق للقضاء عليهم: هي استخدام الفكر التقليدي أو الجماعات التي لا ترى بأسًا في انتهاج المسلك الديمقراطي إذًا فهذا دور جماعة الإخوان، وهذا الأمر اُستخدِم في فترة حكم مبارك في تمرد الثمانينات والتسعينيات، أي أنه أمر مجرب ولم تكن الحكومة في حاجة إلى النظر في تقرير راند أو تلك الدراسة لتطبيقه فهي قد نجحت فيه قديمًا من قبل ظهور تلك الدراسات، هذا صحيح ولكن هناك اختلاف هذه المرة نابع من كون الجماعات التقليدية ليست موجودة على الساحة المصرية أو بمعنى أدق فالفكر التقليدي نفسه لم يعد موجود على الساحة المصرية إلا في قيادات جماعة الإخوان والذين لم يعد لهم قدرة على السيطرة على قاعدتهم الجماهيرية التي كفرت بالتحول الديمقراطي تبعا لتجربتهم التي باءت بالفشل.

6- ولذلك فالوضع المصري بالطبع يقلق الكثيرين سواء الحكومة المصرية، أو الحكومات أصحاب المصالح على الأراضي المصرية، فجميعنا قد تابع سقوط الطائرة الروسية على أراضي سيناء والتي اتضح فيما بعد أنه من فعل ولاية سيناء، فوجود مثل تلك الجماعات الجهادية على الأراضي المصرية يُعد أمرًا خطيرًا ومخيفًا لنظام عالمي عجز-إلى الآن-عن إيقاف الجهاد السوري، فلا يتحمل الشرق الأوسط وصول ذلك المد الجهادي إلى بقاع أخرى، ومن هنا تأتي أهمية تلك الدراسة في كونها وُجِدت خصيصًا لإعادة ملء الفراغ الناتج عن تحول شباب جماعة الإخوان من الفكر التقليدي المتمسك بالإسلام السياسي إلى الفكر الجهادي.
7- فالعودة بجماعة الإخوان إلى مسارها القديم يعد مكسب كبير جدا للنظام: أولًا لضمان وجود الترتيب المنطقي للجماعات الذي اعتادت الحكومة التعامل معه. ثانيًا: الحكومة لديها كل الطرق-والتي أثبتت فاعليتها-للقضاء على التمرد الإخواني القديم، فخروج الجماعة عن الإطار المحدد المعروف أمر يزعج السلطات فالنتيجة التي توصل إليها الجميع بعد دراسة 648 جماعة إرهابية تواجدت بين 1968 و2006 هي: [2]

938692_120567368314891_752641538_o
8- يؤكد الكاتب دائمًا على أن جماعة الإخوان-ويقصد القادة-هم الجهة الفاعلة الإسلامية الرئيسة المناهضة للحكومة، وهذا قول خاطئ حتى من خلال تحليله هو أثبت أن حالات التمرد الشبابية والجماعات الجهادية أشد أثراً على الحكومة، لأن قادة الجماعة هم المعارضة منزوعة الانياب والتي تستطيع الحكومة التعامل مع مثيلتها سواء بالاحتواء او الاعتقال والتشريد، أما المعارضة الحقيقية فهي التي تستطيع فعل تغيير على المعطيات وتغيير في لغة الحوار والاستراتيجيات والجهد المبذول للقضاء عليها وكذلك مدى حجم الخسائر التي تتسبب بها. بالطبع المعارضة التي تسير وفوق القوانين والمسارات الدولية المعروفة تعد معارضة مقبولة بالنسبة للنظام، لأن النظام يستطيع التعامل معها من خلال إصدار قانون يمنعها من العمل، أو قانون يحكم عليها بالخيانة العظمى، وعندما تتصالح المعارضة مع الحكومة، هكذا وبكل بساطة تسقط التهم كما حدث في عهد عبد الناصر، أما تلك المعارضة العشوائية والتي لا يحكمها قوانين ثابتة فلا تستطيع الحكومات التعامل معها حتى لو كانت تلك المعارضة مكونة من مجموعة من الهواة لأنها غير مأمونة العواقب.

