• دراسة بقلم: محمد الشبراوي، كاتب صحفي وباحث، محام وناشط سياسي مصري. نستعرض في هذا الموضوع مقدمة وتمهيدًا  لهذه الدراسة ويتبعها في موضوع آخر مضمون الدراسة

منذ أحداث فض اعتصامي رابعة والنهضة-التي وقعت في الرابع عشر من أغسطس/ آب 2013، وراح ضحيتها آلاف من المصريين بين شهيد، وجريح عبر عملية إبادة جماعية لمتظاهرين سلميين بحسب التوصيفات الدولية-تتجدد التساؤلات حول الصمت الدولي ومدى مصداقية دعاوى انتصار الغرب لـ حقوق الإنسان والديمقراطية، لا سيما أن هناك من يؤمل في كسب موقف غربي رسمي مناصر. وبعيدًا عن ازدواجية المعايير، التي تتعامل بها القوى الغربية المهيمنة على النظام العالمي (أميركا والاتحاد الأوروبي)، خاصةً في ظل عدم محاسبة أي مسؤول أو حتى توجيه اتهام على مستوى الداخل المصري.

بعد ثلاث سنوات

رغم مرور ثلاث سنوات حتى تاريخ كتابة هذه الورقة فإن ردود الفعل الرسمية للفاعلين الدوليين لم تراوح على مدار هذه الفترة منطقة الشجب، والاستنكار والإدانة، أو التعبير عن القلق، ولم تدفع تجاه إجراء حقيقي على الأرض لمحاسبة الجناة.

على مستوى المنظمات الدولية، فقد توالت تقارير المنظمات التي وثقت وأدانت ما حدث في رابعة والنهضة، و يأتي على رأسها منظمة هيومن رايتس ووتش، ومنظمة العفو الدولية.

  • منظمة هيومن رايتس ووتش

في ملخص تقريرها الصادر في 12 أغسطس/ آب 2014، أشارت هيومن رايتس ووتش إلى أن عمليات القتل لم تشكل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان فحسب، بل إنها ترقى على الأرجح إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية، بالنظر إلى اتساع نطاقها وطبيعتها الممنهجة، وكذلك إلى الأدلة التي توحي بأن عمليات القتل كانت جزءًا من سياسة تقضي بالاعتداء على الأشخاص العزل على أسس سياسية (1)، وجاء في  أهم التوصيات الموجهة للدول الأعضاء في الأمم المتحدة أن تُشكَل من خلال المجلس الأممي لحقوق الإنسان لجنة دولية لتقصي الحقائق بغرض التحقيق في كافة انتهاكات حقوق الإنسان الناجمة عن أعمال القتل الجماعي للمتظاهرين منذ 30 يونيو/حزيران 2013.(2)

هيومن رايتس ووتش

كذلك تعليق كافة مبيعات وتوريدات الأصناف والمساعدات المتعلقة بالأمن لمصر حتى تتبنى الحكومة إجراءات لإنهاء الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، مثل تلك المتعلقة بقمع المظاهرات السلمية إلى حد بعيد، ومحاسبة منتهكي الحقوق.(3)

  • مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة

اعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف تقرير مصر النهائي للمراجعة الدورية الشاملة لملف حقوق الإنسان، والذي اشتمل على أكثر من 300 توصية قدمتها 122 دولة من دول العالم لمصر بغية تحسين ظروف حقوق الإنسان، وقد اعتبر رافضو الانقلاب في مصر  وقتها ذلك انتصارًا كبيرًا للملف الحقوقي المصري.

غير أنه منذ تاريخ اعتماد هذه التوصيات في نوفمبر 2014، لم يحدث ثمة تقدم في الملف الحقوقي المصري، بل تفاقمت الانتهاكات حيث انتقدت  منظمة «هيومن رايتس ووتش» وقت اعتماد مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة تقرير مصر للمراجعة الدورية الشامل في 20 مارس 2015 ما وصفته:

قمع غير مسبوق ومستمر تمر به مصر الآن لاسيما وأن الحكومة المصرية ومنذ الاستعراض الدوري الشامل في نوفمبر الماضي 2014 ارتكبت انتهاكات أكثر (4).

