دراسة بقلم: محمد الشبراوي، كاتبٌ صحفيٌ وباحثٌ، محامٍ وناشطٌ سياسيٌ مصري. نستعرض في هذا الموضوع: «حقيقة الموقف الأميركي والأوروبي من الأحداث في مصر». وإجابةً على سؤال «ماذا يريد الغرب وأميركا من مصر» ويتبعها في موضوعين آخرين ما بقي من الدراسة ورابط تحميلها كاملة.



أولًا: ما حقيقة الموقف الأميركي والأوروبي من الأحداث في مصرَ؟

منذ اللحظاتِ الأولى للانقلاب على الدكتور محمد مرسي كان الموقف الأميركي والأوروبي واضحًا، ويمثل استكمالًا لذات المسار قبل الثالثِ من يوليو، والذي لم يكن مع الربيع العربي ولم يتعامل مع المنطقة بأسلوبٍ جديدٍ بعيدًا عن الأسلوب القديم الذي يعتمد على الانقلابات العسكرية ولكنهم دعموا انقلابًا خشنًا وعنيفًا، وامتنعت أميركا وأوروبا عن وصف ما جرى في مصر بأنه انقلابٌ عسكري.

ومع تصاعد انتهاكات السلطة وكبت الحريات والزج بالألوف في المعتقلات ظل الموقف ثابتًا ولم يخلُ الأمر من تصريحاتٍ دبلوماسيةٍ وتكتيكيةٍ ناعمةٍ لمخاطبة الداخل الأميركي والأوروبي، وامتصاص غضب الداخل المصري، ليبدوَ الموقف الغربي أقربَ إلى الترحيب بالانقلاب واعترافًا به واعتبار عودة ما قبل الثالث من يوليو 2013 أمرًا مستحيلًا.

Embed from Getty Images

كذلك فإنه مما لا شك فيه أن المواقف الأميركية والأوروبية تجاهَ مصرَ والمنطقة تنحاز دائمًا إلى مصالحها ومحكومةٌ بهواجس ومصالح الكيان الإسرائيلي المحتل، والذي يرى في وجود حكومةٍ منتخبةٍ، ورئيسٍ منتخبٍ بمرجعيةٍ وطنيةٍ وإسلاميةٍ تهديدًا مباشرًا لوجوده، حتى وإن أكدوا على احترام معاهدة السلام واتفاق كامب ديفيد-فالعملية الديمقراطية إن أتت بمن يعمل خالصًا للمصالح الوطنية المصرية فإن ذلك سيتصادم مع مصالح الكيان الإسرائيلي المحتل والهيمنة الغربية في المنطقة.

لقد شهدت الثلاث سنواتٍ الماضية وخاصةً زمنَ ما بعد تولي السيسي تأكيدًا لدور الكيان الإسرائيلي المحتل، والدور الغربي الفاعل في الانقضاض على تجربة 25 يناير والانقلاب على الرئيس المنتخب والعمل بقوة على دعم مرحلة ما بعد الثالث من يوليو وحثَّ الكيان الإسرائيلي المحتل القوى الدوليةَ على دعم رأس السلطة المصرية عبدِ الفتاح السيسي رغمَ الحالةِ الاستبدادية وانتهاكات حقوق الإنسان التي أنتجتها هذه المرحلة.

Embed from Getty Images

ثانيًا: ماذا يريد الغرب وأميركا من مصر ؟

ماذا يريد الغرب وأميركا من مصرَ؟ سؤالٌ لا بد أن تكون إجابتُه معلومةً بوضوحٍ لدى الجميعِ لأنه أحد المحدِّدات الهامة للأهداف الاستراتيجية ولتأطير قواعد التعامل مع الغرب وأميركا بحيثُ يحقق الاستقلالية الوطنية إذ لا يستقيم ألا يكون ثمة وعيٌ بذلك. فإن الهدف الذي يسعى إليه الغربُ وأميركا وبطبيعة الحال الحليفُ الإسرائيلي هو السيطرةُ على مصر وإبقاؤها قيدَ الهيمنة والتبعية، والحفاظ على ذلك بعيدًا عن أي تغيير.

Embed from Getty Images

يقول الدكتور حامد ربيع رحمه الله:

«والواقع أن هذا ينطلق من مقدماتٍ بعينها تدور حولَ أسلوب التعامل مع دول العالم الثالث، فأي حركةٍ في تلك الدول ترمي إلى تغيير الوضع القائم ، يجب أن تُواجَهَ بالعنف، إنها نوعٌ من الإرهاب الدولي، يقول هيج عندما كان مسؤولًا عن وزارة الخارجية بهذا الخصوص: إن مفهوم مقاومة الإرهاب الدولي-وهو الاصطلاح الذي استُخدم للتعبير في العالم الثالث-يجب أن يَحِلَّ في اهتمامنا مكانَ مفهوم الدفاع عن حقوق الإنسان، وكذلك فإن مواجهة هذا الإرهاب الدولي يجب أن تجري من خلال استخدام القوة العسكرية، من العبث الحديثُ عن الإصلاح أو التقدم أو التجديد. الذي يعني القيادات الأمريكية هو القدرة على الاستئصال الجسدي والعنصري للقُوى الثورية والقيادات الرافضة».[i]

فثمةَ قناعةٌ لدى هذه القُوى مجتمعةً أن مصرَ لو استطاعت أن تهيئ لنفسها قيادةً حقيقيةً فهي مؤهلةٌ لأن تجمعَ تحتَ رايتها الدول العربية والذي يعني ذوبان إسرائيل ووضعَ حدٍّ للنهب الاقتصادي الذي تمارسه القوى الغربية وأميركا. [ii]  لذلك ترى القوى الكبرى وأميركا أن الضمانة الوحيدة لمنع مصرَ من استعادة مكانتها ومحوريتها يستوجب الأخذ بوسائل السيطرة الكاملة وتأكيد التبعية، والهيمنة بما فيها الهيمنةُ المعنوية على الشعب المصري وشعوب المنطقة العربية.

