على مدخل ميادين الحرية يقبع عسكرٌ بترسانتِهم ومُدرَّعاتِهم وعُدَّتِهم وعَتَادِهم، مُعلنين انتصارهم في تلك الجولة. نعم فهنا فَقدْنا، وهنا أُصِبنا، وهنا غطَّت راحة الغاز على رائحة دمائنا، والآن هم هنا… يأبى جُرْحُنا أن يندمل، جُرحُ ثورةٍ صنعناها، فانقضُّوا عليها بثورتهم المضادة تحت مرأًى ومسمعٍ منَّا. وأنَّى لجرحٍ كهذا اندمال؟!

لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ

نعم فَقدنا، نعم أُصِبنا، نعم خَسِرنا جولة، نعم… ونعم… ولكن حتى تلك الخَسَارات كانت مُقدَّرةً وكانت لسبب يعلمه الله ويخفى علينا بعضه. وهي خَسارات لا بد منها فهي ثمنُ التجربةِ وضريبةٌ واجبةُ الأداءِ. نرى آثارها عندما تُهدِينا الثورات المضادة-المنتفشة تحت عباءة قبضتها العسكرية-من المكتسبات ما لو عرفته لحاكمتنا عليه، فتلك سُنَّة الله: لا بد من ضريبة ولا بد من أَثْمان.

وحتى لا يكون كلامُنا محضَ خيالٍ، أو ما يُحرِّكه سوى بعض دَفْعاتِ الأمل؛ دعونا نستعرض بعض تلك المكتسبات:

حقيقة الأنظمة وقوة جذورها

منذ خمسة أعوام فقط لا بد وأنك تحدثت مع أحدهم يومًا مختالًا  فخورًا كيف أننا أسقطنا النظام في 18 يومًا فقط… وتابَعْتَ بابتسامة عريضة، تنُمُّ عن رِضائِكَ بنصيبك من أموال مبارك وأعوانِه حين تُقسَّمُ على الشعب.

اجلس مع نفسك قليلًا، وهاتِ بصديقِكَ هذا الذي حدَّثته، وكررا الحديثَ حول ذاتِ الأمر، ولاحظ فقط كيف أنَّ مفهوم النظام قد توسع وأصبح يشمل القضاءَ النزيه، والجيوش، والإعلامَ، ومصطلحاتٍ جديدةً كـ “الدولة العميقة”، ناهيك عن نظامٍ عالمي يتحرك الجميع وفق قواعده.

النظام

بعد هذا أتظن أننا سنكتفي بالثورة على رأسِ النظامِ، لنأتيَ بِأَذْرُعِه؟ هل خبرتنا هذهِ مما يُهمل؟ هل سنُخدعُ وننظر لنظام محلي دون النظر إلى مموليه ومُحرِّكيه؟

زيف الديمقراطية[1]

ظلَّت الديمقراطيةُ لعقودٍ طويلة أُكذوبةً كبرى، نحلم وننادي بها، نتمنى أن يُحالفنا الحظ لننعم بعدلها، ورخائها، وحقوقنا المُهدرة العائدة على يديها. حتى علَّمنا الواقع والتجربة، ورأينا بأعيننا كيف أن ديمقراطيتهم لا تنصر ضعيفًا ولا فقيرًا، ولا تسري قوانينها بالكيفية التي يُعلنونها، بل وتأكَّدنا أنها مسارٌ لا يُمكن السير فيه إلا بتنازلات، ولا يمكن الاستمرار فيه إلا من خلال الالتزام بقوانينِ صانعيها، والتي لا تنصر إلا مصالحهم.

اقرأ أيضًا: المقولات العشر الأكثر خداعًا في تاريخ الثورة المصرية

الثورات لا بد وأن تحسمها قوة ما في النهاية

رأينا وعايشنا كيف يَخضع الجميعُ لمن لديه ما يُلَوِّح به، وكيف أن حناجرنا وحدها لا تكفي، وأن الحناجرَ منفردةً بلا قوة ما؛ مَصيرُها إما الرصاص وإما الخَرَس أو السجن. تعلمنا أن القوةَ ليست العنف وليست التظاهرات وليست الهتافات وليست الهيئات الحقوقية وليست التخطيطات والمفاجآت… بل هي كلُ ذلك مجتمِعًا. وأن الضعفَ في مواجهة الأنظمة وطغيانها سبيلُ نزيفٍ من الخسارات فقط.

Embed from Getty Images

ويكون الدين كله لله

كيف أننا اعتبرنا الشعائر هي الدين، ومُقيمها-أي الشعائر-هو القائم بدين الله في عالمنا، واقتنعنا بذلك حتى خذل الدينَ كثيرٌ من النُسَّاكِ والعُبَّادِ على عتبات الفتن. فوجدنا أنفسنا فرادى بدون قادة ولا مرشدين إلا من رحم ربك. حينها علمنا كيف يكون الدين كله لله، من شعائرَ ونُسُكٍ وصدعٍ بالحق، وعدم ركونٍ إلى ظالمٍ بدعوى درء المفاسد.