  • منظمة العفو الدولية

كذلك أشارت منظمة العفو الدولية في تقريرها الصادر عن مصر 2015/2016، إلى استمرار وضع حقوق الإنسان في التدهور، حيث فرضت السلطات بشكل تعسفي قيودًا على حرية التعبير وحرية تكوين الجمعيات وحرية التجمع السلمي، كما أشارت إلى إصدار مئات من أحكام الإعدام الجائرة.

منظمة العفو الدولية

وحول ما يتعلق بالإفلات من العقاب، أشارت منظمة العفو إلى تقاعس السلطات المصرية عن إجراء تحقيقات فعَّالة ومستقلة ونزيهة بخصوص معظم حالات انتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك الاستخدام المتكرر للقوة المفرطة من جانب قوات الأمن، مما أسفر عن وفاة مئات المتظاهرين منذ يوليو/تموز 2013. (6)

سؤال مهم يحتاج  إجابة

في إطار الاستعراض التمهيدي السابق، وبعد ثلاث سنوات من مجزرة فض اعتصامي رابعة والنهضة، مازال هناك من يؤمل في نصرة النظام العالمي-الذي يقوده الغرب وأميركا-لملف حقوق الإنسان والديمقراطية في مصر ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم التي ارتُكبت؛ حيث يرى البعض أن هناك قصورًا في الملف الحقوقي من جانب رافضي الانقلاب في ثلاث مسارات هامة وهي: مسار التوثيق ومسار المتابعة الجنائية ومسار جماعات الضغط، و من الممكن عند تدارك القصور فيها أن يتم الوصول إلى محاكمة المسؤولين دوليًا.

منظمة العفو الدولية

ورغم وضوح الحالة المزرية لحقوق الإنسان، والإدانات والاستنكارات المتتالية، والتوصيات الصادرة، والحقائق الموثقة، وتصاعد الانتهاكات المنهجية والمتنوعة لحقوق الإنسان، وقتل الآلاف واعتقال عشرات الألوف، يثور على الدوام تساؤل حول مدى مصداقية دعم المنظومة العالمية لتحول ديمقراطي حقيقي والانتصار لحقوق الإنسان! في ظل ما يؤمله البعض من أن ينتصر النظام العالمي بقيادة أميركا والغرب (بمنظماته الأممية ومجالسه ومحاكمه الدولية التي يسيطر عليها) للديمقراطية وحقوق الإنسان في الحالة المصرية وفي غيرها، رغم ازدواجية المعايير على أرض الواقع، ومشاركة الغرب، وأميركا في انتهاك الديمقراطية، وحقوق الإنسان في مناطق مختلفة من العالم وفي منطقتنا العربية تحديدًا.

في هذه الورقة

نحن معنيون بالنظر في هذا السؤال، والإجابة عليه في إطار معطيات التاريخ والواقع والمصالح، والقيم الإنسانية المجردة ، من أجل وضع اليد على الحقيقة، و وضوح  الرؤية بين من يرى أن الغرب لن ينتصر متجردًا للشرعية وحقوق الإنسان في الحالة المصرية أو غيرها، وبين من يعول على الغرب وهيئاته ومنظماته الحقوقية ومحاكمه الجنائية عبر نافذة الحريات وحقوق الإنسان، ويتوسع في ذلك أملًا في  تحقيق نصر لملف الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وفي سبيل ذلك سوف  نتناول الأمر عبر المحاور التالية:

أولا:  ما حقيقة الموقف الأميركي والأوروبي من الأحداث في مصر؟

ثانيا: ماذا يريد الغرب وأميركا من مصر؟

ثالثا: هل حقوق الإنسان والديمقراطية مجرد دعاوى وأدوات ضغط؟

رابعا: ماذا بعد في ظل المشهد الحالي؟

هذا مما سيجيب عليه الكاتب في الدراسة القادم نشرها… انتظرونا


الهوامش:

  1. تقرير هيومن رايتس واتش بعنوان حسب الخطة (مذبحة رابعة والقتل الجماعي للمتظاهرين في مصر).
  2. التقرير السابق.
  3. التقرير السابق.
  4. محيط شبكة الأعلام العربية نقلا عن الأناضول الجمعة 25 مارس 2015
  5. تقرير منظمة العفو الدولية عن مصر 2015/2016.
  6. تقرير منظمة العفو الدولية السابق.

286

الكاتب

محمد الشبراوي

كاتب، وباحث، ومُحلِّل سياسي، ومحامٍ وناشط سياسي مصري.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.