لن تحكمنا أمريكا - مصر

إن الحالة المصرية ما بعد الثالث من يوليو 2013 وحتى مرحلة السيسي الحالية هي امتدادٌ للمخطط الاستعماري تجاهَ مصرَ والذي يرتكز على إضعاف مصرَ في عَلاقة السلطة أو القيادة الحاكمة بالشعب، وكذلك إضعافها في علاقتها بالمنطقة، وهذا ما تعيشه مصر فعليًا عبر قبضةٍ أمنيةٍ عسكريةٍ تولَّد عنها الانتهاكاتُ المتصاعدة للحريات وحقوق الإنسان، ويُعد الوضعَ المثاليَّ لاستمرار التبعية والهيمنة؛ فمصرُ في أضعف حالاتها فيما يتعلق بعَلاقاتها العربية وكذلك عَلاقةُ حكامها بالشعب حيث أصبح التسمم السياسي يسري في دماء المشهد المصري.

أسئلةٌ تطرح نفسها

في إطار ما يريده الغرب وأميركا من مصرَ ثَمَّةَ أسئلةٌ تطرح نفسها لدى كثيرين في المشهد المصري وهي:

هل القوى الفاعلة في المشهد المصري سواءٌ في الداخل أو في الخارج، والمعارضة والقوى الثورية بل وحتى السلطةُ تدرك حقيقة الموقف الغربي الأميركي وأبعاده الحقيقية؟

هل تعتقد القُوَى الفاعلةُ في التيار الإسلامي والتيارات الوطنية الأخرى أنها ستكون مَحَلَّ ترحيبٍ، وينتصر الغرب وأميركا متجردًا للديمقراطية التي أتت بهم، ولحقوق الإنسان التي انتهكتها السلطة في مصر، في ظل أحد ثوابت التيار الإسلامي والقُوى الوطنية المتمثلة في رفض الاحتلال الصهيوني والتبعية والهيمنة الغربية الأميركية على مصرَ؟

قيادات الإخوان داخل الكونجرس

هل من الممكن أن ينتصر الغرب وأميركا للديمقراطية وحقوق الإنسان في مصر والمنطقة وفي ظل السلام الدافئ الذي تحدث عنه رأس السلطة في مصر والاندماجِ الكامل للسلطة، وهرولة دولٍ إقليميةٍ للتطبيع وإقامة التحالفات مع الكيان الصهيوني المحتل؟

هل ثَمَّة إدراكٌ بأن مطالبَ التغيير لأجل الديمقراطية وحقوق الإنسان والعملَ من أجل الاستقلال عن الهيمنة والتبعية تتصادم مع استراتيجية أميركا في مصر والمنطقة والتي تستوجب مواجهة أيِّ تغييراتٍ ومواجهتها والعمل على تصفيتها وتفريغ المنطقة منها؟

ألا يفسر ما حدث ويحدث في دول الربيع العربي والمنطقة ويشارك الغرب فيه أسباب الصمت وغض الطَرْف تِجاهَ القتل والقمع وانتهاكات حقوق الإنسان والديمقراطية؟

Embed from Getty Images

هل تدرك الدولة المصرية ومؤسساتها الفاعلة أن ما يحدث في مصرَ الآنَ يمثل إنفاذًا على الأرض لرغبة القُوى الدولية في إضعاف مصرَ وأن النظام بذلك ينوب عنهم في القيام بمهمة تصفية القُوى الإسلامية والوطنية الرافضة للإرادة الصهيونية الغربية؟

هل يعمل النظام في مصر وفقًا لمبدأ كيسنجر (أن الخطر الحقيقي في هذه المنطقة سوف يتمركز حول عدم القبول بالإرادة الإسرائيلية) وهل يرى النظام أن القبول بالإرادة الإسرائيلية هو الضمانة الأساسية لاستمرار دعم الغرب وأميركا له وما يحدث على صعيد حقوق الإنسان والديمقراطية وغيرها ما هو إلا نتيجةٌ طبيعيةٌ لذلك؟

Embed from Getty Images

هل يدرك الجميع أن الغرب وأميركا ينظرون إلى أن استقرارًا من نوعٍ ما في مصر إذا كان مطلبًا ملحًا لمصالحهم فإنه يجب ألا يكون مِن خلال مَن يمثلون هُويةَ مصرَ الإسلاميةَ ولكنْ من خلال القُوى العَلمانيةِ التي تعمل وَفقًا للرؤية الغربية، ويفتقدون الظهير الشعبي وهذا ما يتطلب دعمًا من القوة العسكرية المهيمنة في مصر؟

ألا يطرحُ الانقلاب الفاشل الذي عاشته تركيا في الخامسَ عشَرَ من يوليو/ تموزَ 2016 أسئلةً ويقدمُ إجاباتِها-من خلال أحداثه وما تَكشَّفَ من الأدوار وردود الفعل الأميركية والأوروبية-لجميع القُوى في مصرَ حولَ ما يريده الغرب وأميركا في مصر والمنطقة؟


المصادر

[[i]] دكتور حامد ربيع -تحركات السياسة الأميركية على أرض مصر-الأهرام – العدد 735 القاهرة 14/2 1983

[[ii]]دكتور حامد ربيع-احتواء العقل المصري –الأهرام – العدد 733 القاهرة 31/1/1983

358

الكاتب

محمد الشبراوي

كاتب، وباحث، ومُحلِّل سياسي، ومحامٍ وناشط سياسي مصري.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.