ثوار السبوبة

وكأننا كنا تحت تأثير مخدرٍ واستفقنا، ولكنها ليست استفاقةً على أيدي طبيب، ولكنها على أيدي عدوٍ كان سببًا في فضح «ثوار السبوبة» حينما تركوا ما ادَّعوا أنهم المدافعون عنه من عدلٍ، وحقٍ، وعدالةٍ اجتماعية، وحرية… تركوا ذلك لأنَّ تلك لم تكن دعواهم، ولم تكن تلك هي قيمهم، بل كانت قيمتهم التي يؤمنون بها «الحقُ هو ما يدعو إليه المنتصرُ».

فلو لم يكن مكسبُنا من الثورات المضادة غيرَ أنها كانت أداةً للتمحيص وإعادة ترتيب الصفوف؛ لكفانا هذا منها

لدينا أزمة قيادة

ظننا أنَّ ما خرجنا من أجله قد تحقق، وأننا وضعنا ثورتنا وتحقيق أهدافها في أيدٍ أمينة، وقتها حدث خطأ لربما هو السبب الأكبر فيما وصلنا إليه الآن:

شِقُّهُ الأول: أن معظم-ليس كل-من كانوا في موضع يسمح لهم بالقيادة بالفعل، ولديهم القدرات؛ لم يتصدروا للأمر خوفًا من تبعات المرحلة القادمة، أو حتى لا يُقال إنهم صعدوا على أكتاف الشباب.

أما الشِقُ الثاني: أن الشباب من الثوار تصور كل منهم أنَّه لا يحتاج بعد الآن لنصائح هؤلاء، فلقد قام بثورة بدون تدخلاتهم فلِمَ قد يحتاج إلى نصائحهم.

ونجح النظام في اختراق الصفوف والانقضاض على الثورة من هذه النقطة تحديدًا؛ فمن لديه الخبرة ينقصه التأييد، ومن لديه التأييد ينقصه الخبرة. وما كان هذا ليحدث لو أن لدينا قادة بحقٍ يستطيعون تحريك المشهد إلى برِّ الأمان والأخذ بيدِ الشباب إلى تحقيق أهداف الثورة.

وما حدث غير هذا كان محاولات فردية وأثبتت نجاحها في تجميع الشباب على منهجٍ حقٍ وطرحٍ منهجي ثوري، ولكن للأسف كان لهذه الحالات الفردية عثراتها فلم تحقق النجاح المنشود.

وما كان لنا أن ندرك تلك الفاجعة من ذهاب الذين يُعاش في أكنافهم لولا تمكُّن الثورة المضادة جهارًا نهارًا.

ختامًا

هذه المكتسبات وغيرها الكثير والكثير ما كان لرخاءٍ أن يُنتجها، وليس ثمَّ انتصارٌ، ولا عِزةٌ، ولا كرامةٌ، من غير ضرائب وتضحيات. الدرس هنا غالٍ وثمينٌ، فلا يمكننا بعدُ العودة أدراجنا وكَأنَّ ثورة لم تقم وكأن تضحياتٍ لم تُبذل.

وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ


الهوامش:

[1] لا نتحدث هنا عن الديمقراطية من المنطلق الديني، ولا الفرق بينها وبين الشورى، فالأمر لا يحتاج إلى تجربة لنصدق صحيح الأدلة. ولكن حديثنا هنا عن واقع الديمقراطية العملي فقط.

664

الكاتب

دينا راغب

مهندسة حاسبات ونظم تحكم، كاتبة لمقالات رأي، ومحررة للأخبار، أهتم بقضايا المسلمين والمستضعفين، وأهوى القراءة والتدوين. ببساطة: أحلم خارج المسارات.

التعليقات

  • خذلان الجماعات الاسلامية منذ 4 سنوات

    وجب ذكر دور بعض الجماعات الاسلامية في خذلان انتفاضات الشعوب المسلمة، حيث لعبت دورا في منع سقوط الانظمة التي ثار الناس ضدها!

    رد
    1. دينا راغب منذ 4 سنوات

      هنا أتحدث عن المكاسب وليس الخسائر 🙂
      وبعض هذا الدور ذكرته في هذا الموضوع
      https://tipyan.com/ten-most-deception-citations-in-the-history-of-the-egyptian-revolution-2/

      وكذلك هنا
      https://tipyan.com/history-of-political-islam-in-egypt/

      وبشكل عام الموقع هنا به كثير من الموضوعات في هذا الشأن، كهذا الموضوع
      https://tipyan.com/deviation-in-islamic-movement/

      رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.