9- في ظاهرة غريبة تعكس نوعًا من السطحية في التعامل مع المواقف وعدم تحمل المسؤولية، رأيت أن معظم الدراسة وفي الجزء الخاص بالجماعات الإسلامية عمومًا مبنية على دراسات وحوارات مع أفراد من تلك الجماعات وفي أحيانٍ أخرى شخصيات قيادية، كيف لهؤلاء أن يكونوا قادة وهم لا يتحملون أدنى درجات المسؤولية ويقومون بكل بساطة بالإدلاء بمعلومات مجانية؟!، وهناك فرق بين نشر قضيتك وإفشاء أسرارك، أنت تعلم أنك تمثل نوعًا من الضغط عليهم فبأي حق تنشر نقاط ضعفك على الملأ في تصرف غير مسؤول، ليستفيد منها خصومك، ويُضر منها أبناؤك في الداخل، فسبيل الوصول إليك صعب بعض الشيء فأنت تحمل جواز سفر ولديك حق اللجوء السياسي. وهذا أحد التصريحات” وأوضح قيادي إخواني شاب “الصعوبات التي تواجه القوى المناهضة للانقلاب في تنفيذ خطة تشكيل مجموعات المقاومة الشعبية، أهمّها حماية هذه المجموعات من اختراق الدولة لها، إضافةً إلى ضمان تماسكها الإداري والإيديولوجي… [فهذه الخطوات ضرورية لزيادة] قدرة المجموعات على وضع خطة جادّة لإخضاع أجهزة الدولة، وربما تتعاون مع الجماعات اليسارية [لتحقيق هذا الهدف]. والتحدّي الآخر هو تمويل هذه المجموعات، وأخيراً المدى الذي ستمضي إليه جماعة الإخوان… في دعم هذه الهيئة الثورية”.

10- وتبعاً لهذا التصريح لا أستبعد زيادة الضغط الأمني على الجماعات اليسارية من مصادرة للأموال كما حدث مع “هيثم محمدين” عضو الإشتراكيين الثوريين، أو أحكام هزلية كتلك الخاصة بـ “معتقلي العزاء” المنتمين إلى حركة 6 إبريل والذين حكم عليهم بمؤبد بعد اعتقالهم وهم يؤدون واجب العزاء.[3]

11- أوضح الكاتب في أكثر من موضع أن الشباب استخدموا وسائل التواصل الاجتماعي، إذًا فمراقبة شبكات الانترنت ليست فقط لمجرد معرفة المتمردين، بل كانت وسيلة مدروسة لقطع الأفكار الجهادية او الأفكار العنيفة من التسرب للمجموعات الشبابية الناشئة.

12- وفي تتبع لكلمات التقرير سنجد أن الحكومة قد اتخذت بعض الإجراءات من شأنها ردع حركات التمرد الشبابية أو الحد منها: –

  • مراقبة الانترنت ومنع وصول المعلومات التي تحرض على العنف للشباب
  • حملات أمنية قاسية
  • تتبع معلومات المشاركين عن طريق ما تنشره الجماعات باستهتار عن افرادها، حيث جاء بالتقرير” وعندما نشر المشاركون قدراً كبيراً من معلومات تحديد الهوية على مواقع وسائل التواصل الاجتماعي، تمكّنت الشرطة من تعقّب واعتقال النشطاء الذين أفلتوا من عمليات الاعتقال الأوليّة”
  • التعذيب الممنهج ونشر صوره بين الناس لردع البقية
  • المعلومات التي تأخذ تحت وطأة التعذيب

13- ليس الاعتقال بتلك البطولة التي يصورها الأعلام الإسلامي وليس “جدعنة”، لا يجب أبدًا أن نحرص عليه أو لا نأخذ حذرنا منه؛ فهو ليس بالشيء الهين بل هو كسر للنفوس والعزائم، غير أنه يجد المعتقل نفسه تحت وطأة التعذيب مضطر للإدلاء بمعلومات من شأنها الإيقاع بإخوانه، كما ذكر الكاتب هنا ” اعترافاً مفصّلاً يشير إلى أن واحداً منهم على الأقل كان عضواً في “أسرة” إخوانية، وهي الوحدة المحلية الأساسية للتنظيم.”، ” والبعض يقدّمون معلومات عن زملائهم نتيجة للتعذيب”.

14-  أمرٌ مثير للقلق أن يقوم الكاتب بمحاولة الوقيعة بين أطراف هو في الأصل يقوم بدراسة ظاهرة خاصة بهم فقط، حيث قام بذكر جملة مثل ” فإنهم يهمّشون من لديهم مظالم سياسية مشروعة يودّون التعبير عنها” عندما تحدث عن السلفيين الذين يتحدثون في الفضائيات التابعة لجماعة الإخوان.

