هل تركيا نموذج “إسلامي” نسعى إليه؟

التجربة التركية هي تجربة لطالما اتّجهت إليها أنظار المسلمين بل وحتى الغربيين كتجربة “ناجحة” للإسلام السياسي، لا أحد يمكنه أن ينكر النمو والتطور الذي شهدته تركيا منذ استلام حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان لمفاصل الدولة في 2003، ولا أحد يمكنه أن ينكر أن بعض دول الاتحاد الأوروبي أصبحت تحاول جاهدةً منع انضمام تركيا إليه لكي لا تؤثر على مصالحها وتنافسها فوق أراضيها.. لا يمكن إنكار موقف تركيا من غزة وإيوائها للاجئين السوريين وصرفها أكثر 4.5 مليار دولار عليهم.. ولا أحد ينكر أن تركيا أصبحت قوة إقليمية مُعتبرة في المنطقة.. كل ذلك لا يمكن إنكاره.

إنما نقطة نقاشنا اليوم هي: هل التجربة التركية هي تجربة “إسلامية” نريدُ نشرها في بلادنا؟ هل النهج التركي هو منهج نريد من جميع دولنا “الإسلامية” أن تسيرَ عليه؟ دعونا نتعرف على بعض الحقائق السريعة أولًا:

  • نظام الحكم في تركيا ليس “إسلاميًا” وليس مستمدًا من الشريعة، بل هو علماني.
  • جلّ القوانين التركية هي قوانين وضعية، تعتبر الدين مفصولًا عن السياسة.
  • الدستور التركي يعتبر الدين الإسلامي دينًا عاديًا كالمسيحية واليهودية، وليس مصدر تشريع، ويمنع تدخل الدين بتاتًا بالسياسة.
  • الدستور التركي يعتبر الخروج على الإصلاحات والإنجازات التي نفذها مصطفى كمال أتاتورك (مؤسس الجمهورية التركية الحديثة الذي قام بإلغاء الخلافة العثمانية) خروجًا على القوانين الدستورية، كما يمنع بتاتًا تعديل المواد المتعلقة بهذا الخصوص.
  • تركيا تبجّل الفكر الأتاتوركي، حتى أنه هناك نص في الدستور يقول: “أنّ الولاء لقومية أتاتورك”، صور المقبور موجودة في جميع مؤسسات الدولة تقريبًا. الفكر الأتاتوركي باختصار هو الفكر العلماني.
  • تركيا اقترضت قروضًا ربوية من قبل من البنك المركزي الدولي.
  • تركيا دولة عضو في حلف الناتو، الحلف الذي شارك في القتال بأفغانستان (للحياد: تركيا عضو مؤسس منذ 1952، ولكن هذا بالطبع لا يغفر أن تبقى تركيا عضوًا إلى اليوم).
  • تركيا لا تمنع الملاهي ومقاهي الدعارة، ولا تمنع الخمور، ولا تمنع القروض الربوية.
  • هناك بعض القيود التي لا تزال موجودة على الحجاب والنقاب في بعض مؤسسات الدولة والجامعات، بعضها تم إزالته مؤخرًا.
  • تركيا شاركت بمسيرة العار بباريس التي جرت عقبَ أحداث شارلي إيبدو، عن طريق تمثيلها بأحمد داوود أوغلو، رئيس وزراء تركيا.
  • تركيا لها علاقات صناعية عسكرية مع إسرائيل، وهناك شراكات في عدة مجالات، هناك شركات إسرائيلية أيضًا في تركيا على الرغم مما نسمعه إعلاميًا عن العداء بين تركيا وإسرائيل.
  • وأمور أخرى لا يتسع لها المقام هنا..

بناءً على كل الحقائق السابقة (والتي يمكنك الإطلاع على مصادرها بنهاية المقال) فتركيا ليست بلدًا “إسلاميًا”، فلا القرآن والسنة هما مصدر التشريع، ولا الأفعال مستمدة من القرآن والسنة فقط، ولا يوجد هناك سعي حقيقي كامل لأسلمة الدولة حقًا.

بالتالي، التجربة التركية هي ليست تجربة قد نودّ تكرارها في بلادنا، نعم، تركيا دعمت المسلمين في سوريا، دعمت أهل غزة، تحاول نشر الإسلام في افريقيا مؤخرًا لتواجه حملات التنصير، لديها العشرات من المدارس والجامعات الإسلامية الوقفية، تعادي الإنقلاب على الشرعية في مصر، تقف مع قضايا المسلمين، ولكن هذا لا يعني أنها تجربة “إسلامية”، فكونك تخدم الإسلام، لا يعني أنك تطبقه تطبيقًا صحيحًا ولا يعني أن تجربتك تجربة ناجحة، حتى لو حققت الرفاه لأهل بلدك، وحتى لو تقدمت اقتصاديًا وصناعيًا وثقافيًا وسياسيًا، فالتقدم والنجاح والتطور في هذه المجالات شيء; وتطبيق الإسلام وأحكامه وجعل الدولة مستمدةً لقوانينها منه شيء آخر.

البعض قد يقول أن حزب العدالة يسعى تدريجيًا لأسلمة الدولة وجعل قوانينها مستمدة من الشريعة، ولكن ذلك لا يعني شيئًا، فالغاية لا تبرر الوسيلة، والإسلام يرفض رفضًا قاطعًا أن يكون تحت إطار العلمانية بحجة “التدريج”، صحيح أنه هناك الكثير من الخناق الذي تم كشفه عن المسلمين منذ 2003، ولكن هذا لا يبرر بتاتًا إسناد الحاكمية لشيء غير شرع الله.

وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة: 44]، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة: 45]، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة: 47]
تفسير بن باز.

حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان بكل تأكيد يبقى أفضل من العربان الحكّام لدينا بلا شكّ; ولكننا نتحدث بكلامٍ خالٍ من العواطف عن التجربة التركية وارتباطها بالإسلام وإلى أي مدى تُعتبر “إسلامية” أم “علمانية”.

يُمكن مراجعة هذا الفيديو للدكتور إياد قنيبي حول الموضوع:

المصادر

  1. صفحة تركيا على ويكبيديا.
  2. دستور الجمهورية التركية.
  3. صعود الإسلام السياسي في تركيا (خلاصة) .
  4. تركيا تشارك بمسيرة شارلي إيبدو.
  5. مقالات منوعة على تركيا بوست.

789

الكاتب

فريق العمل

تبيان هو موقع يهدف إلى نشر الوعي الفكري الصحيح المستمد من مبادئ الإسلام السامية بين عامة الناس ومثقفيهم عن طريق نشر المقالات والتحليلات والمواضيع التي تهم الشباب المسلم.

التعليقات

  • Ahmed Mahrous منذ أسبوعين

    جزاكم الله خيرا

    رد
  • العربي منذ أسبوع واحد

    تركيا تتغير تدريجيا لان في تركيا اكبر اعداء الاسلام متغلغلين ونافذين ولا يستطيع اردوغان ومن معه تغيير الحكم بين ليلة وضحاها وانما تدريجيا مرحلة بمرحلة قبل اردوغان مجرد قولك بيت شعري في مدح للاسلام تدخل السجن مجرد صيامك رمضان تشطب من الجيش قبل اردوغان الحجاب ممنوع اقامة الشعائر الدينية ممنوعة على من يعمل في الدولة ..اليوم الوضع تغير ويتغير كل يوم الى الافضل

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    مشاركة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.