15- وعندما قام الكاتب بتوجيه التوصيات إلى الحكومة لم يتحدث إلا عن بعض التعديلات في الخطة الأمنية وكأنه يظن أن الإسلاميين يريدون فقط تحسين شروط العبودية. واهمٌ هو هذا الكاتب، فالإجراءات التي شرع بعض الإسلاميين في تنفيذها لا تدل إلا على رغبة في “نسف الواقع”-كما يقولون- وإقامة الشريعة والخلافة. إذا فالمعادلة بالفعل صفرية، معادلة بقاء وليس مجرد تحسين أوضاع.

16- لم يخطئ الكاتب عندما قام بتقسيم الإسلاميين إلى جهاديين وثوريين عنيفين، فبالطبع الفريقان لا يشبهان بعضهما رغم اتفاقهما في السلوك-العنف ضد الحكومة- إلا أن سلوك العنف من الجهاديين سيستمر حتى إذا عاد مرسي نفسه وخرج جميع المعتقلين من السجون وحُكِم جميع أفراد الأمن والمسؤولين، فكما ذكرت يبدو الوضع بالنسبة لهم معركة بقاء إما نحن أو هم. أما بالنسبة للثوريين حملة الأسلحة: حمل السلاح بالنسبة لهم مجرد سلوك ليس نابعًا من قضية نضالية وجودية بالنسبة لهم، كل ما في الأمر أنهم يحاولون أخذ حقوقهم، فإذا رُدت لهم المظالم سيعودون عن حمل السلاح كالطفل الذي يستخدم أي شيء ليسترد حقه من زميله المخالف له في العقيدة الذي ظلمه، فالأمر بالنسبة له ليس جهادًا، فقط يريد استرداد حقه. غير أن الكاتب أخطأ في وصف “”حركة المقاومة الشعبية”، “العقاب الثوري”، “كتائب حلوان”. ” بأنهم جهاديين.

بلا شك فالتقرير يضم بعض المعلومات التي لم أذكرها كوني أحاول كتابة تلخيص وتعليق ليس إلا، كما أنه يحوي كثير أو قليل من الاستنتاجات التي لم تمكني نظرتي ولا معلوماتي من الانتباه لها، لذا حاول عزيزي القارئ وبقدر إمكانك أن تقرأ التقرير الأصلي وتخرج منه بما تستطيع، فإذا خرجت بما يخالف وجهتي فباب النقاش مفتوح لمن أراد. وأخيرًا أود التأكيد على أن:

ليس كل ما يصل إليك هو الحقيقة الكاملة، بل هو ما تعمد الكاتب إيصاله إليك، فلا تأخذ تلك التقارير على أنها حقائق علمية قبل أن تتأكد منها بنفسك، أو تتابع خطوات من حاول التأكد منها

جميعنا يشهد الآن ذلك الصراع المحتدم بين قيادات الجماعة والقيادات من الشباب، والذي-أقصد الصراع- ربما يودي بحياة الجماعة والقضاء عليها تمامًا، أو يشهد ميلاد عظيم لجيل جديد كره الاستسلام، وذاق كثيرًا بسبب ما يسمُّونه الحكمة وقُتل وعُذب وشُرد نتيجة للجمود الفكري للقادة الذين هربوا للخارج وذاقوا الذل على عتبات الغرب، وتخلوا عن مناهجهم على عتبات الكونجرس ليحظوا بمجرد تعاطف أو قلق من “بان كي مون”، غير أنهم لا يعلمون أن الجميع ينصت لمن لديه ما يلوح به. ملحوظة أخيرة لهؤلاء الذي فسد عندهم ميزان العقل: دفع الفتيات للموجهات ليس مقاومة وليس جهادًا وليس دفعًا للصائل وليست ثورية وليست أي شيء جيد، فقط هو إلقاء إلى التهلكة، ومن يتحجج بوجود صحابيات في الحروب، أود أن أخبره أن تلك الصحابيات كن ينزلن في المعارك أي معهن من يحميهن ويرد عنهن إذا احتدم الأمر.

المصادر:

  1.  ” الإسلام المدني الديمقراطي: الشركاء والموارد والاستراتيجيات-مترجم- “ &  “التقرير باللغة الإنجليزية”
  2. “تقرير راند لعام 2008 كيف تنتهي الجماعات الإرهابية”
  3. “حركة 6 إبريل تتحدث عن معتقلي العزاء”

889

الكاتب

دينا راغب

مهندسة حاسبات ونظم تحكم، كاتبة لمقالات رأي، ومحررة للأخبار، أهتم بقضايا المسلمين والمستضعفين، وأهوى القراءة والتدوين. ببساطة: أحلم خارج المسارات.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.